مصر: جمهورية جديدة تثبت دعائم الأمن القومي الإقليمي
27-5-2021

جمال رائف
* نائب مدير تحرير مجلة أكتوبر

لم تقتصر ثورة 30 يونيو فى تأثيراتها الإيجابية علي الداخل المصري فحسب، بل أمتدت للمحيط الإقليمي في دوائره المختلفة التي يتشابك معها الموقع الجيوسياسي لمصر، حيث ترتب علي الصمود المصري أمام المتغيرات السلبية الناتجة عن ثورات الخريف العربي علي بقاء الدولة المصرية كفاعل إقليمي مؤثر وذات فاعلية، مما مهد لميلاد الجمهورية المصرية الجديدة التي تعمل علي تثبيت الأمن القومي الإقليمي، صمود مصري وسط محيط إقليمي يمتلئ بالاضطرابات وتشتعل النيران بأركانه وتعبث الفوضى باستقراره،  لتصبح مصر محاطة بالتوترات الإقليمية، مما يهدد الأبعاد الاستراتيجية المختلفة لأمنها القومي. لذا، عملت القيادة السياسية، متمثلة في الرئيس عبدالفتاح السيسي، علي إعادة الاستقرار بمحيط مصر الإقليمي بما ينعكس علي استقرار الداخل المصري ويؤمن الدولة من كافة المخاطر عبر مختلف الاتجاهات،  فأصبحت الخطوط الحُمر للأمن القومي المصري تمتد نحو النقاط الإقليمية التي تشكل تهديدا لاستقرار الداخل المصري مهما بعدت تلك النقاط وعلي كافة الاتجاهات الاستراتيجية. لذا، أعادت الخارجية المصرية ترتيب داوئر اهتماماتها منذ عام 2014 بما يخدم مصالح الأمن القومي المصري لتصبح الدائرة العربية والإفريقية في الحيز الأول من الاهتمامات بجانب الدائرة الشرق متوسطية بما لا يخل برؤية الدولة المصرية المتعلقة بخلق توازنات سياسية مع كافة أقطاب العالم، مما يحرر الوطن من أي تبعية سياسية أو اقتصادية أو حتى أيديولوجية. 

اتزان بوصلة السياسة الخارجية:

قبل أن تعمل مصر علي دعم ركائز الاستقرار والسلام في المنطقة، سعت في البداية لكسب ثقة المجتمع الدولي عبر شرح الرؤية المصرية تجاه مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وهو ما سعت الدبلوماسية الرئاسية لإيصاله عبر خطابات الرئيس عبدالفتاح السيسي في الجمعية العامة للأمم المتحدة وكافة المحافل الإقليمية والدولية. دعم هذا أيضا تحركات الرئيس عبر جولات مكوكية جابت العالم شرقا وغربا، التقي خلاله مع مختلف قادة العالم، وعمل علي توطيد العلاقات بتوازن ملموس مع الأقطاب الدولية، مما انعكس علي خلق تنافسية بين الدول الكبري تتعلق بوجود علاقات جيدة مع مصر. في حين استغلت الدولة المصرية هذا الاتزان في علاقتها الخارجية لحصد مكاسب سياسية واقتصادية وأيضا عسكرية وأمنية، بما جعل جودة العلاقات المصرية الخارجية تنعكس علي الداخل المصري. اتزان بوصلة السياسة الخارجية المصرية أكسبها دورا إقليميا ودوليا متميزا، خاصة مع احتضانها فعاليات سياسية واقتصادية مهمة، مثل القمة العربية الأوروبية أو الفعاليات الإفريقية والعربية هذا بجانب استخدامها لأدوات دبلوماسية كانت غائبة في الماضي، وهي تلك المتعلقة بخلق تكتلات وتحالفات إقليمية تحقق المصالح المشتركة لكافة الدول المشاركة، مما انطبع علي شراكات مصر مع دول شرق المتوسط (اليونان وقبرص) أو دول الخليج (السعودية والامارات والبحرين)  أو دول المشرق العربى( الأردن والعراق ).

توازنات خلقت لمصر مجالا رحبا للعمل والعودة للمكانة الإقليمية والدولية التي تستحقها بما يساعدها في هدفها الأسمي المتعلق بدعم ركائز الأمن القومي الإقليمي لمصر المتشابك الدوائر سواء كانت عربية أو إفريقية أو شرق متوسطية وشرق أوسطية. تشابك يجعل الجهد والعمل الدبلوماسي شاق ومضن لاستيعاب المتغيرات المتسرعة بكافة الدوائر والنقاط الساخنة.

الثوابت المصرية الداعمة للأمن الإقليمي: 

ما أسهم في نجاح القدرة المصرية في استيعاب كافة المتغيرات الإقليمية والتعامل معها بمرونة وسرعة، بل بتدخل دبلوماسي أو عبر قوة الردع هو وجود ثوابت مصرية يتم إتباعها بكافة القضايا، ويمكن اختصارها في الآتي :

- دعم فكرة الدولة الوطنية ومؤسساتها المختلفة.

- مساندة الرغبة الشعبية والدفاع عن حق الشعوب في الحياة والوجود.

- محاربة الإرهاب والتصدي للفكر المتطرف.

- دعم الحلول السياسية والبعد عن تأجيج الصراعات العسكرية. 

- الحفاظ علي سيادة الدول ورفض التدخلات الخارجية.

- رفض كافة المحاولات الخارجية الساعية لإحداث تغيرات ديمغرافية في المحيط الإقليمي.

-  مساندة الدول الإقليمية في إعادة الإعمار وبناء مؤسستها المختلفة.  

تلك الثوابت وغيرها من المبادئ السامية التي تعبر عن سياسات مصر الشريفة والمخلصة والساعية نحو السلام والاستقرار الإقليمي شكلت رؤية مصرية تعمل من خلالها الدولة بكافة أدواتها لوأد التوترات والصراعات بدول الجوار بشكل خاص وفي المحيط الإقليمي بشكل عام.

أبعاد الأمن القومي المصري إقليميًا:

1- البعد الإفريقي العربي: والذي يشمل أكثر النقاط المشتعلة، التي تحول دون استقرار وأمن الإقليم، مما دفع مصر للعمل علي دعم القضايا المختلقة وفق أولوية تحددها نسبة المخاطر الواردة للداخل المصري تصديا لأي تأثيرات نتاج تلك التوترات علي الداخل المصري واستقراره.

2- فلسطين القضية المركزية: التي تراها الإدارة المصرية مفتاح الحل لمختلف القضايا الأخري بالإقليم، لهذا اتخذ الانشغال المصري بتصدير تلك القضية لواجهة الاهتمامات العربية والدولية مجددا سبلا كثيرة وجهودا حثيثة حتى استطاعت مصر إحداث زخم دبلوماسى أعاد فلسطين لصدارة المشهد كقضية مفصلية في مستقبل الصراع بالمنطقة. ولعل الأحداث الأخيرة أبرزت تلك المجهودات التي امتدت عبر السنوات الماضية بعد النجاح المصري في وقف إطلاق النار، ولفت نظر العالم مجددا تجاه القضية الفلسطينية بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية التي أهملت مع دخول الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن البيت الأبيض تلك القضية علي حساب اهتمامات أخري تتعلق بالشرق الأقصي أو تقليل عدد القوات في العراق وأفغانستان. نوبة الصحيان التي أحدثتها مصر للمجتمع الدولي بشأن القضية الفلسطينية تستثمرها الدبلوماسية المصرية الآن للبناء عليها والوصول إلي مسارات منجزة للتسوية، تعتمد علي حل الدولتين والقدس الشرقية عاصمة لفلسطين، كما تعد مبادرة الرئيس عبد الفتاح السيسي لإعادة إعمار غزة بمبلغ نصف مليار دولار تعبيرا عن الثوابت المصرية التي ترسخ للاستقرار والسلام الإقليمي.

العمل المصري تجاه القضية الفلسطينية تاريخي وممتد علي كافة المحاور، سواء كانت السياسية أو الإنسانية أو حتي التنموية. كما أن إعادة الإعمار تضمنت عملا دءوبا لإنجاز المصالحة الفلسطينية، وتوحيد الجبهة الفلسطينية الداخلية، مما دفع القاهرة لاستضافة العديد من الاجتماعات بهذا الشأن، كان آخرها اجتماع الحوار الوطني، الذي تضمن جدولا زمنيا للانتخابات، مما يمهد لتنظيم السلطة وتقويتها لخوض معركة دبلوماسية تنتصر خلالها وتحقق مكتسباتها الوطنية.     

3- ليبيا: والتصدي للمخاطر الأمنية الوافدة للداخل المصري والمتمثلة في الإرهاب والجريمة المنظمة عبر الاتجاه الغربي، مما جعل الأزمة الليبية محل اهتمام مصري، خاصة في ظل محاربة الإرهاب، والذي اتخذ من الفراغ الدستوري في ليبيا مجالا للعمل بمساندة قوي خارجية لها مصالح أيديولوجية واقتصادية في ليبيا، ومن ثم كان التحرك المصري عبر الدبلوماسية وسلاح الردع لتمكين الداخل الليبي من استعادة السيطرة علي دولته، والمضي نحو بناء دولته الوطنية ومؤسستها المختلفة، ولذا عملت مصر علي دفع المسار السياسي، سواء بشكل مباشر مع الشركاء الليبيين أو عبر الجهود الإقليمية والدولية في هذا الإطار، كما ساهمت في أخرج إعلان القاهرة، واحتضنت اجتماعات التشاور لمجموعة (5+5) التي نتجت عن مؤتمر برلين وغيرها من الاجتماعات التي تسهم في توحيد الرؤية ودعم المسار السياسي، كما عملت الإدارة المصرية وفق ثوابتها تجاه مختلف القضايا الإقليمية فمدت يد التنمية والإعمار للداخل الليبي مما أسهم بشكل فعال في ضمان الاستقرار الداخلي.

4- السودان: أحد الأبعاد الجنوبية التي شهدت توترات سياسية استقرت مع الاتفاق علي خريطة المرحلة الانتقالية، والتي دعمتها مصر بكل قوة، سواء عبر وجودها كرئيس للاتحاد الأفريقي أو بشكل ثنائي مع السودان التي تربطه علاقة استثنائية بالدولة المصرية، كما دعمت الدولة المصرية اتفاق السلام السوداني الذي وقع في جوبا. ووفق ثوابت المساندة المصرية للدول الشقيقة، تحركت مصر لدعم الخرطوم سياسيا واقتصاديا، وأيضا تنمويا، ومساعدتها في مجابهة جائحة كورونا، ومخاطر السيول والفيضانات، بل كانت داعما قويا لرفع اسم السودان من قوائم الدول الراعية للإرهاب، وقدمت رؤية داعمة للمستقبل السوداني خلال مؤتمر باريس الذي عقد لهذا الشأن.

مصر داعم أساسي لاستقرار السودان الذي يمثل أحد أبعاد الأمن القومي الإقلمي المؤثرة في الداخل المصري وبضمانة الاستقرار السوداني، عملت الدولة المصرية علي تنمية التعاون لمجابهة المخاطر المشتركة وعلي رأسها ما يتعلق بقضية سد النهضة وما نتج عن هذا من توحيد للمواقف بين البلدين، مما أسهم في خلق حصار دبلوماسي للجانب الإثيوبي كشف التعنت وعدم الرغبة في التفاوض من قبل أديس أبابا، كما تطور هذا التفاهم السياسي ليشمل كافة المهددات الإقليمية الأخري التي تؤثر في البلدين ولهذا تطور التعاون العسكري وازدادت وتيرة التدريبات العسكرية لتشمل نسور النيل فى نسختيها ثم التدريبات المشتركة حماة النيل.

وكانت زيارة الرئيس السيسي الأخيرة للخرطوم بمثابة دفعة قوية لتنمية العلاقات بين دولتي وادي النيل وفتح آفاق أرحب تستكمل مسيرة التعاون الإنمائي الذي شمل الربط الكهربائي، وربط السكك الحديد، وتعظيم الاستثمارات والتجارة البينية بين الجانبين، وكلها خطوات فعالة ومساندة لاستقرار السودان تقوم بها الدولة المصرية باستمرار وعلى كافة المستويات والأصعدة مما يسهم في حفظ الأمن القومي الإقليمي.

5- جنوب السودان: جاءت زيارة الرئيس السيسي التاريخية الي جوبا لتؤكد ما نطرحه من مدي الاهتمام المصري باستقرار كافة دول الإقليم، لما لهذا الأمر من انعكاسات إيجابية علي مستقبل شعوب المنطقة فكانت ولا تزال مصر داعما قويا لمسارات السلام والاستقرار في جنوب السودان، وقد ساندت اتفاق السلام الأخير الذي ينظم تقاسم السلطة، ويمهد لمرحلة سياسية جديدة ترسخ لمفاهيم الدولة الوطنية.

وكان الشق الاقتصادي والتنموي في العلاقات المصرية الجنوب سودانية حاضرا عبر مشروعات الري وحفر الآبار والبنية التحتية، وأيضا المشروعات في مجال الصحة والتعليم، وذلك في إطار استراتيجة العمل المصري التي تعمل علي مساعدة الدول الشقيقة في مواجهة عوائق الاستقرار الداخلي حتي تتمكن من النهوض وتحقيق السلام الداخلي الذي يلقي بظلاله علي الإقليم. 

6- إثيوبيا: أحد مهددات الأمن المائي لمصر، والذي يمثل جزءا لا يتجزأ من مقومات الأمن القومي، ومن ثم سعت مصر منذ بداية الأزمة لاحتواء الموقف عبر القنوات الدبلوماسية والتفاوضية المختلفة، في حين استغلت أديس أبابا أحداث يناير 2011 وما تبعتها من توترات داخلية استمرت حتي قيام ثورة 30 يونيو التي استقرت بعدها مصر واستطاعت أن تمارس دورها الإقليمي بما يحفظ مقدرتها ويصون ثروتها الطبيعية. وبالفعل خاضت مصر منذ عام 2014 بالتحديد معارك دبلوماسية وجولات متعددة للتفاوض حصلت خلالها مصر علي مكتسبات، من ضمنها وقف بعض الجهات الدولية الممولة للسد نشاطها التمويلي هذا بجانب الترويج للقضية بشكل إقليمي ودولي أظهر حقيقة الموقف الإثيوبي المتعنت، وذلك عبر التحركات المصرية مع الشريك الأمريكي، الذي احتضن مفاوضات واشنطن أو عبر التحرك من خلال مجلس الأمن والاتحاد الإفريقي، وجامعة الدول العربية، مما أكسب الموقف المصري حصانة دبلوماسية تحمي القرارات المستقبلية لمصر حال وقوع ضرر نتاج ملء سد النهضة دون اتفاق قانوني ملزم لكافة الأطراف، مما يضمن لإثيوبيا التنمية، ويضمن لمصر والسودان حق البقاء والوجود وهو الحق الذي لا يتعارض مع الحق في التنمية.

الثوابت المصرية تجاه أزمة سد النهضة لا تتغير ولا تتبدل ويدعمها تطابق الروئ السودانية التي تتحرك، جنبا إلي جنب مع مصر سعيا للحفاظ علي استقرار وسلامة شعوب وادي النيل. هذا الاستقرار سيؤثر في شرق القارة الإفريقية حال استمرت الإدارة الإثيوبية في مواقفها المعادية، ليس فقط لمحيطها الإقليمي، بل أيضا تجاه شعوبها الإثيوبية التي تواجه نفس مخاطر هذا النظام، سواء في تيجراي أو أوروميا أو غيرها من الأقاليم. 

7- الخليج العربي: يمثل أهمية قصوى تؤثر فى استقرار المحيط الإقليمي ويعبر عنه تصريح الرئيس عبد الفتاح السيسي المتضمن أن أمن واستقرار الخليج يرتبط ارتباطا وثيقا بالأمن القومي المصري، ولذا تدعمت وثائق العلاقات المصرية الخليجية على كافة الأصعدة، سواء السياسية أو الاقتصادية، وأيضا العسكرية والأمنية، وانضمت مصر لتحالفات ضمت دول خليجية داعمة لاستقرار الأمن الإقليمي، مثل الرباعي العربي أو الدول المتشاطئة علي البحر الأحمر، كما تضامنت علي طول الخط وبكافة الوسائل مع المملكة العربية السعودية ضد الاعتداءات الحوثية القادمة من اليمن وتهدد استقرار المملكة السعودية، مما انطبع علي التحركات المصرية تجاه المهددات الخارجية لمنطقة الخليج في هذا الإطار، وأيضا التضامن المشترك فيما يتعلق بمحاربة الإرهاب وتجفيف منابع تمويله. علي الجانب الآخر، تتفهم دول الخليج العربي أهمية استقرار مصر وتصاعد قوتها الإقليمية كضمانة قوية للأمن القومي العربي والإقليمي بشكل عام،  ولهذا دعمت السعودية والإمارات والبحرين وغيرها من دول الخليج ثورة 30 يونيو منذ لحظتها الأولي، مما انطبع علي جودة وتحسن العلاقات المصرية الخليجية فيما بعد وتعزيز الشراكات الاقتصادية والأمنية، وأيضا إيجاد تفاهمات سياسية بكافة القضايا محل الاهتمام المشترك، مما أسهم بشكل كبير في إيجاد حلول سياسية لعدد من قضايا المنطقة مثل القضية الليبية، وبالتالي يعد استقرار وتنامي العلاقات المصرية الخليجية إحدى ركائز الأمن القومي الإقليمي التي يجب دعمها حفاظا علي الأمن القومي العربي أيضا.

الشام ودول المشرق العربى: وما يدور به من نقاط ساخنة مثل تلك التي في العراق وسوريا ولبنان وما تمثله توتراتها الداخلية من مهددات إقليمية للأمن بالمنطقة، وهو أمر يجعل مصر دوما حاضرة لمساندة المسارات والحلول  السياسية ودعم الدولة الوطنية ومؤسساتها في هذا الحيز الجغرافي الذي يسكن بداخله بؤر إرهابية تشكل خطرا كبيرا علي الإقليم، مما دفع مصر لتوثيق التعاون الأمني مع العراق بالتحديد التي حققت نجاحا ملحوظا فيما يتعلق بمحاربة تنظيم "داعش" الإرهابي وهذا في إطار دعم مصر للجيوش الوطنية ضد الميليشيات والجماعات الإرهابية، كما عملت مصر على دعم طموحات العراق المتعلقة بإعادة الإعمار وعززت التعاون في هذا المجال، وانضمت هي والأردن لتشكيل تكتل اقتصادي جديد يخدم المصالح المشتركة بين الدول الثلاث، وأسهم في هذا العلاقات المصرية-الأردنية التي تتمتع بمستوي عال من الخصوصية والتفاهم، نظرا لارتباط مصر والأردن جغرافيا بمهددات أمنية مشتركة، مما دفع الدولتين لتطوير العلاقات بشكل متسارع ومستمر. وعلي الصعيد اللبناني، هناك اهتمام مصرى باستقرار بيروت وما يشكله هذا الاستقرار من انعكاسات إيجابية، سواء علي محيط شرق المتوسط أو المحيط العربي، ووفق ثوابت العمل المصري تدعم القاهرة دعائم الدولة الوطنية في لبنان وتحث كافة الأطراف علي إعلاء مصلحة لبنان، والإسراع في تشكيل حكومة وطنية بعيدا عن المحاصصة السياسية والمضي نحو برنامج إصلاح اقتصادي ينقذ لبنان من أزمته الراهنة،  ولم تتخاذل مصر عن تقديم الدعم السياسي والإنساني للبنان طوال الوقت سعيا وراء استقرارها الذي يمثل دعامة قوية من دعائم الأمن القومي المصري.

8- الساحل والصحراء: منطقة إفريقية تشهد توترات أمنية عززها اغتيال الرئيس التشادي إدريس ديبي وما يتبعه من مخاوف متعلقة بتصاعد النزاعات في هذا النطاق الجغرافي، والذي يشهد تناميا لظاهرة الإرهاب المتمثلة في جماعات، مثل تنظيم بوكوحرام وحركة الشباب الصومالية وتنظيم "داعش" وتنظيم القاعدة في المغرب العربي، وهو ما دفع مصر لدعم جهود محاربة الإرهاب عبر إنشاء المركز الإقليمي لمكافحة الإرهاب لدول الساحل والصحراء، وأيضا احتضانها اجتماعا لرؤساء أركان حرب القوات المسلحة لدول تجمع الساحل الإفريقي، هذا بجانب تعزيز العلاقات علي المستوي الثنائي مع دول هذا النطاق الذي يمتد من البحر الأحمر شرقا إلي سواحل المحيط الأطلنطي غربا بما يشمله من نطاقات صحروية وساحلية تشكل محاور جذب للجماعات الإرهابية المتدفقة من مناطق الصراع الأخرى، حيث باتت منطقة الساحل والصحراء أيضا -في ظل صراعات النفوذ الخارجية- ساحة معارك واقتتال تشكل تهديدا علي الأمن القومي الإقليمي. لذا عملت مصر خلال رئاستها للاتحاد الإفريقي بشكل مكثف علي تسخير جهود المنظمة الإقليمية لتهدئة الأوضاع في الساحل والصحراء، بجانب عمل مصر مع الشركاء الإقليميين والدوليين سعيا للقضاء علي انتشار ظاهرة الإرهاب، وخفض الصراعات عبر إيجاد حلول سياسية. وإعادة الإعمار. لذا سعت مصر لاستضافة مركز الإعمار والتنمية ما بعد النزاعات التابع للاتحاد الإفريقي إيمانًا منها بأهمية التنمية كأحد أسلحة الحرب علي الإرهاب. وهذا نابع من التجربة المصرية المتعلقة بمحاربة الإرهاب، والتي استندت إلي ثلاث ركائز، هى: المواجهة المسلحة والمجابهة الفكرية والتعمير والتنمية. يخدم العمل المصري بشأن محاربة الارهاب في الساحل والصحراء بشكل مباشر الأمن القومي الإفريقي وأيضا العربي، مما ينعكس علي تقليل المخاطر المتدفقة من تلك المنطقة نحو الاتجاهات المصرية المختلقة.

9- شرق المتوسط: محور شمالي لم يعد فقط يحمل تهديدات أمنية، بل أيضا تهديدات اقتصادية في ظل توافر الثروات الطبيعة من الغاز وقدرة الدولة علي ترسيم حدودها مع اليونان وقبرص والاستفادة من مقدراتها. لذا سعت مصر للحفاظ علي أطر للتعاون والشراكة بين اليونان وقبرص، مما شكل تكتلا سياسيا اقتصاديا عسكريا قادرا علي الحفاظ علي مقدرات شعوب تلك الدول، وأيضا ضمان استمرارية التعاون فأصبح الآلية الثالثة التي تجمع مصر واليونان وقبرص عقبة أمام أي طامع، في حين أصبح وسيلة للشراكة فتحت المجال لدول أخري عبر منتدي الغاز الذي تحول إلي منظمة إقليمية. وقد دفع تنامي المصالح الاقتصادية في شرق المتوسط مصر لتأمين تلك المصالح وأيضا السيطرة علي ظواهر أخري مثل الهجرة وتدفق الإرهابيين والجريمة المنظمة والتي تتخذ من البحر المتوسط طريقا للمرور، واستطاعت مصر بالفعل وقف أي محاولات للهجرة غير الشرعية عبر شواطئها، كما عززت من علاقتها مع دول المتوسط بشكل عام، سواء علي الشاطئ الأوروبي أو العربي، بينما لفت النجاح المصري في هذا المحيط الشركاء الأوروبيين تحديدا فتطورت علاقات مصر مع دول الاتحاد الأوروبي خاصة المطلة علي المتوسط الأمر الذي ساعد في إحداث تفاهمات مصرية-أوروبية في الكثير من قضايا المنطقة التي تؤثر في الأمن القومي الإقليمي.

10- البحر الأحمر: الطريق المؤدي الي الشريان الملاحي الأهم عالميا، والذي يعد تأمين مداخله الجنوبية أولوية لدي صانع القرار المصري، ولذلك تعمل مصر علي مساندة جهود التنمية والاستقرار بدول القرن الإفريقي، في حين تدعم محاولات حل الصراع في اليمن وصولا الي تهدئة تنعكس علي تأمين التجارة العالمية ولهذا انضمت مصر لمبادرة الجهود الإقليمية الساعية لتكوين تكتل إقليمي يضم الدول المتشاطئة علي البحر الأحمر. وقد دعت المملكة العربية السعودية لإنشاء مجلس دول البحر الأحمر وخليج عدن وتفاعلت مصر مع تلك الجهود ضمن عملها مع كافة الشركاء الإقليميين سعيا لتحقيق استقرار بهذا الشريان المائي الحيوي.

تجابه الدولة المصرية مخاطر أمنية عبر كافة الاتجاهات الاستراتيجية. في المقابل، هناك عمل مستمر وقوة مصرية شاملة تعتمد في داخلها علي مفردات عدة، من ضمنها الدبلوماسية والقوات المسلحة المصرية وكافة الأجهزة المعنية، قوة تشكلت بعد ثورة 30 يونيو تتصدي للمخاطر الخارجية وتضمن الاستقرار الداخلي لتحفظ للشعب المصري الحق في البقاء والوجود، لتبقي مصر صامدة قوية أمام هذا الكم الكبير من المخاطر الإقليمية المحيطة بها، بل تعمل باقتدار لفض الصراعات والنزاعات في المنطقة تحقيقا للسلام والأمن الإقليمي.

 


 


رابط دائم: