القضية الفلسطينية في مفترق طرق: سيناريوهات وتحديات
20-5-2021

عبير ياسين
* باحثة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

على الرغم من أصوات القنابل والصواريخ، وصور الدم والدمار، وصراخ الفقد وهتافات المقاومة في المشهد الفلسطيني، يظل حديث المفاوضات خلف الأبواب المغلقة، وجهود التوصل إلى تهدئة مطروحا بقوة، مؤكدا على تعدد السيناريوهات رغم تعقد الأحداث وتعدد التفاصيل. في هذا الإطار، يبدو المشهد أقرب ما يكون إلى تقاطع طرق يمكن أن تنطلق فيه جهود التهدئة بناء على المفاوضات واللقاءات القائمة برعاية مصرية يدعمها موقف أممي يهدف إلى تقليل الخسائر وحماية الشعب الفلسطيني وإحياء فرص التسوية السياسية. كما يمكن أن تتصاعد فيه أصوات الحرب والدمار ويرتفع صوت القنابل في حالة سقوط عدد كبير من الضحايا أو تغيير موازين القوى بشكل يصعب معه قبول التهدئة من قبل الأطراف المعنية ممثلة في المقاومة الفلسطينية في غزة وإسرائيل.

بشكل عام، يحمل المشهد الراهن تنويعات تدفع إلى التهدئة من جانب والتصعيد من جانب آخر. وفي سياق الاحتمال الأول يتزايد الحديث بشكل واضح عن فرص التوصل إلى تهدئة أو الإعلان عن خفض التصعيد مرحليا من أجل توفير البيئة المناسبة للتوصل إلى هدنة أو اتفاق تهدئة. وفي ظل عدد من التسريبات الأمريكية والإسرائيلية، تم الإعلان عن احتمال التوصل إلى مثل هذا الاتفاق في ٢١ مايو الجاري (٢٠٢١) أو وقت قريب من التاريخ المقترح. وتظل قيمة هذا الإعلان وغيره في تأكيد حقيقة أساسية هي قبول الأطراف المعنية بالنقاش حول خيار التهدئة، وأنه أحد السيناريوهات المحتملة. بالمقابل، تستمر الاعتداءات الإسرائيلية التي تستهدف البشر والأبراج السكنية وغيرها من المنشآت في غزة وفقا لما أطلق عليه بنك الأهداف الإسرائيلي الذي يضم قادة الفصائل والبنية التحتية وغيرها من الأهداف الحيوية والمهمة ماديا ورمزيا، ومعها تستمر ضربات المقاومة وفقا للسياسة المعلنة منذ بداية التصعيد في المسجد الأقصى والقدس، وهي «إن عدتم عدنا وإن زدتم زدنا».

وفي ظل تلك الوقائع تظل فرص التصعيد محتملة دون ضوابط واضحة، ومن شأن اختلال موازين القوى الاتجاه إلى المزيد من التصعيد من أجل تحسين فرص التهدئة أو الخروج من خيار التهدئة بصورة كلية. ووفقا لهذا السياق العام، نتناول تلك السيناريوهات العامة وما يترتب عليها من فرص وتحديات.

التصعيد في مواجهة الانتفاضة والحرب:

يبدو المشهد في شق الصراع مرتبكا في وقت يرى البعض فيه أن ما يحدث بين فصائل المقاومة وإسرائيل مجرد حرب جديدة على غزة من أجل تحقيق أهداف إسرائيلية داخلية يتم التغطية عليها بتكرار نفس الأهداف القديمة الخاصة بتحييد المقاومة والقضاء على التهديد القادم من القطاع، وبين من يراها تصعيد ما قبل الانتفاضة، ومن يراها أو يرجو أن تكون الانتفاضة الشاملة التي يمكن أن تحرر فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر.  وفي حين يكتسب التصور الأخير الكثير من الزخم الشعبي، خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن الواقع والمسار القائم يصب في أن ما يحدث هو تصعيد ما قبل الانتفاضة خارج قطاع غزة مع الحرب على غزة.

ويؤثر تحديد طبيعة وحجم الصراع الحالي في النتائج المتوقعة وكيفية التعامل مع الواقع. وفي هذا الإطار، لا يتصور، وفقا للتطورات التي أدت إلى التصعيد الحالي وتحركات الأطراف المعنية، أن تكون الحرب المفتوحة من أجل القضاء على فصائل المقاومة أو تدمير قطاع غزة من الجانب الإسرائيلي، أو تحرير فلسطين التاريخية والانتصار على إسرائيل من وجهة نظر الفصائل هي الأهداف النهائية للأطراف المعنية. ويتصور بالمقابل أن التطورات التي ارتبطت ببداية التصعيد الإسرائيلي، من باب العامود وحي الشيخ جراح إلى القدس الشرقية، هي الأحداث التي تفسر الأهداف المطلوبة من تلك الأطراف.

وتتمثل تلك الأهداف إسرائيليا في تحقيق أهداف انتخابية وسياسية داخلية، تحقق بعضها بالفعل مع بداية العدوان والتصعيد الإسرائيلي، خاصة على مستوي دعم الخطاب اليميني المتطرف، والتشدد في قضية القدس والمسجد الأقصى. وفلسطينيا يتمثل الأمر في إحياء قيمة المقاومة في المعادلة الفلسطينية، والربط بين غزة والقدس، والتأكيد على دور الفصائل في التطورات التي تمس الواقع الفلسطيني والتسوية في اللحظة والمستقبل. وتزداد قيمة ما يحدث فلسطينيا في ظل القرار الصادر من السلطة الفلسطينية في نهاية شهر أبريل الماضي (٢٠٢١) بتأجيل الانتخابات التشريعية التي كان يفترض إجراؤها في ٢٢ مايو الجاري بوصفها خطوة من خطوات خريطة الطريق الانتخابية التي تم الاتفاق عليها في الحوار الوطني الفلسطيني الذي عقد في القاهرة برعاية مصرية ضمن جهود إنهاء الانقسام وإعادة ترتيب الداخل الفلسطيني من أجل دفع جهود التسوية السياسية وفرز القوى المؤثرة عبر الانتخابات.

ويحد العديد من العوامل من فكرة الحرب المفتوحة في ظل التكلفة المرتفعة لمثل هذا الخيار إسرائيليا وفلسطينيا، وما يرتبط بتلك الخسائر من ضغوط إقليمية ودولية أثبتت الأحداث أنها أكثر تنوعا عن المرات السابقة، في ظل دور وسائل التواصل الاجتماعي ودخول العديد من المشاهير على خط الأحداث دعما للشعب الفلسطيني واعتراضا على الاعتداءات الإسرائيلية والدعم الأمريكي والغربي. بالإضافة إلى ارتفاع التكلفة المادية على إسرائيل وما يرتبط بها من خسائر عسكرية وسياسية، خاصة بعد فشل القبة الحديدية في التصدي لصواريخ المقاومة، واستهداف المستوطنات وغيرها من المدن ذات الأهمية مثل القدس وتل أبيب، مع تحرك الفلسطينيين داخل المدن المختلطة واستهدافهم من قبل الجيش والمستوطنين وما أثارته تلك التطورات من حديث عن المخاوف من حدوث حرب أهلية داخل إسرائيل. وفلسطينيا يحد واقع الفصائل في قطاع غزة، وحقيقة حصار القطاع من قبل إسرائيل منذ سيطرة حماس على القطاع في ٢٠٠٧ من قدرة الفصائل على إعلان حرب مفتوحة في ظل الخسائر البشرية واستهداف البنية التحتية وصعوبة تجديد وتعويض ما يدمر خلال الحرب.

وتؤكد تلك الحقائق أهمية استمرار وتنوع الدور المصري في دعم القضية الفلسطينية عبر مبادرة الإعمار بكل ما تتضمنه من مشاركة مصرية مباشرة عبر الشركات والمؤسسات المصرية في إعادة إعمار القطاع. وتفترض المبادرة التي تصل قيمتها إلى ٥٠٠ مليون دولار التوصل إلى تهدئة بوصفها خطوة ضرورية من أجل عودة البناء. ومرحليا، تدعم الجهود المصرية ممثلة في الدعم الطبي داخل وخارج القطاع في دعم خيار التهدئة عبر معالجة جانب من الخسائر المترتبة على الاعتداءات الإسرائيلية ومحاولة التوصل إلى حالة أكثر استقرارا من أجل دعم فرص العودة إلى الدور السياسي عبر الدعم التنموي.

بشكل عام يظل سيناريو التصعيد بكل ما يمكن أن يتطور إليه من انتفاضة محدودة أو شاملة مطروحا في ظل استمرار الهجمات الإسرائيلية ومعها ردود المقاومة وفقا لمعادلة الرد التي تتبعها الفصائل، والمخاوف من التصعيد الإسرائيلي المحتمل قبل إعلان التهدئة بكل ما يمكن أن يترتب عليه من نتائج. ومن شأن إعلان التهدئة المرحلية، عبر خفض التصعيد وتقييد الأهداف التي يمكن استهدافها والابتعاد عن استهداف الأبراج السكنية في غزة والمدنيين عموما، إعطاء فرصة للتوصل إلى تهدئة أطول وأكثر استقرارا في المدىين القصير والمتوسط على الأقل.

التهدئة والمصالحة والعودة للتفاوض:

لعل النقطة المهمة في سياق التهدئة أن المفاوضات لا تزال قائمة، وتصريحات إسرائيل وفصائل المقاومة، ورغم ما تحمله من وجهات نظر متناقضة، تعبر عن القبول بفكرة إنهاء التصعيد الحالي عبر اتفاق تهدئة عبر وسطاء. وفي ظل الجهود التي تمارس من عدد محدود من الأطراف، خاصة مصر يتم الحديث عن محاولة التوصل إلى تهدئة ممتدة أو مقيدة بعدد محدد من السنوات. وتظل تلك الجهود مرحلية ويتصور أن تصب في مسار سياسي وتنموي يهدف إلى تغيير الواقع الفلسطيني من جانب، وواقع التفاوض السياسي من جانب آخر.

ولعل التحدي الأساسي فيما يخص التهدئة هو التوافق على التوقيت الذي يمكن فيه الإعلان عنها في وقت يحاول كل طرف تعظيم مكاسبه والظهور بوصفه الطرف المنتصر من التصعيد. ويشير العديد من الكتابات والتسريبات إلى رغبة إسرائيل في إطالة أمد الاعتداءات القائمة من أجل تحقيق المزيد من المكاسب، وتعويض الضرر العسكري والسياسي المترتب على هجمات صواريخ المقاومة، والتطور الذي وصلت له رغم القبة الحديدية وحصار القطاع، بالإضافة إلى تقليص الانتصار الذي حققته فصائل المقاومة بكل ما يترتب عليه من تأييد ووجود محتمل عبر الانتخابات وغيرها من الخطوات المستقبلية. بالمقابل يصعب أن تقبل الفصائل بتهدئة لا تتضمن الأسباب التي أدت إلى التصعيد الحالي، خاصة ما يتعلق بالمسجد الأقصى، وتهجير سكان حي الشيخ جراح. وإلى جانب تلك الأهداف المركزية التي تؤكد عليها الفصائل توجد مجموعة أخرى من المطالب التي تطرح بوصفها مهمة وفقا لخطاب الفصائل، كما يتصور أن يطرح بعضها الآخر في اللقاءات المغلقة، خاصة فك أو تخفيف الحصار عن قطاع غزة، والعودة إلى مسار الانتخابات من أجل مشاركة الفصائل في العملية السياسية وقرارات التسوية.

ومع إدراك تلك التحديات يمكن أيضا إدراك أهمية الطرح المصري في هذا التوقيت لأنه وبشكل غير مباشر يتعامل مع بعض المخاوف التي تقف في سبيل التوصل إلى تهدئة، خاصة أنه اشتمل على فتح معبر رفح والسماح بعلاج المصابين من القطاع في المستشفيات المصرية مع إدخال أدوية واحتياجات طبية أخرى إلى القطاع، بالإضافة إلى السير بشكل متواز مع جهود التهدئة السياسية والتنمية في القطاع بما يشجع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وغيرها من المؤسسات والدول التي تدعم التنمية الفلسطينية في الدخول أو العودة إلى القطاع وكسر الحصار. ومن شأن إحياء القطاع تسهيل العودة للمسار السياسي وربما الإعلان عن موعد جديد للانتخابات التشريعية والرئاسية وانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني. ومن شأن تلك الخطوات في حالة حدوثها إعطاء دفعة قوية لجهود المصالحة الفلسطينية وإصلاح المؤسسات السياسية من جانب، ودفع مسار التسوية مستفيدة من الإدارة الأمريكية الجديدة ومقارنة سيناريو التسوية بواقع التصعيد وفرص تكرار الحرب من جانب آخر. كما يدفع الوجود المصري المباشر في جهود إعادة إعمار القطاع سيناريو التسوية السياسية وتقويض فرص شن إسرائيل المزيد من الاعتداءات على القطاع في ظل التكلفة السياسية المرتفعة التي يمكن أن تترتب على التصعيد ضد القطاع في تلك الحالة.

ورغم فوائد التهدئة وأهمية الجهود التي تبذل من جانب الأطراف المعنية، تظل الجوانب السياسية رهنا بمواقف السلطة الفلسطينية، خاصة فيما يتعلق بقرار إجراء الانتخابات، وإسرائيل والموقف من القدس الشرقية على الأقل في ما يتعلق بالموافقة على إجراء الانتخابات كما حدث في الانتخابات السابقة من أجل إحياء فرص التسوية السياسية، والوصول إلى دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية.


رابط دائم: