الرهانات السياسية والأمنية لمعركة "التحرير" فى طرابلس
12-4-2019

د. إيمان زهران
* متخصصة في العلاقات الدولية والأمن الإقليمي
بعد نحو شهر من اتفاق المشير "خليفة حفتر" مع  رئيس حكومة الوفاق الوطنية "فايز السراج" في أبوظبي على إنهاء المرحلة الانتقالية وإنجاز الاستحقاق الانتخابى، وقبل أيام قليلة من انعقاد "الملتقى الوطنى الجامع" الذى كان يعول عليه الليبيون لوضع خريطة طريق لإنهاء الصراع، وبالتزامن مع زيارة الأمين العام للأمم المتحدة "أنطونيو جوتيريش" إلى ليبيا للإعداد للملتقى المُرتقب، أعلن المشير "خليفة حفتر" انطلاق معركة "تحرير طرابلس" للسيطرة على العاصمة ومعقل حكومة الرجل الثانى فى ليبيا "السراج"، ليدفعنا ذلك إلى التساؤل حول الدلالات المرتبطة بتوقيت تلك العملية، وأبرز الرهانات السياسية والأمنية لتلك التحركات الميدانية بالعاصمة الليبية طرابلس، وهل تحقق تلك العملية مصالح الشعب الليبى، أم أنها إعادة ترتيب أسس التفاوض بالملتقى الوطنى الجامع، والمقرر عقده الشهر الجارى فى مدينة غدامس الحدودية مع الجزائر تحت رعاية أممية، دون إغفال التحدى الأبرز، المتمثل فيما بعد معركة "العاصمة"؟ وكيف سيتعامل الجيش مع المؤسسات السياسية المتعددة والمنقسمة شرقاً وغرباً؟ وما مستقبل التيارات السياسية التي شغلت الساحة طوال السنوات الماضية والمجموعات القبائلية والجهوية المتنافسة منذ سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي؟.
 
توقيت الحدث:  
لا يخفى على الكثير أن معركة "التحرير" تناغمت زمنيا مع البدء للإعداد للجولة التفاوضية الجامعة فى (غدامس) الشهر الجارى، ليدفعنا ذلك إلى التحليل تشبيك أسانيد تلك العملية العسكرية مع المؤشرات الداعمة لتوقيت تلك الخطوة داخليا وخارجيا، منها:  
داخليا: تزامنت عملية "تحرير طرابلس" مع تنامى إخفاقات حكومة الوفاق الوطني فى ضبط المقاليد السياسية وإقرار الأمن، خاصة مع اعتمادها على ميليشيات مسلحة، بعضها لا يمتلك توجهاً سياسيا، وبعضها لديه توجهات قبلية، فضلا عن أن بعض هذه الميليشيات دخلت في صراعات مسلحة ضد حكومة الوفاق في وقت سابق، دون الأخذ فى الحسبان أن تلك "الميلشيات" تصلح لتنفيذ أجندات مرحلية فقط، وهو ما عزز من توقيت عملية "التحرير".
 
خارجيا: دفعت جُملة من الأسباب الخارجية المشير خليفة حفتر للإعلان عن بدء معركة "التحرير"، أولها ما يتمثل فى تراجع نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، مقابل تمدد الدب الروسي ودعمه لحفتر فى إطار معادلة "النفط الليبى"،  فضلا عن الدعم الإقليمي من مراكز ثقل الإقليم "مصر، والإمارات العربية، والمملكة العربية السعودية"  في إطار سعيها الدائم لدعم الإستقرار فى الشمال الإفريقي وتقويض أنشطة التنظيمات الإرهابية التي تتستر بالإسلام. 
ثمة سبب آخر خارجى يتعلق بتوقيت "التحرك" بالتزامن مع ما يحدث بالجزائر الملاصقة لحدود ليبيا الغربية، واستباقا لأي سيناريو قد يحدث بالجزائر مستقبلا فى ظل ما تشهده الدولة من حرب تكسير عظام، سواء بين أجنحة الداخل وأبرزها: "رجال أعمال، جنرالات سابقون وحاليون، معارضة، إسلاميون"، أو الصراع المُستحدث بين المستمعرين القدامى ودول إقليمية.
 
رهانات متعدة: 
ثمة عدد من الأهداف السياسية والعسكرية الأمنية جراء التحرك نحو عملية تحرير"العاصمة" والتى تمثل فى سياقاتها رهانًا متعدد الأبعاد يفوق إعادة التنظيم الداخلى للدولة الليبية ويتخطى حدود الأمن المحلى لنحو الإسهام فى الترتيبات الأمنية للنظام الإقليمي العربى الجديد والذى تم الاتفاق على صياغة مساراته بـ"إعلان تونس" بالقمة العربية الأخيرة، وذلك كالتالى:  
رهان سياسي : حيث الرغبة من جانب المشير حفتر فى إحداث تغيير ميدانى يمكن استخدامه كورقة تفاوض خاصة مع التحضير لعقد مؤتمر وطني للمصالحة الليبية بمشاركة أممية، بالإضافة إلى إضعاف أو إنهاء العلاقة التي تربط قطر وتركيا بالأحزاب والحركات السياسية في طرابلس ودعمها للتنظيمات الإرهابية في ليبيا.
 
رهان أمنى : لعل خريطة التحركات الميدانية للمشير حفتر هى الدافع التحليلي لإدراج البُعد الأمنى بالسياق العملياتى شرقى وغربى الدولة الهادف لتأمين منافذها فى الصحراء استنادا لتعهده السابق مُنذ إعادة الظهور فى 2014 بـ "مواصلة الحرب حتى الوصول إلى طرابلس وتحريرها من الميليشيات الإرهابية". وقد ظهر ذلك بالتسلسل العملياتى للتحركات العسكرية التالية: " فى البداية، انتزع حفتر شرق ليبيا وأحكم السيطرة على منطقة الهلال النفطي، يلى ذلك تأمين الجنوب الليبي والسيطرة على أغلب مناطقه وحقوله النفطية، وعلى رأسها حقل شرارة أكبر حقول البلاد.  وفي الغرب، تم استخدام استراتيجية "التطويق والمحاصرة" وذلك بتضييق الخناق على العاصمة، عبر إقامة تحالفات مع القبائل المحلية هناك، مستغلًا حالة التململ المنتشرة في الأوساط الشعبية بسبب الأوضاع الأمنية المتردية وتنازع الفصائل الموالية لحكومة الوفاق برئاسة السراج". 
ومن ثم، فبعد إحكام السيطرة على الجنوب والغرب وأغلب المنافذ الحدودية، أصبحت معركة القضاء على الميليشيات الإجرامية والتنظيمات الإرهابية في العاصمة الليبية طرابلس، الرهان الأمنى الأهم لحفتر لإنهاء العمق اللوجيستي الذي استغلته الجماعات المتشددة في منطقة الساحل الأفريقي، والتي كانت يغذيها المتشددون في ليبيا لزعزعة أمن واستقرار النظام الإقليمي العرب والإفريقي.
 
تحديات مستقبلية:  
هناك عدد من التحديات المستقبلية تصاحب التحركات الأمنية لعملية "تحرير طرابلس"، أبرزها ما يتمثل فى مستقبل وضعية الكيانات المؤسسية الحالية واللاعبين السياسيين المعترف بهم دوليا،  حيث:   
مستقبل حكومة الوفاق: أحد أهم التحديات، حيث تم تشكيلها بناء على اتفاق الصخيرات ذى الرعاية الأممية، خاصة أنها أحد الأطراف المعنية مباشرة بالحرب في العاصمة وتحارب كتائب تابعة لها لمنع دخول الجيش الليبي للمدينة.  ولهذا قد يبدو أن سيطرة "حفتر" على طرابلس تعد نهاية فعلية لهذه الحكومة التي كانت تعول على الدعم الدولي لها، مما قد يدعو بالعديد من المراقبين الدوليين للتشكك فى مدى صدق التفاوض بين الأطراف الليبية والسعى للحل السياسى السلمى وإنجاز الاستحقاق الانتخابى الليبي. 
 
وضعية مصراتة: ثانى تلك التحديات المستقبلية والمتمثلة فى كيفية تعامل الجيش مع مدينة مصراتة التي تقع على بعد 200 كيلومتر عن العاصمة طرابلس، باتجاه الشرق، خاصة أن هذه المدينة تمثل ثاني أكبر معاقل الميليشيات في ليبيا بعد طرابلس، ويشير إليها العديد بأنها قد أسهمت في تأزم المشهد الليبي بحروب ميليشياتها وغزواتها على أكثر من مدينة ليبية، كما أن أغلب أطيافها قد أعلنوا عن رفضهم للمشروع السياسى الأمنى للمشير "خليفة حفتر"، فضلا عن دعم "مصراتة" للجماعات المتطرفة التي واجهها "حفتر" عسكرياً في بنغازي ودرنة والهلال النفطي وغيرها من المناطق.
 
أذناب التنظيمات الإرهابية: تعهد المشير "خليفة حفتر"، منذ ظهوره السياسى فى 2014،  بـ " مواجهة التنظيمات الإرهابية وإنهاء وجودها في كل أرجاء ليبيا"، وهو ما تمت ترجمته بخريطة العمليات العسكرية شرقا فى درنة وبنغازى وجنوبا، ليصبح التحدى الحالى -  وهو تحد أمنى محلى وإقليمي – يتمثل فى إنهاء تمركز أذناب التنظيمات الإرهابية في مدن طرابلس والزاوية ومصراتة، والتى تتشابه عقائدها وتختلف انتماءاتها ما بين الولاء لداعش والقاعدة، وهو ما يتم التعويل عليه بإنجاز الأستحقاق الأمنى لعملية "تحرير طرابس".
 
فى النهاية :
على الرغم من أنه من المبكر للغاية الحديث عن ترجيح كفة أحد الفريقين العسكرية على الآخر "حفتر أم السراج"، خاصة مع تطور المساحات العسكرية لحفتر وإمتلاكة لزمام المبادرة، مقابل حصول طرابلس على تعزيزات عسكرية من مدن مصراتة والزاوية وغيرها، مما يعني أن عملية "التحرير"  من الصعب التنبأ بحسمها الآن، فإنه من المؤكد أن تحقيق حفتر لنصر في معركة "تحرير العاصمة" مرتبط بقدرته السياسة والدبلوماسية - بجانب العسكرية - على عقد اتفاقات مع القبائل والميليشيات الموجودة في المدينة.  فإذا استطاع سريعًا عقد تحالفات قوية وفعالة مع بعض الجماعات المسلحة داخل طرابلس فسيتمكن من السيطرة عليها بسهولة "نسبية" وإنجاز "تعهده" بدحض الإرهاب، وضرب العمق اللوجيستى للميليشيات المسلحة بالشمال الإفريقي.
 

رابط دائم: