أيقونة رحلة العائلة المقدسة .. والسياحة الدينية
14-10-2017

د. إلهــام سيــف الدولــة حمــدان
* أستاذ العلوم اللغوية بأكاديمية الفنون وعضو اتحاد كتاب مصر

" مصر .. أرض التعايش والضيافة؛ أرض اللقاء والتاريخ والحضارة ..." والأرض المباركة عبر العصور بدم الشهداء والأبرار الثمين؛ والتى عاش فوقها القديس يوسف والعذراء مريم والطفل يسوع والكثير من الأنبياء ..." ! على حد قول "البابا فرانسيس" بابا الفاتيكان؛ في حضور وزير السياحة المصري على رأس وفد رسمي رفيع المستوى؛ لمشاهدة فعاليات القداس الذي تم فيه المباركة للأيقونة الخاصة برحلة "العائلة المقدسة" إلى أرض مصر؛ فرارًا من اضطهاد وبطش الملك "هيرودس"؛ الذي أراد أن يقتل المسيح عليه السلام . ومصطلح "العائلة المقدسة" ـ كما تعرفون ـ هو مصطلح ديني تاريخي؛ فالعائلة تتكون من السيد المسيح وهو مازال طفلاً في حضن أمه "السيدة مريم العذراء"؛ و"يوسف النجار" الذي شاركها في رحلة الهرب من الطغاة؛ فهربت بالغلام وهو في مهده إلى مصر أرض الأمن والأمان على مر التاريخ والأحقاب؛ فزحفت العائلة المقدسة من فلسطين عبر طريق العريش؛ وصولاً إلى حصن "بابليون" المعروف اليوم بـ "مصر القديمة"؛ وتحركوا نحو صعيد مصر للاختباء فترة من الزمن؛ تحت حماية العائلات والقبائل المصرية القاطنة في تلك البقاع؛ ثم عادوا إلى الشمال مرورًا بوادي النطرون في صحراء طريق مصرـ الإسكندرية الحالي؛ واجتازوا الدلتا؛ ثم واصلوا طريق العودة عبر سيناء مرة أخرى إلى فلسطين من حيث أتوا، وكانوا في كل هذه المراحل في كنف وضيافة الأسر المصرية التي قامت بحمايتهم على طول هذه الرحلة في الطرق الوعرة والصحراوات الجافة القاحلة؛ ويعرف خط سير هذه الرحلة برحلة العائلة المقدسة .


ومما لاشك فيه .. أن مغزى هذه المباركة من نيافة "الحبرالأعظم" لرحلة العائلة المقدسة في مصر، تحمل في طياتها الكثير من المعاني السامية، فهو بالتأكيد لم يقم بهذه المباركة على سبيل المجاملة الشكلية، بل جاءت عن قناعة تامة بأن "مصر" التي كانت في عصرسيدنا "يوسف" عليه السلام سلة غلال العالم؛ بل هي من أنقذته من المجاعات في وقت الجفاف للزرع والضرع؛ وإنها لقادرة على استكمال رسالتها الإنسانية بتحقيق الأمن والأمان والسلام في كل الربوع . فمصر العظيمة هي "جنة الله في الأرض" ووعدها الله سبحانه وتعالى بالرباط إلى يوم يبعثون؛ وقال إن بها خير أجناد الأرض قاطبة، وعلى أرضها الطاهرة ناجى "موسى" ربه بالوادي المقدس طوى؛ فنجَّاه ربه من بطش فرعون وأتباعه؛ ومنها عبر بقومه إلى سيناء فوق البحر بمعجزة إلهية عظيمة . وعلى ضوء تلك القناعات من "البابا فرانسيس"؛ فإنه يدرك أن مصر التي تواجه الإرهاب بكل الصمود والتحدي؛ دفاعًا عن مبادىء السلام والبناء والتنمية ؛ قادرة على أن تحمي مواكب الحجيج للمسيحيين في العالم؛ ولتفتح الباب لعودة السياحة الدينية إلى كل الأماكن التي وطأتها أقدام العائلة المقدسة؛ وهي موجودة بطول البلاد وعرضها؛ بداية من رفح والعريش بسيناء، حتى درنكة بصعيد مصر، فالعائلة استقرت حوالي ثلاث سنوات ونصف داخل أرض الوطن؛ وتم توثيق كل الأماكن لتحديد المزارات التي سيقوم بها الحجيج من كل بقاع الأرض .


ولنا أن نقول : إن الكرة الآن في ملعب وزارة السياحة المصرية؛ لاغتنام الفرصة التاريخية بدعم بابا الفاتيكان ؛ لتحقيق المكاسب المبتغاة من السياحة الدينية؛ وبالبدء في وضع الخطط والأهداف الاستراتيجية لكي تعود الأفواج السياحية بقوة؛ والتمتع بكافة وسائل الراحة بإنشاء الفنادق القريبة من الكنائس والمعابد الأثرية؛ والبدء بقيام حملة دعائية قوية مدعمة بالكتيبات التي تشمل كل تكاليف الانتقالات والإقامة والمزارات المتعددة بدءًا من حصن بابليون في حي مصر القديمة ؛ ويضم الحصن عددا من المعالم الأثرية القبطية، منها المتحف القبطي والمعبد اليهودي ودير مار جرجس للراهبات، و6 كنائس هي ( القديسة بربارة، والكنيسة المعلقة، وأبوسرجة، ومارجرجس للروم، ومارجرجس، وقصرية الريحان الأرثوذكس). وبهذا الاهتمام الواجب من جهة المسئولين بوزارة السياحة؛ فإنه بالتأكيد سوف تنعم مصر بانتعاشة هائلة في حركة السياحة الدينية بعد انقطاع دام لسنوات عدة؛ مما سيترتب عليه انعكاسًا واضحًا على البعد الاقتصادي واعتدال ميزان المدفوعات؛ بزيادة الموارد من العملة الصعبة التي تحتاج إليها المشروعات القومية العملاقة التي بدأتها القيادة المصرية . ونهيب بوزارة السياحة المصرية سرعة الاستجابة؛ لاقتناص هذه الفرصة الذهبية بالإعلان عن بعض الرحلات للحجيج من المسيحيين لمصر خلال شهور الشتاء القادمة؛ وفتح الحجز لحوالي 25 مزارًا مهمًا يجوب الأماكن المقدسة في جميع أنحاء مصر من الدلتا شمالاً إلى الصعيد جنوبًا؛ ويجب أن يشتمل البرنامج على الجمع بين المناطق التاريخية ومناطق الاسترخاء؛ وتجهيز وسائل الوصول من القطارات والسيارات المكيفة؛ أو عن طريق نهر النيل بالمراكب النيلية الفندقية ؛ حبذا لو كانت التكاليف في متناول جميع المستويات؛ للتشجيع على المجىء إلى أحضان مصر بجوها الفريد في كل فصول السنة .


رابط دائم: