الاحتجاج بالحروب
30-8-2016

إبراهيم عوض
*
يتردد حتى يومنا هذا أن الحروب التى خاضتها مصر فى إطار الصراع العربى الإسرائيلى فى الستين سنة الماضية، هى السبب فى تخلف الاقتصاد المصرى وفى تعثر التنمية فى بلادنا. الكثيرون لا تنطلى عليهم هذه الحجة وهم يشيرون إلى أن آخر هذ الحروب مر عليها ثلاثة وأربعون عاما، وبعضهم ينوه بأن مصر حققت معدلات عالية من النمو الاقتصادى فى النصف الأول من الستينيات، فى ظل الخطة الخمسية الأولى، أى بعد أقل من خمس سنوات من العدوان الثلاثى، أول الحروب التى يدعى أنها السبب فى محنتنا الاقتصادية.
 
نظرة مقارنة إلى بلدين شهدت أراضيهما حربين ممتدتين كانتا هولا للزرع وللجماد وللإنسان فيهما قد تسهم فى طرح الحجة المذكورة جانبا بشكل نهائى. هذه النظرة قد تكون ضرورية أيضا لكى نكف عن سَوق مبررات واهية للمأساة الاقتصادية التى يعيش آثارها المواطنون، وحتى تنصرف جهودنا إلى البحث بجدية عن سبيل للانعتاق من التخلف ولخوض طريق التنمية بخطى ثابتة مسرعة إلى الأمام.
 
من حيث الترتيب الزمنى للحرب فى كل منهما، جمهورية كوريا أو كوريا الجنوبية فى عرف الكثيرين، هى أول البلدين. الحرب فى كوريا استمرت ثلاث سنوات بين 1950 و1953. هذه الحرب خلفت مليون قتيل وكانت تكلفتها بحساب تلك السنوات ما يقارب الثلاثة مليارات دولار، أى ما يعادل الناتج القومى الإجمالى لسنتين متتاليتين. وربما كان مناسبا التنويه هنا بأنه حتى قبل سنة 1945 ولمدة خمسة وثلاثين عاما قبلها كانت اليابان تحتل شبه الجزيرة الكورية بأكملها وتسيطر على الحياة الاقتصادية فيها بشكل شبه تام. بعد انتهاء الحرب الكورية، أو بعد عقد الهدنة بتعبير قانونى أكثر دقة، كان متوسط الدخل الفردى فى كوريا أقل من مائة دولار بل وقدره البعض بأربعة وستين دولارا. كان معدل الفقر فى كوريا فى منتصف الخمسينيات من القرن العشرين يتعدى الخمسين فى المائة من السكان، وفيما بين أوقات المحاصيل الزراعية كان الجوع من نصيب نسبة كبيرة من السكان، وزاد الطين بلة، وكوريا تتطلع إلى التنمية، أن اليابان أثناء احتلالها لشبه الجزيرة، كانت قد ركزت محطات الطاقة والصناعة فى الشمال، أى أنه بعد التقسيم إلى كوريا الشمالية والجنوبية، لم تبقَ فى الجنوبية، جمهورية كوريا، مصادر طاقة ولا صناعة يُعتد بها.
 
مع ذلك شرعت كوريا منذ غداة الهدنة فى عملية للتنمية، شهدت تقلبات، نتيجة لعدم الاستقرار السياسى فى الخمسينيات والستينيات بل والسبعينيات، ولكنها كانت فى مجملها عملية ثابتة فى منحاها المتصاعد. ليس هذا مجال استعراض عملية التنمية فى كوريا ومراحلها والسياسات المتبعة فيها، ولكن يكفى الإشارة إلى بعض سماتها الهامة. الدولة لعبت دورا تنمويا جوهريا وهى اضطلعت به عن طريق مجلس التخطيط الاقتصادى الذى جمع خبراء التنمية والنمو الاقتصادى والإنتاج. بالمعرفة وبإعطاء العيش لخبازيه استطاعت كوريا أن تسلك طريقها، حتى أنها لم تعبأ بنصائح الولايات المتحدة نفسها، وهى التى منحت كوريا مساعدات تقدر بستين مليار دولار فيما بين سنتى 1944 و1978. من المهم التشديد على أن هذه المعونة لم تهدر بل ذهبت لميزانية الدولة ولمساندة جهود التنمية المخططة. اختار مجلس التخطيط الاقتصادى، الاعتماد على التجمعات الاقتصادية الكبرى المسماة «بالتشيبول»، وهى شركات القطاع الخاص الكبرى التى يعرفها الكافة اليوم وتنتج السفن والسيارات والأدوات المنزلية والأجهزة الإلكترونية وغيرها وتصدرها للعالم أجمع، على خلاف ما كانت تراه الولايات المتحدة من التركيز على الصناعات الصغيرة والمتوسطة.
 
ماذا كانت النتيجة بشكل إجمالى؟ انضمت كوريا إلى منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية، المنظمة التى تجمع الدول المصنعة المتقدمة، فى سنة 1996 أى بعد ثلاثة وأربعين عاما من نهاية الحرب الكورية، وهى بالمناسبة نفس الفترة التى انقضت منذ نهاية آخر حروبنا مع إسرائيل فى سنة 1973، ثم انضمت إلى لجنة مساعدات التنمية فى نفس المنظمة فى سنة 2009، وهى اللجنة التى تجمع الدول المانحة لمساعدات التنمية للدول النامية. متوسط الدخل الفردى الذى كان 64 دولارا فى منتصف الخمسينيات أصبح 34,549 «أربعة وثلاثين ألفا وخمسمائة وتسعة وأربعين» دولارا فى سنة 2015. لأن كوريا أصبحت دولة متقدمة اقتصاديا، فإن الفقر النسبى هو الذى يحسب فيها، وهو يصل إلى 14 فى المائة، ولكنه ليس فقر الحرمان، فالفقر النسبى يحسب على أساس انخفاض الدخل عن الدخل المتوسط لمجموع المواطنين. أما الفقر المطلق، فقر الحرمان الذى يحسب فى بلادنا النامية وكان يصيب أكثر من نصف السكان فى كوريا فى منتصف الخمسينيات، فقد انخفض معدله إلى 2 فى المائة منذ سنة 2001.
 
البلد الثانى هو فيتنام. من سنة 1954 إلى سنة 1975 كانت فيتنام فى حرب أولا مع فرنسا ثم فى حرب شنتها الولايات المتحدة بوحشية عليها. انتصرت فيتنام فى الحربين ولكن ثمن النصر كان باهظا جدا. الحرب خلفت ثلاثة ملايين قتيل، وبعد نهايتها فى سنة 1975، نزح من فيتنام مليونان آخران، من المتخصصين والمثقفين والفنيين والعمال المهرة. كان الاقتصاد مدمرا والفقر معمما. عند نهاية الثمانينيات اتخذ النظام الشيوعى الحاكم قرارا سياسيا بالإصلاح والتحول إلى اقتصاد السوق، ولكنه جعل من العدالة والتماسك الاجتماعى عنصرين أساسيين من سياسات الإصلاح، حيث إنه اعتبرهما حاسمين فى الحفاظ على شرعيته. النتيجة هى معدلات للنمو الاقتصادى وتخفيض وطأة الفقر غير مسبوقة فى الغالبية العظمى من الدول النامية. فى تقدير من التقديرات كانت نسبة السكان التى تعيش تحت خط الفقر الذى تحسبه الحكومة نحو 75 فى المائة سنة 1986. فى حساب آخر، انخفضت هذه النسبة فيما بين سنتى 1993 و2008 من 58 فى المائة إلى 14,5 فى المائة ثم إلى 12 فى المائة فى سنة 2011. المراقبون يعتبرون أن تجربة فيتنام فى تخفيض الفقر لا تجاريها أى تجربة أخرى. يذهب واحد من التقديرات إلى أن نحو 28 مليون فيتنامى انتشلوا من الفقر خلال عقدين من الزمن. مجالات الإنفاق العام الموجه لتخفيض الفقر، شملت التعليم والصحة وتنظيم الأسرة والاستثمارات العامة والبرامج الخاصة بالأقليات العرقية. ارتفاع الدخل وانخفاض الفقر صاحبه ارتفاع فى مؤشرات التنمية البشرية محسوبة بمؤشرات التعليم والصحة. إجادة القراءة والكتابة كانت مرتفعة أصلا، على الرغم من الفقر فلقد بلغت 88 فى المائة فى سنة 1989، ولكنها واصلت الارتفاع إلى 93 فى المائة فى 2008. معدلات التحاق الفقراء بالتعليم الابتدائى والثانوى، وصلت فى سنة 2010 إلى 90 فى المائة و70 فى المائة على التوالى.
 
تجربة مرت بالحكم العسكرى الذى لم يمارس نشاطا اقتصاديا واستقرت فيها الديمقراطية أخيرا، وتجربة أخرى قادها الحزب الشيوعى. التجربتان ليستا مثاليتين فالنمو الاقتصادى والانعتاق من الفقر فيهما صاحبه اتساع الفجوة بين الدخول والثروات، وشىء من الفساد موجود، كما أن الديمقراطية تأخرت فى واحدة ومازالت بعيدة فى الأخرى. لكن بعد ما عانته وحققته كوريا، من جانب، وفيتنام، من جانب آخر، هل يليق أن نحتج نحن بالحروب التى دخلناها لنبرر فشلنا فى التنمية ولنسكت على اتساع رقعة الفقر بدلا من أن نهلِل لانحسارها؟
 
نحن والحمد لله لم نتأثر بالحروب كما تأثرت كوريا وفيتنام ولا خبرنا الدمار الذى عرفتاه، فما هو السبب فيما أحاق بنا أو لم يحق؟ إنه يكمن فى عملية اتخاذ القرار وتنفيذه، أو فى عدم اتخاذه أصلا. اتخاذ القرار هو سبب وجود النظام السياسى وهو المعبِر عن كفاءته من عدمها.
 
البنى تغيرت شكليا هنا وهناك، والممارسات داخلتها مرونة أحيانا وتضييق فى أحيان أخرى، ولكن النظام السياسى الفعلى الحقيقى واحد خلال عشرات السنين الماضية. لقد أزف الوقت. تغيير قواعد عملية اتخاذ القرار، وبالتالى قواعد نشأة وعمل مؤسسات النظام السياسى الحقيقى، لا يحتمل تأخيرا.
 
النمو الاقتصادى وتوزيع ثماره عملية شاقة، خاصة فى وضع الكارثة الذى تركه نظامنا السياسى يتفاقم وهو عاجز تمام العجز عن علاجه. التنمية عملية مزاياها تنشأ قليلة ثم تزداد أثناء التقدم على طريق التنمية، غير أن تكلفة العملية متفاوتة الوطأة على المواطنين وهى أعلى على البعض منهم خاصة فى بدايتها. لذلك يجب أن يشترك المواطنون فى تفاصيل اتخاذ القرارات التى ستنشىءأعباء عليهم، بما فى ذلك فى توزيع تبعات هذه الأعباء.
 
بدون مشاركة وصلنا إلى ما وصلنا إليه.
 
مشاركة المواطنين عبر مؤسساتهم المنتخبة منها والفنية صارت شرطا لا غنى عنه لتحقيق النهوض الاقتصادى.
 
ملحوظة: فى المقال الأخير للكاتب المنشور يوم 14.08 تحت عنوان «حتى لا يذهب قرض الصندوق هباء»، تسبب سهو راجع إلى التركيز عند الصياغة على خفض العجز فى الميزانية إلى كتابة أن نسبة 98 فى المائة هى عجز فى الميزانية وهو غير الممكن طبعا، فهذه نسبة الدين العام إلى الناتج المحلى الإجمالى. ومع ذلك، فإن المنطق فى المقال لم يتأثر حيث إن تخفيض العجز فى الميزانية من بين سبل تخفيض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلى الإجمالى. وجب التنويه والاعتذار.
 
------------------------
* نقلا عن الشروق المصرية، 27-8-2016.

رابط دائم: