مقالات رأى

مسألة النازحين السوريين في لبنان

طباعة
بلغ عدد النازحين السوريين بحسب أرجح التقارير الثمانية ملايين نسمة، نصفهم في الداخل السوري ونصفهم في دول الجوار بحسب حجمهم: لبنان وتركيا والأردن والعراق . وبلغ عددهم في لبنان المليون ونصف المليون أي ما يوازي ثلث عدد السكان المقيمين . وهذه ظاهرة غير مألوفة أو مسبوقة بحيث تتغير البنية الديمغرافية للبلد بهذا الحجم . لا تنظيم لهذا التدفق المستمر ولا طاقة للبنان خاصة بظروفه الاقتصادية والسياسية على استيعاب هذا الحجم واحتواء الآثار الاقتصادية والاجتماعية الخدماتية والسياسية والأمنية . لم تتفق القوى السياسية على برنامج محدد للتعامل مع هذه المسألة، وهي الآن تبحث عن وسائل لمعالجتها . ورغم أهمية العوامل الاجتماعية والاقتصادية إلاّ أن القلق الآن هو من التداعيات السياسية والأمنية، بعدما تبيّن أن من بين هؤلاء النازحين جهات سياسية وأمنية فاعلة وخلايا مسلحة لديها أهداف للعمل المسلح في لبنان .
 
انعقد في برلين (ألمانيا) الأسبوع الفائت مؤتمر لدعم لبنان في مسألة النازحين فتركز على المساعدات الاجتماعية وتصرفت معظم الدول على أنها ليست معنية بالحد من النزوح أو التخفيف من العبء الضخم الحالي وفي تقدير هذه الدول أن الأزمة مستمرة وعلى لبنان أن يتخذ القرارات السياسية "السيادية"، أي أن يحدد بنفسه كيفية التعامل مع هذا الموضوع .
 
وبالفعل إن فتح أبواب الهجرة بشكل محدود لبضعة آلاف من هؤلاء لا يشكل حلاً لهذا الحجم من النزوح . واللافت طبعاً أنّ النظام السوري يستفيد من هذه المسألة بالضغط على الحكومة اللبنانية للتعاون المباشر معه والتنسيق لمعالجة المسألة . وهو لا يقوم بأي عمل لاستعادة هؤلاء النازحين إلى ديارهم رغم قوله الدائم إنه يحقق إنجازات في فرض الأمن على معظم المناطق السورية .
 
تدخل مسألة النزوح السوري في التوازنات الديمغرافية اللبنانية الطائفية، وهي بدأت تظهر في تداعيات بعض التوترات الأمنية، لاسيّما في شمالي لبنان وحدوده الشرقية مع سوريا . فهم من بعض الطروحات الغربية أنه على لبنان أن يتعاطى مع هؤلاء النازحين على أنهم باقون لوقت طويل، واستنتج البعض أن هذه دعوة ل"التوطين" .
 
ليس المقصود من كلمة "توطين" منحهم الجنسية والحقوق السياسية ولكن كما حال الفلسطينيين . وقد لا يكون المقصود هذا المعنى، بل إن الأزمة السورية ستطول، وأنه لا علاج لمسألة النازحين إلاّ حين يتم الاستقرار والحل السياسي، وتبدأ ورشة إعادة الإعمار في سوريا . وهذا كلام واقعي يجب ألاَّ يصدم لبنان . فقد مضت أربع سنوات على الأزمة السورية وهي تزداد تعقيداً، خاصة مع نشوء تحالف دولي تحت عنوان مكافحة الإرهاب وتحديداً "داعش" الذي ظهر بقوة على المسرح السوري، وكذلك المسألة الكردية والدور التركي المباشر فيها وما يمكن أن يستجر معه من تداعيات . 
 
صحيح أن الاتجاه الذي ظهر مؤخراً هو عودة الحديث بين الأمريكيين والروس في موضوع "جنيف1" وأن خطوات كبيرة قطعت بين الأمريكيين والإيرانيين في الملف النووي، وقد يساعد ذلك على فتح الملف السوري . لكن حتى هذا التوجه لو توفرت شروطه فإنه يحتاج إنضاجه إلى سنوات . وفي الأزمة السورية لا يستطيع أي من الأطراف أن يحسم ولا يستطيع أن يستسلم، وهذا ما صار معروفاً لدى جميع الأطراف في الداخل والخارج .
 
يتسرب من الأوساط المتداخلة الخارجية أنها بصدد البحث عن صيغة للمشاركة . فما المقصود بالمشاركة بين النظام والمعارضة وهل ستكون مجرد شراكة سياسية مع بقاء الهيكلية السلطوية والتنظيمية والإدارية والأمنية هي نفسها؟ نعتقد أن ذلك غير ممكن، وأنه يجب البحث عن حلول ستعيد النظر في هيكلية النظام والصلاحيات فيه بين جميع المواقع والمؤسسات مع الانفتاح على إمكانية إنشاء نوع من الأقاليم الجديدة التي تعطي ضمانة لما يسمّى "الأقليات" التي تظهر وجودها ودورها ومطالبها مع هذه الأزمة . إن مستقبل الوجود الكردي بات يتقرر خارج المركز السوري، ولتركيا رأي مهم فيه، كما لإقليم كردستان والقيادة الكردية .
 
لن يتحول النازحون السوريون في لبنان إلى كتلة اجتماعية وسياسية واحدة في المدى القريب، بل هم سيظلون في اتجاهات مختلفة . قد ينشأ لدى هؤلاء عصبية ترتبط بصفة النزوح وحاجاته ومطالبه وهذه لا تؤثر في المناخ السياسي اللبناني، إلاّ أن لبنان إذا استمر يتصرف تجاه هذه المسألة وهذه الكتلة البشرية الهائلة بغير تنظيم وعقلانية أو وفق حسابات سياسية، فقد يخلق ذلك عصبية بهذا المعنى بعيدة عن السيطرة، والأسوأ إذا حصل ارتباط بين هذه الكتلة البشرية الطارئة وبين جماعة أخرى لبنانية ترى فيهم عضداً لها أو ترى فيهم خصماً تلقائياً وهذه مخاطر حقيقية .
 
----------------------
* نقلا عن دار الخليج، الأحد، 9-11-2014.
طباعة

تعريف الكاتب

سليمان تقي الدين