تحليلات

فعالية المبادرة الأمريكية في ليبيا.. بين دبلوماسية الحل وإعادة توزيع النفوذ

طباعة

تشهد الساحة الليبية منذ سنوات تحولات متسارعة في طبيعة إدارة الأزمة السياسية، حيث لم يعد الصراع مقتصرًا على التنافس بين حكومتين أو سلطتين متوازيتين، بل امتد ليشمل إعادة تشكيل موازين القوى الداخلية ضمن سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد. وفي هذا الإطار، تبرز “المبادرة الأمريكية في ليبيا 2026” بوصفها محاولة جديدة لإعادة صياغة مقاربة واشنطن تجاه الملف الليبي، عبر الانتقال من سياسة الدعم غير المباشر للمسارات الأممية إلى نهج أكثر انخراطًا في إدارة التوازنات الداخلية وإعادة ترتيب بنية السلطة.

ويعكس هذا التحول إدراكًا متزايدًا داخل دوائر صنع القرار الأمريكي بأن حالة الجمود السياسي الناتجة عن تعثر المسار الانتخابي واستمرار الانقسام المؤسسي، لم تعد قابلة للاحتواء عبر الأدوات التقليدية التي تقودها الأمم المتحدة وحدها، مما فتح المجال أمام مقاربة بديلة تقوم على إعادة توزيع النفوذ بين الفاعلين الرئيسيين بدل السعي إلى إقصاء أحدهم. ومن هنا، تطرح المبادرة إشكالية جوهرية تتعلق بطبيعة الدور الأمريكي: هل نحن أمام مقاربة دبلوماسية تستهدف الدفع نحو تسوية مستدامة، أم أمام إعادة تموضع استراتيجي يعيد هندسة النفوذ داخل ليبيا وفق اعتبارات التوازن الإقليمي والدولي؟

تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن المبادرة الأمريكية لا تمثل قطيعة مع منطق إدارة الأزمة بقدر ما تعكس إعادة صياغته، من خلال الانتقال إلى نمط يقوم على تقاسم النفوذ وإعادة إدماج الفاعلين الرئيسيين داخل إطار سياسي واحد، بما يتيح إدارة الانقسام بدل تجاوزه بشكل فوري. وبناءً على ذلك، يسعى هذا المقال إلى تحليل أبعاد هذه المبادرة من خلال ثلاثة محاور رئيسية: إعادة صياغة التحرك الأمريكي في ليبيا، وإدارة التوازنات السياسية وتباين مواقف الأطراف الليبية، ثم انعكاسات هذه المقاربة على مسار إعادة توزيع النفوذ وإمكانات الاستقرار في المرحلة المقبلة.

أولا- مبادرة بولس وإعادة صياغة التحرك الأمريكي في ليبيا 2026:

تعكس المبادرة المرتبطة بمسعد بولس تحولًا في نمط التعاطي الأمريكي مع الأزمة الليبية، حيث انتقلت واشنطن من موقع الدعم غير المباشر للمسارات الدولية إلى محاولة لعب دور أكثر انخراطًا في إعادة تشكيل التوازنات السياسية الداخلية. ويأتي هذا التحول في سياق إدراك متزايد داخل دوائر صنع القرار بأن حالة الجمود السياسي التي أعقبت تعثر العملية الانتخابية، إلى جانب استمرار الانقسام بين حكومتين وبُنى مؤسسية متوازية، لم تعد قابلة للاحتواء عبر الأدوات التقليدية التي تقودها بعثة الأمم المتحدة، وهو ما دفع نحو تبني مقاربة أكثر مباشرة تستهدف إعادة ترتيب بنية السلطة بدل الاكتفاء بإدارة الأزمة ضمن أطرها القائمة.

وفي هذا السياق، تستند المبادرة إلى تصور يقوم على دمج الفاعلين الرئيسيين داخل إطار تنفيذي موحد، في مقابل تجاوز منطق الإقصاء الذي اتسمت به مراحل سابقة وأثبت محدودية أثره. وتبرز ملامح هذا التوجه في الطروحات التي تسعى إلى الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة ضمن هيكل حكومي موحد، بالتوازي مع تولي صدام حفتر المجلس الرئاسي  معسكر خليفة حفتر ويتبعها توحيد المؤسسة العسكرية وفقا لتقرير الإخبارية،  وتعكس هذه الصيغة نمطًا من “التوازن القسري”، حيث يُعاد توزيع النفوذ بين الأطراف بدل حسمه، وهو خيار يرتبط بواقع تشابك القوى المسلحة وتعدد مراكز السيطرة، بما يجعل التسويات القائمة على تقاسم النفوذ أكثر قابلية للتطبيق مقارنة بمحاولات الإقصاء الكامل.

ولا يمكن فصل هذا التحرك عن سياقه الجيوسياسي الأوسع، إذ تحولت ليبيا إلى مجال تنافس بين قوى دولية فاعلة، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى إعادة تقييم موقعها داخل هذا الملف. فالتراجع النسبي في الحضور الأمريكي خلال السنوات الماضية أفسح المجال أمام قوى أخرى لتعزيز نفوذها عبر أدوات عسكرية وسياسية، الأمر الذي جعل المبادرة تمثل محاولة لإعادة تثبيت التوازن الاستراتيجي ومنع اختلاله، بما يضمن استمرار ارتباط ليبيا بمجال التأثير الغربي، خاصة في ظل موقعها الجيوسياسي وأهميتها ضمن توازنات شمال إفريقيا.

على مستوى المقاربة، تكشف المبادرة عن اختلاف في ترتيب الأولويات مقارنة بالنهج الأممي، الذي يستند إلى بناء توافق تدريجي يقود إلى الانتخابات كمدخل للحل. في المقابل، تميل الرؤية الأمريكية إلى الدفع نحو تسوية انتقالية سريعة نسبيًا، تقوم على إعادة توزيع السلطة بين الفاعلين الرئيسيين باعتبارها خطوة أولى نحو الاستقرار. ويعكس هذا التباين اختلافًا في فهم العلاقة بين الاستقرار والشرعية، حيث تُقدِّم المقاربة الأمريكية الاستقرار المؤسسي والأمني كأولوية آنية، حتى وإن جاء ذلك على حساب المسار الانتخابي في المدى القصير، بينما يستمر الطرح الأممي في اعتبار العملية الانتخابية أساسًا لأي تسوية مستدامة.

وعلى المستوى التنفيذي، تتجه المبادرة نحو استخدام أدوات تدريجية لبناء الثقة، خاصة في المجالين العسكري والاقتصادي. ففي الجانب العسكري، يبرز مسار تنشيط قنوات التنسيق بين القوات  في شرق وغرب ليبيا، بما يشمل برامج تدريب مشتركة، كمدخل لتقليص الانقسام داخل المؤسسة العسكرية. وفي هذا الإطار، يندرج التدريب المشترك في سرت ضمن مناورات “فلينتلوك 2026” كآلية لتعزيز التواصل بين القوى المتقابلة، بما يمهد تدريجيًا لإمكانية إعادة بناء المؤسسة الأمنية على أسس أكثر مهنية.

أما على الصعيد الاقتصادي، نجحت  الجهود في توقيع اتفاقية  توحيد الأنفاق العامة وتعزيز آليات الرقابة على الإنفاق، بالتوازي مع مسار المشروع التنموي الموحد الموقع في 2025. وتُطرح هذه الخطوات بوصفها أدوات لخفض التوتر وإعادة تنظيم البيئة الاقتصادية، أكثر من كونها حلولًا نهائية، في ظل إدراك أن الانقسام المالي والعسكري يمثل أحد أبرز معوقات الاستقرار.

ومع ذلك، فإن تعدد هذه المسارات لا يعكس بالضرورة وجود نهج تدريجي متماسك، بل يكشف عن مفارقة داخلية في بنية المبادرة. ففي الوقت الذي يتم فيه اعتماد أدوات تدريجية على المستويين الاقتصادي والعسكري، تسعى المقاربة السياسية إلى إحداث إعادة ترتيب سريعة لمراكز السلطة عبر صيغ تقاسم النفوذ. ويعكس هذا التداخل نمطًا من البراجماتية، لكنه يطرح إشكالية تتعلق بمدى قابلية هذا المسار للاستدامة، إذ إن التعجيل بإنتاج تسوية سياسية دون استكمال بناء إطار مؤسسي موحد قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الانقسام بصيغ جديدة. ومن ثم، تبدو المبادرة وكأنها تجمع بين منطقين متوازيين: التدرج في الوسائل مقابل التسريع في الأهداف، وهو ما يمثل أحد أبرز محددات هشاشتها على المدى المتوسط.

ثانيا- إدارة التوازنات السياسية وتباين مواقف الأطراف الليبية:

تستند إدارة التوازنات السياسية في ليبيا إلى بنية انقسام مؤسسي ممتد، تتوزع فيها مراكز القرار بين سلطات تنفيذية متوازية، ومؤسسات مالية ورقابية ذات تأثير مباشر، إلى جانب قوى عسكرية تملك حضورًا فعليًا على الأرض. هذا التشظي لا يتيح تشكّل مركز سيادي قادر على الحسم، بل يفرض نمطًا من الحكم قائمًا على التفاوض المستمر وإعادة إنتاج التوازن بين الفاعلين. وضمن هذا السياق، تغدو العملية السياسية أقرب إلى إدارة استقرار هش يستهدف منع الانهيار، أكثر من كونها مسارًا انتقاليًا واضح المعالم نحو بناء دولة موحدة.

في الغرب الليبي، يرتبط التباين السياسي بشكل وثيق بالبنية الاقتصادية للدولة، حيث يتمسك اتجاه باستمرار السلطة التنفيذية القائمة بوصفها الأداة الضرورية لضمان تشغيل المؤسسات وإدارة الإنفاق العام، في حين يدفع اتجاه آخر نحو إعادة تشكيل هذه السلطة ضمن إطار تسوية أشمل ترتبط بإجراء الانتخابات. ولا يعكس هذا التباين مجرد اختلاف سياسي تقليدي، بقدر ما يعبر عن صراع على آليات التحكم في الموارد وشبكات توزيعها، بما يجعل الاقتصاد عنصرًا محددًا لتعريف السلطة، لا مجرد أداة تابعة لها.

أما في الشرق الليبي، فيرتكز التصور السياسي على إعادة بناء السلطة التنفيذية بما يتوافق مع موازين القوة الفعلية، مع ربط الاستقرار بقدرة المؤسسات على فرض الضبط الأمني وتنظيم المجال العام. ومع ذلك، لا يتخذ هذا التوجه طابع الكتلة المتجانسة، إذ تتداخل داخله اتجاهات تسعى إلى توسيع نطاق المشاركة المدنية وتقليص مركزية القرار العسكري، بما يعكس تحولات تدريجية داخل بنية السلطة نحو قدر من التعدد الداخلي دون الخروج عن إطارها العام.

وتتركز نقاط الخلاف بين الأطراف في ثلاث دوائر رئيسية تتمثل في آلية وتوقيت الانتخابات، وطبيعة السلطة التنفيذية الانتقالية، إلى جانب آليات السيطرة على المؤسسات السيادية، خاصة في مجالات النفط، والمالية، والأمن. ولا تُدار هذه الملفات بوصفها قضايا إجرائية، بل باعتبارها أدوات لإعادة توزيع النفوذ داخل الدولة، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت موقعه داخل بنية الحكم قبل أي انتقال شامل، مما يجعل التفاوض عملية لإعادة تشكيل موازين القوة أكثر من كونه اتفاقًا على قواعد انتقالية مستقرة.

في ظل هذا التداخل، لا تؤدي المؤسسات التوافقية دور سلطات حاكمة مكتملة الصلاحيات، بل تعمل كأطر تنظيمية لإدارة الحد الأدنى من التوازن بين القوى المتنافسة. ومع استمرار هذا النمط تتسع الفجوة بين الشكل المؤسسي الرسمي للدولة والممارسة الفعلية للسلطة، حيث تنتقل مراكز القرار تدريجيًا إلى تفاهمات غير رسمية قائمة على توازنات القوى، بدل الارتكاز إلى قواعد مؤسسية ملزمة. ويعزز هذا الوضع من حضور نمط “الدولة المزدوجة”، التي تتجاور فيها بنية رسمية قائمة مع بنية فعلية موازية تتحكم في مسارات القرار.

وعلى المستوى الإقليمي، يسهم استمرار التوازن بين القوى الداعمة للأطراف الليبية في ترسيخ حالة من الردع المتبادل، تمنع الحسم الكامل، وفي الوقت ذاته تحد من قدرة أي تسوية داخلية على فرض مركزية موحدة. ولا ينتج هذا التوازن الخارجي حلًا نهائيًا، بقدر ما يضبط حدود الصراع ويمنع انزلاقه إلى مواجهة شاملة، بما يجعل الاستقرار الناتج عنه قائمًا على إدارة التناقضات بدل تجاوزها.

بالتالي لا يقود هذا النمط إلى تفكك الدولة بقدر ما يعيد إنتاجها ضمن إطار قائم على إدارة التوازنات المستمرة، حيث تتحول السياسة إلى عملية ضبط دائم للاختلالات البنيوية بين الأطراف، ويصبح الاستقرار نتاج قدرة النظام على استيعاب التعدد لا إنهائه. وعلى هذا الأساس يتكرس مسار سياسي يقوم على التفاوض المتواصل وإعادة إنتاج التوازن، بدل الوصول إلى تسوية نهائية مستقرة.

ثالثا- انعكاسات المبادرة على إعادة توزيع النفوذ ومسار الاستقرار في ليبيا:

تندرج المبادرات الدولية في ليبيا ضمن امتداد عملي لطبيعة المشهد السياسي القائم، حيث لا تتأسس الدولة على مركز واحد للقرار، بل على شبكة متداخلة من مراكز القوة التي يصعب تجاوزها عبر أدوات الحسم المباشر. وفي هذا السياق، لا تستهدف هذه المبادرات إعادة تأسيس الدولة بصورة فورية، بقدر ما تسعى إلى إعادة تنظيم هذا التعدد داخل إطار سياسي أكثر انضباطًا، يسمح بإدارة الخلافات بدل تفجيرها، ويفتح المجال أمام مسار تدريجي نحو الاستقرار بدل فرض تسويات صادمة غير قابلة للاستدامة.

ويعكس هذا التوجه تحولًا في فلسفة التعاطي مع الملف الليبي من قبل مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس ، حيث لم يعد الهدف إنهاء الانقسام عبر الإقصاء أو الغلبة السياسية، بل إدارة هذا الانقسام ذاته بطريقة تقلل من كلفته وتحد من احتمالات تحوله إلى صراع مفتوح. ومن ثم، فإن إعادة توزيع النفوذ لا تعني تفكيك مراكز القوة القائمة، بقدر ما تعني إعادة إدماجها ضمن منظومة واحدة تحكمها قواعد مشتركة لإدارة الدولة، بما يفضي إلى بناء توازن مؤسسي قابل للاستمرار.

وفي هذا الإطار، ينعكس هذا المسار على المجال الاقتصادي بوصفه أحد أهم أدوات إعادة تنظيم العلاقة بين الأطراف، حيث يعاد توظيف الموارد العامة من كونها أدوات للتنازع إلى أدوات لضبط التفاعل بينها. فبدل استخدام الإنفاق العام كوسيلة لفرض السيطرة، يتم توجيهه ضمن آليات أكثر تنسيقًا، بما يخلق حالة من الاعتماد المتبادل بين المكونات السياسية المختلفة. ويحد هذا التحول من منطق الانفراد بالقرار، ويدفع نحو بناء قواعد مشتركة لإدارة المال العام، بما يمثل مدخلًا تدريجيًا لتوحيد بنية الدولة من زاوية وظيفية لا صدامية.

كما يسهم هذا النهج في إعادة تعريف دور المؤسسات التوافقية، التي تنتقل من كونها كيانات محدودة الفاعلية إلى أدوات تنظيمية لإدارة العلاقة بين القوى السياسية. ومع تراكم هذا الدور، تتعزز قدرتها على ضبط التوازنات وتنسيق القرارات، بما يقلص الفجوة بين الشكل القانوني للدولة والممارسة الفعلية للسلطة. ولا يلغي هذا المسار التعدد القائم، لكنه يعيد تنظيمه داخل إطار مؤسسي أكثر استقرارًا وقدرة على إنتاج مخرجات مشتركة.

ومع استمرار هذا النمط تتبلور ملامح ما يمكن وصفه بـ“المركزية التدريجية”، وهي عملية لا تقوم على فرض مركز واحد للسلطة بشكل مباشر، بل على تراكم آليات التنسيق والاعتماد المتبادل بين الأطراف، بما يقود تدريجيًا إلى توحيد القرار في الملفات السيادية. وتنشأ هذه المركزية بوصفها نتيجة وظيفية للحاجة إلى إدارة الدولة بكفاءة أعلى، خاصة في مجالات المالية العامة، والإنفاق، وإدارة الموارد الاستراتيجية، وليس بوصفها نتاج قرار سياسي حاسم.

ويرتبط هذا المسار ارتباطًا وثيقًا بتباين مواقف الأطراف، حيث لا يؤدي استمرار هذا التباين بالضرورة إلى تفكك الدولة، بل قد يدفع نحو تطوير آليات مشتركة لإدارته. ومع غياب قدرة أي طرف على فرض حسم كامل، تصبح التسويات الجزئية المدخل الأساسي لتنظيم المرحلة، بما يعزز منطق التدرج بدل الصدام، ويجعل الاستقرار نتيجة تراكمية ممتدة زمنيًا.

وعلى المستوى الإقليمي، يسهم استمرار التوازن بين القوى الداعمة للأطراف الليبية في دعم هذا المسار التدريجي، حيث يمنع هذا التوازن أي تحول مفاجئ في موازين القوة، وفي الوقت نفسه يفرض على مختلف الفاعلين القبول بصيغ وسطية لإدارة الدولة. ويؤدي هذا الوضع إلى خلق بيئة سياسية تُحوِّل الانقسام من حالة صراع مفتوح إلى حالة إدارة منظمة للتعدد، بما يفتح المجال أمام تشكل مركز سياسي تدريجي أكثر استقرارًا.

وبالتالي لا تُفضي هذه المبادرة ( مبادرة مسعد بولس ) إلى إعادة تأسيس فورية للدولة، بقدر ما تفتح مسارًا طويل الأمد لإعادة بناء المركز السياسي عبر التدرج والتوافق، بحيث تصبح المركزية نتيجة طبيعية لتراكم التنسيق بين الأطراف بدل أن تكون قرارًا مفروضًا. وبهذا المعنى، يتحول الاستقرار إلى عملية مستمرة تتطور بمرور الزمن، تقوم على إدارة التعدد بدل إلغائه، وعلى إعادة بناء الدولة عبر التدرج بدل القطيعة.

ختاما:

 تُظهر المبادرة الأمريكية في ليبيا 2026 أنها تأتي ضمن مسار ممتد لإدارة الأزمة الليبية أكثر من كونها محاولة لحسمها بصورة نهائية، حيث يتداخل فيها البعد السياسي المتعلق بإعادة توزيع النفوذ مع البعد المؤسسي المرتبط بإعادة تنظيم بنية الدولة في سياق من الانقسام المستمر. وفي هذا الإطار، لا تبدو المبادرة قطيعة مع أنماط إدارة الأزمة السابقة، بقدر ما تمثل امتدادًا لها ضمن أدوات أكثر تركيبًا وتدرجًا.

ويقوم هذا المسار على منطق مزدوج يجمع بين إعادة ترتيب مراكز القوة السياسية من جهة، وتفعيل أدوات تدريجية في المجالين العسكري والاقتصادي من جهة أخرى، بما يعكس محاولة خلق توازن مؤسسي قابل للإدارة دون الوصول إلى تسوية سياسية شاملة في المدى القريب. غير أن هذا التداخل بين التسريع في البنية السياسية والتدرج في الأدوات التنفيذية يفرض حدودًا تتعلق بقدرة هذا النموذج على الاستمرار في ظل غياب إطار مؤسسي موحد.

كما أن طبيعة الانقسام الليبي، بما يتضمنه من تعدد في مراكز القرار السياسي والاقتصادي والعسكري، تجعل من أي مبادرة خارجية جزءًا من عملية إعادة إنتاج التوازنات القائمة أكثر من كونها عاملًا حاسمًا في تغييرها. وفي هذا السياق، يصبح الاستقرار مرهونًا بقدرة التفاعلات بين الأطراف المختلفة على الوصول إلى صيغة إدارة مشتركة للسلطة بدل الصراع حولها، كما أن تباين مواقف الفاعلين وانعكاساته المستمرة يظل عنصرًا محددًا في رسم حدود هذا المسار وإمكاناته.

وعليه، تفتح المبادرة الأمريكية مسارًا لإعادة تنظيم العلاقة بين الأطراف الليبية عبر أدوات تدريجية، دون أن تحسم شكل الدولة النهائي، بل تتركه مفتوحًا على احتمالات متعددة يتحدد اتجاهها بمدى تطور البنية المؤسسية وقدرة الفاعلين على تحويل التوازنات القائمة إلى إطار مستقر لإدارة الدولة. وفي هذا السياق، يظل المسار الليبي أقرب إلى عملية إعادة تشكل تدريجية لوظيفة الدولة، أكثر منه انتقالًا خطيًا نحو تسوية نهائية مكتملة.

طباعة

    تعريف الكاتب

    عبدالله فارس القزاز

    عبدالله فارس القزاز

    باحث فى الشئون الإفريقية