دراسات

الصراع الإيراني–الإسرائيلي كعامل محفز لنشاط الجماعات المسلحة في الساحل الإفريقي

طباعة

شهد النظام الدولي خلال العقدين الأخيرين تحولات هيكلية عميقة، أبرزها تزايد تشابك الأزمات وتداخل مستويات الصراع بين المحلي، والإقليمي، والدولي، لم يعد من الممكن تحليل أي نزاع بمعزل عن السياق العالمي، حيث باتت الحروب ذات تأثيرات ممتدة تتجاوز حدودها الجغرافية، لتطال مناطق أخرى تعاني من الهشاشة البنيوية. وفي هذا الإطار، تبرز المواجهة بين إيران وإسرائيل كأحد أهم الصراعات التي تعكس طبيعة النظام الدولي الراهن، لما تحمله من أبعاد عسكرية، واقتصادية، وأيديولوجية متشابكة.

في المقابل، يمثل إقليم الساحل الإفريقي_الذي يضم دولا مثل، مالي والنيجر وبوركينا فاسو_إحدى أكثر المناطق هشاشة على مستوى العالم. ويعاني هذا الإقليم من أزمات مركبة تشمل ضعف مؤسسات الدولة، وانتشار الفقر، وتفاقم التغيرات المناخية، فضلًا عن النشاط المتزايد للجماعات المسلحة. وقد أشارInstitute for Economics and Peace في تقريره حول مؤشر الإرهاب العالمي إلى أن منطقة الساحل أصبحت مسئولة عن أكثر من نصف ضحايا الإرهاب عالميًا خلال السنوات الأخيرة.

تتمثل إشكالية هذه الدراسة في تحليل العلاقة غير المباشرة بين الحرب الإيرانية–الإسرائيلية وتصاعد نشاط الجماعات المسلحة في الساحل الإفريقي؛ فهذه الحرب رغم بعدها الجغرافي تخلق سلسلة من التداعيات الاقتصادية، والأمنية، والسياسية التي تُعيد تشكيل البيئة الحاضنة للعنف في إفريقيا. ومن ثم، نسعى إلى تقديم تحليل معمق متعدد المستويات يربط بين الديناميات الدولية، والإقليمية، والمحلية.

أولًا- الإطار العام للعلاقة بين الصراعات الدولية والنزاعات الإفريقية:

١. ترابط الأزمات الدولية وتأثيرها العابر للحدود:

لم تعد الصراعات الدولية ظواهر محلية أو إقليمية معزولة فحسب، بل أصبحت جزءًا من شبكة معقدة من التفاعلات العابرة للحدود، وهو ما يُشار إليه في الأدبيات المعاصرة بمفهوم "عولمة الأزمات" أو "تشابك النزاعات". فالحروب الكبرى مثل التوتر بين إيران وإسرائيل تُنتج آثارًا تتجاوز نطاقها الجغرافي، وتمتد إلى مناطق بعيدة، خاصة تلك التي تعاني من هشاشة هيكلية مثل إقليم الساحل الإفريقي.

أ) صدمات الطاقة كقناة انتقال رئيسية للأزمات: تمثل الطاقة القناة الأكثر مباشرة لانتقال آثار الصراعات الدولية، حيث يؤدي أي تصعيد في الشرق الأوسط إلى اضطراب أسواق النفط العالمية، ويكتسب هذا التأثير أهمية خاصة نظرًا لمرور نحو 20% من تجارة النفط العالمية عبر مضيق هرمز، مما يجعل أي تهديد لهذا الممر عاملًا رئيسيًا في رفع الأسعار، وقد أثبتت الدراسات الاقتصادية أن ارتفاع أسعار النفط ينعكس بشكل مباشر على الدول المستوردة للطاقة، خاصة في إفريقيا، حيث تعتمد دول الساحل، مثل مالي، والنيجر، وبوركينا فاسو بشكل شبه كامل على استيراد المواد الطاقوية. وفي هذا السياق، شهدت هذه الدول زيادات في أسعار الوقود تراوحت بين 30% و60% خلال فترات التوتر الدولي، وهو ما أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، ومن ثم زيادة أسعار السلع الأساسية.

ولا يقتصر أثر صدمات الطاقة على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى المجال الأمني، حيث يؤدي ارتفاع تكاليف المعيشة إلى تآكل شرعية الدولة، وزيادة الاحتقان الاجتماعي، وهو ما تستغله الجماعات المسلحة لتوسيع قاعدة تجنيدها، عبر تقديم بدائل اقتصادية أو استغلال حالة السخط الشعبي.

ب) التضخم الغذائي وتعميق الهشاشة الاجتماعية: تُعد أزمة الغذاء أحد أبرز المسارات غير المباشرة التي تنتقل من خلالها آثار الحروب إلى الدول الهشة؛ فالصراعات الدولية تؤدي إلى تعطيل سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الحبوب والأسمدة، مما ينعكس بشكل مباشر على الدول الإفريقية التي تعتمد على الاستيراد.

وقد شهدت الأسواق العالمية خلال فترات الأزمات زيادات في أسعار الغذاء بنسبة تتراوح بين 20% و40%، بينما كانت الزيادة الفعلية في بعض دول الساحل أعلى من ذلك، والتي وصلت في بعض الأحيان ل80% وتجاوزت 100%في بعض المناطق ذات الأزمات الحادة ،ويرجع ذلك بشكل أساسي لضعف العملة وارتفاع تكاليف النقل والاعتماد الكبير على الاستيراد. وتشير التقديرات إلى أن نسبة كبيرة من سكان هذه الدول تنفق أكثر من 50–60% من دخلها على الغذاء، مما يجعل أي زيادة في الأسعار تهديدًا مباشرًا للأمن المعيشي.وترتبط هذه الأوضاع بزيادة احتمالات العنف، حيث تؤدي الأزمات الغذائية إلى:

تصاعد الاحتجاجات الشعبية، وارتفاع معدلات الجريمة، وزيادة قابلية الأفراد للانضمام إلى الجماعات المسلحة، وفي هذا السياق تستغل هذه الجماعات الأزمة من خلال تقديم الغذاء أو الرواتب مقابل الانضمام، مما يحول الأزمة الاقتصادية إلى مورد استراتيجي للتجنيد.

ج) تراجع الاستثمارات الدولية وإعادة توجيه الموارد: يُعد تراجع الاستثمارات الأجنبية أحد أهم التداعيات غير المباشرة للصراعات الدولية. ففي ظل حالة عدم اليقين، تميل الشركات والدول إلى تقليل استثماراتها في المناطق عالية المخاطر، وتوجيهها نحو مناطق أكثر استقرارًا أو أهمية استراتيجية، وقد أدى تصاعد التوترات الدولية إلى انخفاض تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى الدول الإفريقية، خاصة في المناطق الهشة، بنسبة تُقدر بنحو 20% إلى 30% في بعض الفترات. كما ارتفعت تكلفة الاقتراض، وتراجعت المساعدات التنموية الموجهة للبنية التحتية.

وينعكس ذلك على:

ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، تراجع الخدمات العامة، تعثر مشروعات التنمية،وهو ما يؤدي في النهاية إلى خلق بيئة اقتصادية واجتماعية تُسهل انتشار الجماعات المسلحة، التي تستغل هذه الأوضاع لتقديم نفسها كبديل اقتصادي أو أمني.

٢. هشاشة البيئة الأمنية في الساحل الإفريقي:

يُعد إقليم الساحل الإفريقي من أكثر المناطق هشاشة على مستوى العالم، وهو ما تؤكده بياناتInstitute for Economics and Peace لعام 2024، التي تشير إلى أن المنطقة أصبحت مسئولة عن أكثر من 50% من ضحايا الإرهاب عالميًا.

أ) ضعف الدولة وتآكل السلطة المركزية: تعاني دول الساحل من ضعف شديد في مؤسسات الدولة، حيث تفتقر الحكومات إلى القدرة على بسط سيطرتها على كامل أراضيها. وفي بعض المناطق، تسيطر الجماعات المسلحة بشكل فعلي، وتقوم بوظائف الدولة، مثل توفير الأمن أو فض النزاعات.

ويؤدي هذا الوضع إلى خلق "فراغ حوكمة"، يسمح للجماعات المسلحة بتعزيز نفوذها، خاصة في المناطق الريفية والنائية.

ب) الحدود المفتوحة كعامل مضاعف للتهديد: تمتد حدود دول الساحل عبر مساحات شاسعة يصعب مراقبتها، مما يسمح بحرية حركة المقاتلين والأسلحة، وقد ساهم ذلك في تحويل المنطقة إلى ممر رئيسي لشبكات التهريب والجريمة المنظمة.

ولا تقتصر خطورة هذا العامل على الجانب الأمني فقط، بل تمتد إلى الجانب الاقتصادي، حيث تعتمد بعض الجماعات المسلحة على هذه الأنشطة كمصدر رئيسي للتمويل.

ج) التداخل بين الإرهاب والجريمة المنظمة: تشير الدراسات إلى وجود تزايد في التعاون بين الجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة، حيث تتشارك هذه الأطراف في الموارد والمسارات. ويشمل ذلك:

تهريب المخدرات، والاتجار بالبشر، وتهريب الأسلحة، ويؤدي هذا التداخل إلى تعزيز القدرات المالية والتنظيمية للجماعات المسلحة، مما يزيد من صعوبة مواجهتها.

د) النمو المتسارع للعنف المسلح: شهدت منطقة الساحل تصاعدًا غير مسبوق في معدلات العنف، حيث تضاعف عدد الهجمات الإرهابية عدة مرات خلال السنوات الأخيرة،ففي النيجر ارتفع عدد الهجمات من 62 هجوما في 2023 لتصل حتى101 هجوم في 2024، والوفيات تضاعفت تقريبًا إلى 930 قتيلا. وتُظهر البيانات أن آلاف الأشخاص يُقتلون سنويًا نتيجة هذه الهجمات، مع توسع نطاقها الجغرافي.

ويعكس هذا الاتجاه تحولًا هيكليًا في طبيعة الصراع، حيث أصبحت الجماعات المسلحة أكثر تنظيمًا وقدرة على تنفيذ عمليات معقدة.

٣. دور الفاعلين الدوليين في ضبط أو تفاقم الصراعات: تلعب القوى الدولية دورًا محوريًا في تشكيل البيئة الأمنية في الساحل، إلا أن هذا الدور شهد تراجعًا ملحوظًا في ظل تصاعد الصراعات في مناطق أخرى.

أ) تراجع الانخراط الدولي وخلق الفراغ الأمني: أدى انسحاب أو تقليص وجود القوات الدولية إلى إضعاف قدرات الدول المحلية على مواجهة الجماعات المسلحة. وقد ظهر ذلك جليا في استغلال هذه الجماعات هذا الفراغ لتوسيع نفوذها وزيادة عملياتها خاصة مع انشغال العالم بقضايا الشرق الأوسط.

ب) إعادة توزيع الأولويات الاستراتيجية: مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، أعادت القوى الكبرى توجيه مواردها نحو هذه المنطقة، مما أدى إلى تراجع الاهتمام بإفريقيا. ويُعد ذلك أحد العوامل الرئيسية في تفاقم الأوضاع الأمنية في الساحل.

ج) صعود الفاعلين غير التقليديين: في ظل تراجع الدور الغربي، برزت قوى جديدة تسعى لتعزيز نفوذها في إفريقيا،وأبرزها مجموعات فاجنر التي نشطت في بعض دول المنطقة وأصبحت تقدم دعما عسكريا مقابل الحصول على  الذهب والنفوذ السياسي، والذي بدوره أدى لتعقيم المشهد السياسي نتيجة لتضاربها مع القوى الغربية وتعدد الفاعلين.

د) انعكاسات ذلك على نشاط الجماعات المسلحة: أدى هذا التحول إلى زيادة قدرة الجماعات المسلحة على:

السيطرة على الأراضي، وتجنيد عناصر جديدة، وتنفيذ هجمات نوعية، وهو ما يعكس العلاقة المباشرة بين تراجع الدور الدولي وتصاعد العنف في المنطقة.

ثانيًا- التأثيرات الاقتصادية للحرب كمدخل رئيسي لتغذية العنف:

لا يمكن فهم تصاعد العنف في إقليم الساحل الإفريقي بمعزل عن التحولات الاقتصادية الناتجة عن الصراعات الدولية، إذ تمثل هذه التحولات حلقة وسيطة تربط بين الأزمات الجيوسياسية البعيدة والاضطرابات الأمنية المحلية، وفي هذا السياق، يُسهم التصعيد بين إيران وإسرائيل في إنتاج ضغوط اقتصادية متراكمة تنتقل تدريجيًا إلى دول الساحل، لتتحول من مجرد اختلالات اقتصادية إلى محفزات مباشرة للعنف والإرهاب، وتعمل هذه العملية عبر مسار متكامل يبدأ بـ صدمات الطاقة، ويمتد إلى أزمة الغذاء والتضخم، لينتهي عند اقتصاديات التجنيد داخل الجماعات المسلحة.

١. من صدمات الطاقة إلى تآكل الاستقرار الاقتصادي: تُعد أسواق الطاقة نقطة البداية في انتقال أثر الحرب، نظرًا لمكانة الشرق الأوسط كمركز رئيسي لإمدادات النفط العالمية، حيث يمر نحو 20% من النفط العالمي عبر مضيق هرمز، ومع تصاعد التوترات الأخيرة، ارتفعت أسعار النفط نتيجة زيادة المخاطر الجيوسياسية، وهو ما ينعكس مباشرة على الدول المستوردة للطاقة، وعلى رأسها دول الساحل، مثل مالي،  والنيجر، وبوركينا فاسو.

هذا الارتفاع لا يظل محصورًا في قطاع الطاقة، بل ينتقل تدريجيًا إلى باقي قطاعات الاقتصاد؛ فزيادة أسعار الوقود تؤدي أولًا إلى ارتفاع تكاليف النقل، سواء نقل الأفراد أو السلع، وهو ما يرفع تكلفة توزيع الغذاء والمنتجات الأساسية. وتشير التقديرات إلى أن تكاليف النقل في بعض دول الساحل ارتفعت بنسب تراوحت بين 30% و60% خلال فترات الأزمات، ومع انتقال هذه الزيادة إلى الأسعار النهائية، تبدأ موجة تضخمية واسعة.

وهنا، يدخل الاقتصاد في حلقة تضخمية مركبة، حيث ترتفع أسعار السلع والخدمات بشكل متزامن، وقد تجاوزت معدلات التضخم في بعض الحالات 20%. ولا تقتصر خطورة التضخم على الأرقام، بل تكمن في تأثيره الاجتماعي، إذ يؤدي إلى تآكل الدخول الحقيقية، خاصة في المجتمعات منخفضة الدخل.

وهنا تظهر أولى حلقات الربط مع العنف؛ فمع انخفاض القدرة الشرائية—حيث تنفق الأسر في الساحل ما يصل إلى 50–70% من دخلها على الغذاء—يبدأ العجز عن تلبية الاحتياجات الأساسية، مما يؤدي إلى تصاعد الاحتقان الاجتماعي، وزيادة احتمالية الاضطرابات. وهكذا، تتحول صدمة الطاقة من ظاهرة اقتصادية إلى عامل زعزعة للاستقرار.

2.انتقال الأزمة إلى الغذاء وتعميق الهشاشة الاجتماعية: لا تتوقف آثار صدمات الطاقة عند التضخم العام، بل تمتد بشكل أكثر حدة إلى قطاع الغذاء، الذي يمثل العنصر الأكثر حساسية في المجتمعات الهشة. فالحروب الدولية تؤدي إلى تعطيل سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، فضلًا عن زيادة أسعار المدخلات الزراعية مثل الأسمدة.

نتيجة لذلك، شهدت أسعار الغذاء عالميًا زيادات تتراوح بين 20% و40% خلال فترات التوتر، بينما كانت الزيادة الفعلية في دول الساحل أعلى من ذلك بسبب ضعف العملات المحلية وارتفاع تكاليف النقل الداخلي. وبالنظر إلى اعتماد هذه الدول على الاستيراد، فإن أي اضطراب عالمي ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي المحلي، وبالتالي تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة معيشية حادة، حيث تواجه الأسر صعوبة في الحصول على الغذاء الكافي، ويزداد عدد الأفراد الذين يعيشون في حالات انعدام أمن غذائي ولا يقتصر الأمر على الجانب الإنساني، بل يمتد إلى البعد الأمني.

تشير الأدبيات إلى وجود علاقة وثيقة بين أزمات الغذاء وتصاعد العنف، إذ تؤدي هذه الأزمات بطبيعة الحال إلى:

اندلاع احتجاجات اجتماعية، وارتفاع معدلات الجريمة، وتزايد الاستعداد للانخراط في أنشطة غير قانونية.

وفي هذا السياق، تستغل الجماعات المسلحة هذه الظروف من خلال تقديم الغذاء أو المساعدات مقابل الولاء، مما يعزز نفوذها داخل المجتمعات المحلية. وهكذا، تتحول أزمة الغذاء من نتيجة للحرب إلى أداة بيد الفاعلين المسلحين.

3.من الفقر إلى التجنيد: الاقتصاد كدافع مباشر للعنف: مع استمرار الضغوط الاقتصادية الناتجة عن صدمات الطاقة وأزمة الغذاء، تصل العملية إلى مرحلتها الأكثر خطورة، وهي تحول الأزمة إلى محفز مباشر للتجنيد داخل الجماعات المسلحة. ففي ظل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، خاصة بين الشباب، يصبح الانضمام إلى هذه الجماعات خيارًا اقتصاديًا أكثر منه أيديولوجيًا.

تشير التقديرات إلى أن بعض الجماعات المسلحة في الساحل تقدم رواتب تتراوح بين 100 و300 دولار شهريًا، وهو ما يفوق في كثير من الحالات متوسط الدخل في المناطق الريفية. وبالتالي، يصبح القرار بالانضمام قائمًا على حسابات عقلانية تتعلق بالبقاء الاقتصادي، ولا يقتصر دور الجماعات المسلحة على تقديم الرواتب، بل يمتد إلى توفير الغذاء والحماية، وأحيانًا خدمات بديلة للدولة، مما يعزز قدرتها على الاستقطاب خاصة في ظل تراجع الأنشطة الاقتصادية التقليدية بسبب الأزمات، وتتسع قاعدة الأفراد القابلين للتجنيد، وهو ما يؤدي إلى تضخم مستمر في أعداد هذه الجماعات.

وهنا تكتمل الحلقة؛ فالأزمة التي بدأت بصراع دولي بعيد، وانتقلت عبر الطاقة والغذاء، تنتهي بإعادة إنتاج العنف على المستوى المحلي، من خلال توسيع قاعدة الفاعلين المسلحين.

ثالثًا- الفراغ الأمني وإعادة توزيع الاهتمام الدولي كعامل محفّز لتصاعد العنف في الساحل الإفريقي:

لا تقتصر تداعيات الصراعات الدولية على الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد بشكل مباشر إلى البنية الأمنية العالمية من خلال إعادة توزيع الاهتمام والموارد العسكرية والدبلوماسية للدول الكبرى، وفي حالة التصعيد بين إيران وإسرائيل، يؤدي انشغال القوى الدولية في إدارة هذه المواجهة إلى تقليص مستوى الانخراط في مناطق أخرى أكثر هشاشة، وعلى رأسها إقليم الساحل الإفريقي، وينتج عن هذا التحول ما يُعرف في الأدبيات الأمنية بـ"الفراغ الأمني"، وهو أحد أهم العوامل التي تفسر تصاعد نشاط الجماعات المسلحة في المنطقة.

١. تراجع الانخراط الدولي وتحول أولويات القوى الكبرى: شهدت السنوات الأخيرة تحولًا تدريجيًا في أولويات القوى الدولية، حيث بدأت هذه القوى بإعادة توجيه مواردها العسكرية والاستخباراتية نحو بؤر توتر أكثر حدة من منظورها الاستراتيجي، ومع تصاعد التوتر في الشرق الأوسط تزايد التركيز على إدارة الأزمات في المنطقة، مما أدى إلى تراجع نسبي في الاهتمام بالملفات الإفريقية.

هذا التراجع لا يعني انسحابًا كاملًا، لكنه يتمثل في انخفاض الكثافة العملياتية، وتقليص الدعم اللوجستي والاستخباراتي للدول الإفريقية، وقد انعكس ذلك بشكل واضح في إقليم الساحل، حيث قلصت عدة دول غربية وجودها العسكري، خاصة في مناطق كانت تعتمد بشكل كبير على الدعم الخارجي في مكافحة الإرهاب.

على سبيل المثال، شهدت دول، مثل مالي والنيجر تغيرًا في طبيعة الشراكات الأمنية، مع تقليص التعاون العسكري الغربي، وهو ما أدى إلى فجوات واضحة في قدرات المراقبة الجوية والاستخبارات الميدانية.

٢. تشكل الفراغ الأمني وتآكل قدرات الدولة: ينتج عن تراجع الانخراط الدولي ما يمكن وصفه بـ"الفراغ الأمني المركب"، وهو ليس مجرد غياب قوات عسكرية، بل حالة أوسع تشمل ضعف التنسيق، وتراجع القدرات اللوجستية، وانخفاض مستوى الردع ضد الجماعات المسلحة، وفي هذا السياق تصبح الدول الهشة غير قادرة على ملء هذا الفراغ بسبب محدودية مواردها ،فالجيوش الوطنية في الساحل غالبًا ما تعاني من:

نقص في التدريب والتجهيز، وضعف القدرات الاستخباراتية، ومحدودية السيطرة على المناطق الريفية الشاسعة.هذا التآكل في قدرات الدولة يؤدي إلى فقدان السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي، وهو ما يخلق بيئة "شبه فراغ سيادي" تستغله الجماعات المسلحة لتوسيع نفوذها دون مواجهة عسكرية فعالة.

3.إعادة تموضع الجماعات المسلحة واستغلال الفراغ: في ظل هذا الفراغ، لا تبقى الجماعات المسلحة في حالة دفاع، بل تنتقل إلى مرحلة التوسع الاستراتيجي، وتشير التطورات الميدانية إلى أن الجماعات المرتبطة بتنظيمات، مثل "داعش في الساحل" و"جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" استطاعت خلال السنوات الأخيرة توسيع نطاق عملياتها من الشمال المالي إلى مناطق وسط وغرب الساحل مع زيادة وتيرة الهجمات على القوات الحكومية، وفرض سيطرة فعلية أو نفوذ غير مباشر على مناطق ريفية واسعة.

وتُظهر بيانات الأمن الإقليمي أن عدد الهجمات في بعض مناطق الساحل تضاعف خلال فترة قصيرة، مع ارتفاع ملحوظ في عدد الضحايا، حيث وصلت الخسائر البشرية في بعض السنوات إلى آلاف القتلى سنويًا.

هذا التوسع لا يمكن فهمه إلا في إطار العلاقة بين الفراغ الأمني وانخفاض تكلفة الفعل العنيف؛ فكلما قل الردع زادت قدرة الفاعلين المسلحين على التحرك بحرية أكبر.

4.إعادة توزيع الاهتمام الدولي كعامل غير مباشر لتعزيز العنف: يُعد انشغال القوى الكبرى بأزمات أخرى_مثل الحرب الإيرانية–الإسرائيلية_أحد أهم العوامل التي تفسر تراجع الضغط الدولي على الجماعات المسلحة في الساحل. فوفقًا لمنطق "إعادة توزيع الأولويات الاستراتيجية"، تميل الدول إلى التركيز على الأزمات التي تمثل تهديدًا مباشرًا لمصالحها الحيوية، مما يؤدي إلى تراجع الاهتمام بالمناطق الأقل أولوية.

هذا التحول ينعكس في:

انخفاض عدد العمليات المشتركة لمكافحة الإرهاب، وتراجع التمويل المخصص لبرامج الاستقرار والتنمية، وضعف التنسيق الاستخباراتي بين الفاعلين الدوليين، ومع غياب الضغط الخارجي تجد الجماعات المسلحة مساحة أكبر لإعادة التنظيم، وتوسيع شبكاتها، وتعزيز قدراتها القتالية.

5.صعود الفاعلين غير الدوليين وتعقيد المشهد الأمني: إلى جانب الفراغ الناتج عن تراجع القوى التقليدية، يشهد الساحل تصاعدًا في دور الفاعلين غير الدوليين، بما في ذلك شركات أمنية خاصة وشبكات مسلحة عابرة للحدود. هذا التعدد في الفاعلين يؤدي إلى:

تداخل في الأدوار الأمنية، وتضارب في المصالح، وصعوبة في بناء استراتيجية موحدة لمكافحة الإرهاب.

كما أن بعض هذه الفواعل لا يضع الاستقرار طويل الأمد كأولوية، بل يركز على المكاسب قصيرة المدى، ما يزيد من هشاشة البيئة الأمنية.

رابعًا- إعادة تشكيل التوازنات الدولية ودور الفاعلين غير الدوليين في تغذية العنف بالساحل الإفريقي:

لا يمكن فهم تطور الأوضاع الأمنية في الساحل الإفريقي بمعزل عن التحولات الجارية في بنية النظام الدولي، حيث يشهد هذا النظام حالة من إعادة التشكيل التدريجي لموازين القوى، مع تراجع نسبى لهيمنة الفاعلين الغربيين التقليديين، وصعود قوى جديدة تسعى لإعادة توزيع النفوذ عالميًا. وفي ظل انشغال القوى الكبرى بصراعات معقدة مثل التصعيد بين إيران وإسرائيل، تتسع مساحة الحركة أمام فاعلين دوليين وإقليميين وغير دوليين في إفريقيا، وهو ما ينعكس مباشرة على تعقيد البيئة الأمنية في إقليم الساحل.

١. إعادة تشكل النظام الدولي وتعدد مراكز القوة:يشهد النظام الدولي الحالي انتقالًا تدريجيًا من نمط أحادي القطبية إلى نمط أكثر تعددية، تتداخل فيه مراكز القوة وتتنافس على النفوذ في مناطق استراتيجية، وعلى رأسها القارة الإفريقية. هذا التحول أدى إلى ما يمكن تسميته بـ"تعدد مراكز التأثير"، حيث لم تعد السيطرة الأمنية والسياسية حكرًا على قوة واحدة ولذلك  أصبح الساحل الإفريقي ساحة تنافس بين قوى دولية وإقليمية متعددة، كل منها يسعى لتعزيز نفوذه عبر أدوات مختلفة، سواء اقتصادية، أو عسكرية، أو أمنية. هذا التنافس لا يؤدي بالضرورة إلى استقرار، بل في كثير من الحالات يخلق حالة من التداخل والازدواجية في الأدوار، ما يضعف فعالية الاستجابة الأمنية للجماعات المسلحة.

٢. صعود الفاعلين غير الغربيين وإعادة تشكيل موازين النفوذ:من أبرز مظاهر هذا التحول صعود قوى دولية غير غربية في إفريقيا، وعلى رأسها روسيا والصين، حيث تسعى كل منهما إلى تعزيز حضورها عبر أدوات مختلفة.

أ) النموذج الروسي:الذي يعتمد على سياسة "الأمن مقابل النفوذ"فتعتمد روسيا في إفريقيا على نموذج يقوم على تقديم الدعم الأمني والعسكري مقابل تعزيز النفوذ السياسي والاقتصادي. وقد ظهر هذا النموذج من خلال شركات عسكرية خاصة، أبرزها مجموعة فاجنر (سابقا)، والتي لعبت دورًا في عدد من دول الساحل.هذا الوجود لا يقتصر على الدعم العسكري، بل يمتد إلى:

التدريب العسكري للقوات المحلية،والمشاركة في العمليات القتالية، وتقديم استشارات أمنية، لكن في المقابل، أدى هذا النمط من التدخل إلى تعقيد المشهد الأمني، نتيجة تعدد مراكز القرار الأمني وتداخل الصلاحيات بين الفاعلين المحليين والدوليين.

ب) النموذج الصيني:يقوم على النفوذ الاقتصادي غير المباشر، على الجانب الآخر، تعتمد الصين على أدوات اقتصادية في المقام الأول، من خلال الاستثمار في البنية التحتية، والموارد الطبيعية، ومشروعات التنمية. ورغم أن هذا النموذج أقل تدخلاً عسكريًا، إلا أنه يساهم في إعادة تشكيل البنية الاقتصادية للدول الإفريقية، مما ينعكس بشكل غير مباشر على الاستقرار. غير أن التركيز على البعد الاقتصادي دون معالجة التحديات الأمنية يؤدي إلى فجوة بين التنمية والاستقرار، وهو ما تستغله الجماعات المسلحة في المناطق الهشة.

٣. توسع الفاعلين غير الدوليين وتعقيد البيئة الأمنية:

إلى جانب الفاعلين الدوليين، يشهد الساحل الإفريقي تصاعدًا كبيرًا في دور الفاعلين غير الدوليين، وعلى رأسهم الجماعات المسلحة والشبكات الإجرامية العابرة للحدود.هذه الفواعل لم تعد مجرد مجموعات محلية، بل تحولت إلى شبكات منظمة تمتلك تمويلًا ذاتيًا من خلال التهريب والضرائب غير الرسمية، وهياكل تنظيمية مرنة، وقدرة على التحرك عبر الحدود دون عوائق كبيرة.وقد ساهم هذا التطور في تحويل العنف من ظاهرة محلية إلى شبكة إقليمية مترابطة.

٤. تأثير إعادة توزيع النفوذ الدولي على استدامة العنف:

إن إعادة توزيع النفوذ بين القوى الدولية لا يؤدي فقط إلى تغيير خريطة السيطرة، بل يخلق أيضًا حالة من "التوازن غير المستقر". ففي ظل تنافس القوى الكبرى، تصبح الأولوية أحيانًا لتحقيق النفوذ السياسي والاقتصادي أكثر من تحقيق الاستقرار الأمني طويل الأمد. هذا الوضع يؤدي إلى ضعف التنسيق الدولي في مكافحة الإرهاب، وتضارب الاستراتيجيات بين الفاعلين المختلفين، وخلق بيئة تسمح للجماعات المسلحة بالتحرك بين مناطق النفوذ المختلفة، كما أن انشغال القوى الكبرى بصراعات أخرى_مثل الحرب الإيرانية–الإسرائيلية_يؤدي إلى تقليص الموارد الموجهة لإفريقيا، مما يزيد من هشاشة الوضع الأمني.

٥. انعكاسات التنافس الدولي على الجماعات المسلحة:في ظل هذا التنافس الدولي، تجد الجماعات المسلحة في الساحل بيئة مواتية لتعزيز وجودها. فهي تستفيد من تضارب المصالح بين القوى الدولية، ضعف التنسيق الأمني تراجع الضغط العسكري المباشر.

كما أن بعض هذه الجماعات بدأت في تطوير استراتيجيات أكثر تعقيدًا، تشمل توسيع شبكات التمويل، واستخدام التكنولوجيا الحديثة، والتحول إلى السيطرة شبه الإدارية على بعض المناطق، وهكذا يتحول التنافس الدولي من عامل احتواء للعنف إلى عامل غير مباشر في إعادة إنتاجه.

ختاما:

يتضح من التحليل أن الحرب الإيرانية–الإسرائيلية لا تؤثر بشكل مباشر فقط على إقليمها الجغرافي، بل تمتد تداعياتها بشكل غير مباشر إلى مناطق بعيدة مثل الساحل الإفريقي، عبر شبكة معقدة من التفاعلات الاقتصادية، والأمنية، والدولية، فعلى المستوى الاقتصادي، تؤدي صدمات الطاقة، وارتفاع أسعار الغذاء، وتراجع الاستثمارات إلى زيادة الضغوط المعيشية داخل دول الساحل، وهو ما يرفع من معدلات الفقر والهشاشة الاجتماعية، ويخلق بيئة أكثر قابلية لتنامي العنف والتطرف. أما على المستوى الأمني، فإن انشغال القوى الدولية بصراعات أخرى يؤدي إلى تراجع نسبي في الاهتمام بإفريقيا، بما يخلق فراغًا أمنيًا تستغله الجماعات المسلحة لتوسيع نشاطها وتعزيز نفوذها.

كما أن إعادة تشكيل التوازنات الدولية وتعدد الفاعلين زاد من تعقيد المشهد، وأضعف من فعالية التنسيق الدولي في مواجهة التهديدات العابرة للحدود.

وبناءً عليه، يمكن القول إن تصاعد نشاط الجماعات المسلحة في الساحل الإفريقي لا يمكن فصله عن السياق الدولي الأوسع، بل هو نتيجة مباشرة لتداخل الأزمات العالمية مع الهشاشة البنيوية الداخلية، مما يستدعي مقاربة شاملة تجمع بين الأمن، والتنمية، والتعاون الدولي.

المراجع:

1. نشوى حسين مختار،(2021). دور المنظمات الدولية والإقليمية في مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل الإفريقي، مجلة الدراسات الإفريقية، جامعة القاهرة.

https://journals.ekb.eg/article_241393_0.html⁠

2. ميساء عبد الخالق نواف. (2025). دور التدخل الدولي في دحر الإرهاب: منطقة الساحل الإفريقي نموذجًا. مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية.

https://www.journals.ajsrp.com/index.php/jhss/ar/article/view/8996⁠

3. أمل أحمد،(2021). الإرهاب وتنظيمات العنف الإثني والجريمة المنظمة في مالي: دراسة لشبكة التفاعلات المعقدة.

https://journals.ekb.eg/article_204316.html⁠

مركز الجزيرة للدراسات. (2024). الساحل الإفريقي بؤرة للإرهاب العالمي: الأسباب والتداعيات.

https://studies.aljazeera.net/ar/article/6205⁠

4. تغلغل وديناميكيات الإرهاب في الساحل الإفريقي.Independent Arabia. (2025).

https://www.independentarabia.com/node/626465

5.العلاقة بين إرهاب الساحل وصراعات الشرق الأوسط.Independent Arabia. (2025).

https://www.independentarabia.com/node/626588⁠

6. Council on Foreign Relations. (2025). Violent extremism in the Sahel.

https://www.cfr.org/global-conflict-tracker/conflict/violent-extremism-sahel⁠

7. Institute for Economics and Peace. (2025). Global Terrorism Index 2025: Measuring the impact of terrorism.

https://www.visionofhumanity.org/global-terrorism-index/⁠

8. United Nations Security Council. (2024). Reports on West Africa and the Sahel.

https://www.un.org/securitycouncil/⁠

9. Stimson Center.(2026). Impacts of global conflicts on Africa and the Sahel.

https://www.stimson.org⁠

طباعة

    تعريف الكاتب

    رنا محمد عياد

    رنا محمد عياد

    باحثة في العلوم السياسية