تحليلات

التحولات في (أوبك) وتغير الجغرافيا السياسية.. الشرق الأوسط من فوضى الخرائط إلى صراع الطاقة والممرات.."هل انتهى الشرق الأوسط الذي نعرفه؟"

طباعة

التساؤل في العنوان لا ينبغي التعامل معه بوصفه حكمًا نهائيًا، بل باعتباره تعبيرًا مكثفًا عن حالة انتقال تاريخي تتسم بقدر عالٍ من السيولة وعدم اليقين. ما نشهده ليس نهاية الإقليم بقدر ما هو تفكك تدريجي للمنظومة التي حكمته لعقود، وبداية تشكّل قواعد جديدة لم تستقر بعد. لا يتعلق التحول الجوهري هنا فقط بتغير موازين القوة، بل بطبيعة هذه القوة ذاتها. ففي الصياغات التقليدية، كانت الجغرافيا السياسية تُفهم باعتبارها إطارًا ثابتًا تتحرك داخله الدول، حيث تمثل الحدود خطوطًا فاصلة واضحة، وتُقاس القوة بالسيطرة على الأرض. أما في اللحظة الراهنة، فإن هذا التصور يتآكل لصالح فهم أكثر تعقيدًا، تتحول فيه الجغرافيا من ”وعاء ثابت“إلى ”متغير قابل لإعادة التشكيل“، ليس فقط عبر الحروب، بل عبر أدوات الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا.

ضمن هذا السياق، تبرز فكرة ”إعادة هندسة المجال الإقليمي والجغرافيا السياسية“ كمدخل تفسيري أكثر دقة من مجرد الحديث عن صراعات تقليدية. فالمسألة لم تعد تتعلق بمن يسيطر على مدينة أو إقليم، بل بمن يمتلك القدرة على التأثير في الشبكات التي تربط هذا الإقليم بالعالم. وهنا تحديدًا تنتقل بؤرة الصراع من اليابسة إلى ما يمكن وصفه بـ“العُقَد الجيوسياسية”، أي نقاط الاختناق التي تمر عبرها التجارة والطاقة ممثلة في:

  • مضيق هرمز
  • مضيق باب المندب
  • قناة السويس
  • مضيق البوسفور
  • مضيق جبل طارق

هذه المواقع لم تعد مجرد عناصر جغرافية، بل تحولت إلى أدوات ضغط استراتيجي، بحيث يصبح تعطيلها أو التحكم فيها قادرًا على إحداث تأثيرات تتجاوز حدود الإقليم نفسه. ومن ثم، فإن الصراع الدائر – في أحد مستوياته – هو صراع على من يمتلك القدرة على التحكم في هذه العقد، وليس فقط من يفرض سيطرته على الأرض.

في هذا الإطار، يمكن فهم التآكل التدريجي في بنية النظام الإقليمي. هذا التآكل يظهر في عدة مستويات:أولها، تراجع قدرة الدول على الحفاظ على تماسكها الداخلي بنفس الدرجة التي كانت سائدة سابقًا؛وثانيها، تصاعد دور الفاعلين غير الدوليين؛وثالثها، تداخل الإقليمي بالدولي بشكل غير مسبوق، بحيث تصبح الأزمات المحلية جزءًا من معادلات أوسع. مما يضعنا أمام تفاعل معقد بين استراتيجيات الدول الكبرى، والحسابات الإقليمية، والأزمات الداخلية، تتقاطع جميعها لتنتج هذا المشهد المضطرب.

أولًا: الصراع الجوهري حول السيطرة على الشرايين لا على الأرض

إذا كان الفهم التقليدي للصراعات يقوم على فكرة السيطرة على الأرض، فإن ما نشهده الآن يعكس انتقالًا واضحًا نحو نمط مختلف، تصبح فيه الشبكات الممرية أهم من المساحات. لم تعد القوة تُقاس بعدد الكيلومترات التي تسيطر عليها الدولة، بل بقدرتها على التأثير في تدفقات الحركة عبر الممرات الحيوية التي يمر من خلالها الاقتصاد العالمي.في هذا السياق، تكتسب الممرات البحرية موقعًا مركزيًا في التحليل، ليس باعتبارها مجرد نقاط عبور، بل بوصفها”عُقَد تحكم“ في عصب النظام الاقتصادي الدولي.

فالممرات السابق الإشارة إليها تمثل، في جوهرها، ما يمكن تسميته بـ“الشرايين الاستراتيجية” للاقتصاد العالمي. فجزء رئيسي من تجارة الطاقة والسلع يمر عبرها يوميًا، وأي اضطراب فيها لا ينعكس على دولة بعينها، بل يمتد تأثيره إلى سلاسل الإمداد الدولية بأكملها. من هنا، يصبح التحكم فيها – حتى دون احتلال مباشر – أداة فعالة لإعادة تشكيل موازين القوة.التحول الأهم هنا هو أن السيطرة لم تعد تُمارس بالضرورة عبر الوجود العسكري المباشر فقط، بل عبر مزيج من الأدوات: انتشار بحري، اتفاقات أمنية، قواعد لوجستية، ونفوذ سياسي يسمح بالتأثير في استقرار هذه الممرات أو تعطيلها عند الحاجة. هذا النمط من السيطرة غير المباشرة يمنح الفاعل الدولي قدرة على التأثير بتكلفة أقل مقارنة بنماذج الاحتلال التقليدي.

كما أن أهمية هذه الشرايين لا تنبع فقط من كونها ممرات للطاقة، بل من كونها نقاط التقاء بين أقاليم مختلفة. فـ مضيق هرمز يربط الخليج بأسواق آسيا، وباب المندب يمثل بوابة العبور إلى قناة السويس، التي بدورها تختصر المسافة بين آسيا وأوروبا، بينما يشكل مضيق البوسفور معبرًا حيويًا بين البحر الأسود والبحر المتوسط. هذا الترابط يحول أي خلل في نقطة واحدة إلى تأثير متسلسل يمتد عبر النظام بأكمله.

وهنا تحديدًا تتجلى خطورة”صراع الممرات“ : فهو صراع منخفض الحدة في شكله الظاهر، لكنه عالي التأثير في نتائجه، لأنه يستهدف البنية التحتية غير المرئية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي.

ثانيًا: وهم الحسم السريعوحقيقة الاستنزاف الطويل

تُعد فكرة الضربة الحاسمة التي تنهي الصراع في زمن وجيز من أكثر التصورات رواجًا في الخطاب العام، لكنها –في السياق الراهن– أقرب إلى تبسيط مخل لطبيعة الحروب الحديثة. فالنمط السائد لم يعد يسمح بانتصارات نظيفة أو هزائم قاطعة، بل يجنح إلى إنتاج حالات ممتدة من التوازن غير المستقر.

في هذا الإطار، يجب التعامل بحذر مع الروايات التي تتحدث عن تحولات عسكرية كبرى في فترات زمنية قصيرة.الأقرب إلى الواقع هو توصيف الصراع بوصفه”استنزافًا مركبًا“، أي نمطًا تتداخل فيه الأدوات العسكرية مع الاقتصادية والسياسية والإعلامية، بحيث لا تُستخدم القوة بهدف الحسم، بل بهدف إعادة توزيع الضغوط وإطالة أمد التفاعل. في هذا النموذج، تتراجع أهمية “المعركة الفاصلة” لصالح سلسلة من الاحتكاكات المحدودة، التي لا ترقى إلى حرب شاملة، لكنها لا تنخفض إلى مستوى السلام المستقر.

هذا النمط يفرز ثلاث سمات رئيسية:

أولًا: غياب النهايات الحاسمة، فلا يظهر طرف قادر على فرض إرادته بشكل كامل، كما لا ينهار طرف آخر بصورة تامة. النتيجة هي حالة من التعادل النسبي، تُدار فيها الأزمة بدل أن تُحسم.

ثانيًا: إنكار الخسائر أو تقليلها، في ظل الطابع الممتد للصراع، تميل الأطراف إلى تجنب الاعتراف الكامل بالخسائر، حفاظًا على التماسك الداخلي والصورة الخارجية.
هذا لا يعني غياب الخسائر، بل يشير إلى إدارتها إعلاميًا وسياسيًا بما يمنع تحولها إلى نقطة ضغط داخلية حاسمة.

ثالثًا: تراكم الأثر بمرور الزمن، بدل الضربة الواحدة، تتراكم الضغوط عبر الزمن؛ تآكل اقتصادي، إنهاك عسكري، توتر اجتماعي. هذه التراكمات قد لا تكون مرئية في المدى القصير، لكنها تعيد تشكيل موازين القوة على المدى الطويل.

ضمن هذا الإطار، يصبح الهدف الأساسي لهذا النمط من الصراع هو إبقاء جميع الأطراف داخل دائرة ضغط مستمر دون الوصول إلى لحظة انفجار شامل قد تخرج عن السيطرة. فالحرب المفتوحة تحمل مخاطر مرتفعة على الجميع، بينما يتيح الاستنزاف إدارة الصراع ضمن حدود يمكن التحكم فيها نسبيًا.هذا ما يفسر الميل إلى ضبط الإيقاع بدلًا من تسريعه؛ أي السماح بقدر من التصعيد يكفي لإنتاج الضغط، دون تجاوزه إلى مستوى يفرض حسمًا نهائيًا.

تُنتج هذه الديناميكية ما يمكن وصفه بـالاستقرار الهش، حيث تستمر البُنى السياسية قائمة، وتبقى خطوط التماس تحت السيطرة، لكن من دون تسوية حقيقية. في هذه الحالة، يتحول الزمن ذاته إلى أداة صراع، إذ يُستخدم لإضعاف الخصوم تدريجيًا بدل مواجهتهم في معركة واحدة.

ثالثًا: حدود تفكيك الإقليم من الداخل في ظل غياب القدرة الجماعية على التكتل

تُعد مسألة انشغال القوى الإقليمية الكبرى بأولوياتها الداخلية أو بتنافساتها البينية أحد المفاتيح التفسيرية لفهم تراجع الفعل الجماعي داخل الإقليم. غير أن التحليل المنضبط يقتضي الفصل بين فرضية”الإدارة المركزية لهذا التفكك“ وبين النتيجة الموضوعية التي تترتب عليه، بصرف النظر عن مصدره أو دوافعه.

تشمل هذه الدائرة من القوى الفاعلة كلًا من:مصر، والسعودية، وتركيا، وباكستان، والإمارات. هذه الدول، على اختلاف بنياتها السياسية والاقتصادية، تشترك في امتلاك عناصر قوة نوعية: ثقل ديموغرافي في بعض الحالات، قدرات مالية واستثمارية في حالات أخرى، مواقع جيوسياسية حاكمة، وأدوار أمنية ممتدة. من حيث الإمكانات، يمكن النظر إلى هذا التكوين باعتباره أحد أهم مراكز الثقل القادرة – نظريًا – على إنتاج توازن إقليمي مستقل نسبيًا عن الضغوط الخارجية.

غير أن الإشكالية الأساسية لا تتعلق بتوافر عناصر القوة، بل بغياب التراكم التعاوني الذي يحول هذه العناصر إلى تأثير جماعي منظم.تاريخيًا، كلما تراجع مستوى التنسيق بين هذه الدول، تضاءلت قدرتها على فرض معادلات إقليمية مستقلة، وهو ما يرتبط بتباين أولويات الأمن القومي، واختلاف مقاربات إدارة الأزمات، وأحيانًا التنافس المباشر على مجالات النفوذ.

في هذا السياق، تبرز فكرة”الانشغال الذاتي“ بوصفها نتيجة لتفاعل عوامل متعددة، وليس بالضرورة انعكاسًا لخطة موحدة. حيث لا توجد أدلة قاطعة على وجود إدارة مركزية تعمل على إشغال هذه الدول في توقيت متزامن. الأقرب إلى الواقع هو تلاقي ضغوط داخلية، وتحديات اقتصادية، وأزمات إقليمية مفتوحة، تؤدي مجتمعة إلى استنزاف جزء معتبر من قدرة هذه الدول على التنسيق فيما بينها.

ويكتسب هذا الأمر أهمية مضاعفة في بيئة دولية تميل إلى التعامل مع التكتلات أكثر من الكيانات المنفردة. فالدول التي تتحرك بشكل فردي تجد نفسها –غالبًا– في موقع المتلقي للقواعد، لا المشارك في صياغتها.كما أن تعدد أنماط القوة داخل هذه المجموعة –بين عسكرية واقتصادية وجيوسياسية– كان يمكن أن يشكل مصدر تكامل، لكنه في ظل غياب التنسيق يتحول إلى مصدر تباين، بل وربما تنافس.
 

رابعًا: الإمارات وزلزال الانسحاب منمنظمة أوبك وأوبك+

تثير مسألة انسحاب الإمارات من منظمة أوبك دلالات تتجاوز بكثير حدود سوق الطاقة، لتلامس بنية التوازنات داخل الخليج، وكذلك التوازنات الإقليمية، وطبيعة التحولات الجارية في النظام الاقتصادي الدولي. ففي خطوة تُعيد رسم ملامح خارطة النفط في الشرق الأوسط، أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة انسحابها الرسمي من منظمة أوبك وتحالف أوبك+ اعتباراً من الأول من مايو 2026، مستهدفةً موقعًا أقوى في سباق الإنتاج الذي يُتوقع أن ينطلق بمجرد انفراج الأزمة في مضيق هرمز

ففي تلك اللحظة، ستسارع دول الخليج المصدِّرة التي اضطرت إلى تقليص إنتاجها بشكل كبير أو كليًا إلى رفعه بشكلٍ حاد لتعويض ما خسرته من إيرادات.هنا، تود الامارات أن تستفيد من هذه اللحظة دون قيود على إنتاجها من قِبل منظمة أوبكوتحالف أوبك+. فطاقة الإمارات الإنتاجية المُقدَّرة تبلغ حالياً نحو 4.65 مليون برميل يومياً، في حين لم يتجاوز إنتاجها الفعلي 2.16 مليون برميل يوميًا في شهر مارس، و 3،6 مليون يرميل يوميًا قبل حرب إيران، وهو ما يعني أن مليون الى مليون ونصف برميل يوميًا من الطاقة الإنتاجية حبيسة اتفاقيات تحالف أوبك+. والأهم من ذلك أن شركة أبوظبي الوطنية للنفط (أدنوك) تمضي قُدُمًا في خطة توسعية ضخمة أُعلن عنها عام 2022 بتكلفة 150 مليار دولار. والهدف هو رفع الطاقة الإنتاجية إلى 5 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2027، بما قد يتناقض مع منطق ضبط الإنتاج الذي يتبنّاه أوبك+.

على مدار سنوات، طالبت الإمارات بإعادة النظر في سقف إنتاجها داخل أوبك+، مستندةً إلى نمو طاقتها الإنتاجية الفعلية التي توسّعت بفضل استثمارات ضخمة في البنية التحتية النفطية. وانتهت المفاوضات آنذاك إلى تسوية مؤقتة حيث نجحت أبوظبي في انتزاع رفع خط الأساس لإنتاجها. وفي بيان التخارج من أوبك، حرصت الإمارات على تقديمه بوصفه انعكاسًا لرؤيتها الاستراتيجية طويلة الأمد لقطاع الطاقة. وأكدت أبوظبي أنها ستواصل رفع إنتاجها بصورة "تدريجية ومدروسة" وفق متطلبات الطلب وظروف السوق، مشيرةً إلى أن قاعدة مواردها الكبيرة والتنافسية ستُتيح لها مواصلة التعاون مع الشركاء الدوليين لتطوير ثرواتها النفطية

ضمن هذا الإطار، يمكن قراءة السلوك الإماراتي المحتمل بوصفه امتدادًا لمسار طويل من إعادة تعريف الدور الاقتصادي للدولة. فمنذ مطلع الألفية، اتجهت أبوظبي إلى تقليص الاعتماد البنيوي على الريع النفطي، والعمل على بناء نموذج اقتصادي متنوع قائم على الاستثمار والإنتاج والخدمات. وفي هذا السياق، يصبح الانفكاك الجزئي أو الكلي من قيود نظام الحصص داخل أوبك – إذا ما تحقق – خطوة منطقية باتجاه استعادة السيطرة السيادية الكاملة على معدلات الإنتاج، بما يتيح مرونة أكبر في الاستجابة لتحولات السوق.

على مستوى التوازنات الخليجية، يكتسب هذا الطرح حساسية مضاعفة، نظرًا لارتباط منظمة أوبك تاريخيًا بدور محوري لـ السعودية باعتبارها المنتج القادر على التأثير في مستويات العرض والأسعار. وعليه، فإن أي تحرك إماراتي باتجاه تقليص الالتزام بالمنظمة، أو الخروج منها، يحمل في طياته إعادة توزيع غير مباشرة لأدوات النفوذ داخل السوق النفطية.

أما من حيث التوقيت، فإن الربط بين هذا التخارج وبين حالة التوتر في الممرات الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، يشير إلى أن اضطراب الإمدادات العالمية – لأي سبب – يخلق بيئة مواتية للمنتجين القادرين على زيادة الإنتاج خارج قيود الحصص. ففي مثل هذه الظروف، يمكن لدولة كالإمارات أن تعيد تموضعها كمورد مرن قادر على تعويض النقص، بما يعزز من مكانتها في هيكل سوق الطاقة العالمي.

في هذا السياق، يبرز تحول أكثر عمقًا يتعلق بطبيعة النموذج الذي قد تسعى الإمارات إلى تكريسه. فبدلًا من الالتزام بالمعادلة التقليدية التي تقوم عليها أوبك (خفض الإنتاج لدعم الأسعار)، يظهر اتجاه نحو تعظيم الحصة السوقية عبر زيادة الإنتاج، حتى ولو جاء ذلك على حساب مستويات سعرية أقل نسبيًا. هذا التحول لا يعكس مجرد اختلاف في السياسات، بل يشير إلى إعادة تعريف لمفهوم القوة داخل سوق الطاقة، من التحكم في السعر إلى السيطرة على التدفقات.

الأكثر أهمية هو ما قد يترتب على هذه التحولات من تأثيرات هيكلية على منظمة أوبك نفسها. فإذا ما تكرر هذا النمط، فإن المنظمة قد تتجه تدريجيًا نحو فقدان دورها كآلية فاعلة لضبط السوق، لتتحول إلى إطار تنسيقي أقل تأثيرًا.

لا يمكن فصل هذا المسار عن السياق الأوسع الذي يحكم الصراع في الإقليم. فالمنافسة لم تعد مقتصرة على السيطرة على الممرات البحرية الحيوية مثل قناة السويس وباب المندب ومضيق هرمز، بل امتدت لتشمل أدوات التحكم في تدفقات الطاقة ذاتها.

في هذا الإطار، تتكامل ثلاثة مستويات للصراع:أولها، السيطرة الجغرافية على نقاط الاختناق البحرية؛وثانيها، القدرة على التأثير في حجم المعروض من الطاقة؛
وثالثها، التحكم في قواعد السوق التي تحدد العلاقة بين العرض والطلب.

تداخل هذه المستويات يعكس انتقال الصراع من كونه صراعًا عسكريًا مباشرًا إلى كونه صراعًا مركبًا على مفاصل النظام العالمي، حيث تصبح القرارات الاقتصادية – مثل سياسات الإنتاج أو الانسحاب من التكتلات – أدوات لا تقل تأثيرًا عن التحركات العسكرية.

وعليه، فإن أي تحول في موقع الإمارات داخل سوق الطاقة، أو في علاقتها بـ منظمة أوبك، لا يمكن قراءته بمعزل عن هذا الإطار الأوسع، بل باعتباره جزءًا من عملية إعادة توزيع النفوذ على المستويين الإقليمي والدولي.

خامسًا: مصر وإدارة الحافة لا القفز في النار

تتموضع مصر داخل المشهد الإقليمي والدولي بوصفها حالة خاصة من التوازن الحذر، حيث لا تقوم السياسة الخارجية على منطق الاندفاع نحو مراكز الصراع، ولا على منطق الانسحاب منها، بل على إدارة دقيقة للمسافة الفاصلة بين التورط والحياد الفاعل. هذا النمط يمكن توصيفه بأنه”إدارة الحافة“، أي البقاء عند حدود التفاعل مع الأزمات دون الانزلاق إلى داخلها بشكل كامل.

هذا التموضع لا ينفصل عن معطى جغرافي واستراتيجي بالغ الحساسية، يتمثل في التحكم في قناة السويس، باعتبارها أحد أهم الممرات البحرية في النظام التجاري العالمي. هذا الموقع يمنح الدولة المصرية قدرة تأثير غير مباشرة في حركة التجارة الدولية، ويجعلها جزءًا من معادلات الأمن البحري دون الحاجة إلى الانخراط المباشر في صراعاته. فالقيمة هنا ليست في السيطرة العسكرية، بل في الطبيعة البنيوية للموقع نفسه داخل شبكة التجارة العالمية.إلى جانب ذلك، تتموضع مصر عند تقاطع عدد من الأزمات الإقليمية الممتدة، سواء في الشرق الأوسط أو في محيطها الأفريقي والمتوسطي. هذا التقاطع يفرض درجة عالية من التعقيد في صناعة القرار، حيث تتداخل اعتبارات الأمن القومي مع اعتبارات الاستقرار الإقليمي، ومع حسابات العلاقات مع قوى دولية وإقليمية متباينة المصالح.

في هذا الإطار، لا يمكن فصل السياسة المصرية عن طبيعة شبكة العلاقات التي تحتفظ بها مع أطراف دولية وإقليمية متنافسة، بما في ذلك قوى كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين، إلى جانب علاقات ممتدة مع أطراف إقليمية ذات أدوار متغيرة. هذا التعدد في العلاقات لا يعكس ازدواجية بقدر ما يعكس محاولة للحفاظ على هامش حركة يسمح بتجنب الاصطفاف الحاد في بيئة دولية شديدة الاستقطاب.

هذا النمط من السلوك يعكس إدراكًا استراتيجيًا لطبيعة النظام الدولي الحالي، الذي لم يعد يسمح بسهولة ببناء تحالفات صلبة طويلة المدى دون تكلفة مرتفعة، ما يدفع العديد من الدول إلى تبني سياسات مرنة تقوم على إدارة التوازنات بدل الانخراط الكامل في محاور ثابتة.

في هذا السياق، يمكن فهم الرهان المصري بوصفه قائمًا على معادلة دقيقة تتمثل في: تعظيم المكاسب الممكنة من الموقع الجغرافي والسياسي، مع تقليل التكاليف الناتجة عن الانخراط المباشر في الصراعات الإقليمية. فالدخول في قلب المواجهات قد يرفع مستوى المخاطر الاستراتيجية بشكل كبير، بينما يسمح الحفاظ على مسافة محسوبة بإبقاء الدولة داخل دائرة التأثير دون استنزاف قدراتها.

كما أن مفهوم”فهم الفخاخ“ في هذا السياق لا يُستخدم بوصفه تعبيرًا إنشائيًا، بل كإشارة إلى نمط سلوكي يقوم على قراءة دقيقة لموازين القوى وتجنب نقاط الانكشاف الاستراتيجي.هذا يتجلى في تفضيل إدارة الأزمات عبر أدوات سياسية ودبلوماسية وأمنية مركبة، بدل الحلول الصدامية المباشرة، مع الحفاظ على قدرة الدولة على التحرك في أكثر من اتجاه دون فقدان التوازن العام.

يمكن لنا استنتاج أن الشرق الأوسط لا يمكن وصفه بأنه انتهىبالمعنى الحرفي، لكنه أيضًا لم يعد الإقليم الذي تشكّل في ظل توازنات ما بعد الحرب الباردة أو حتى ما قبلها. ما يجري ليس انهيارًا لنظام واحد، بل انتقال تدريجي من منظومة استقرار نسبي إلى حالة سيولة استراتيجية ممتدة، تتغير فيها قواعد التأثير أكثر مما تتغير الخرائط ذاتها.يمكن تلخيص هذا التحول في ثلاث ديناميكيات كبرى، لكنها في الواقع ليست منفصلة، بل متداخلة إلى حد كبير:

أولًا،هناك انتقال واضح في مركز الثقل من البر إلى البحر، ومن السيطرة الإقليمية المباشرة إلى التحكم في نقاط العبور. لم تعد أهمية الدولة تُقاس فقط بحدودها البرية أو عمقها الجغرافي، بل بقدرتها على التأثير في الممرات الحيوية التي تربط الأسواق ببعضها.

ثانيًا،طبيعة الصراع نفسها لم تعد قائمة على الحسم العسكري المباشر كما في النماذج التقليدية، بل على إدارة طويلة الأمد للضغط. هذا النمط لا ينتج انتصارات نهائية بقدر ما ينتج حالات توازن غير مستقرة، حيث تُدار الأزمات بدلًا من أن تُحسم، ويُعاد إنتاج التوتر بشكل يسمح باستمراره دون انفجار شامل.

ثالثًا،يتراجع تدريجيًا دور الكيانات المنفردة لصالح الفاعلين القادرين على إدارة الشبكات: شبكات التجارة، الطاقة، التمويل، والممرات الاستراتيجية. القوة لم تعد محصورة في الدولة بمعناها التقليدي فقط، بل في قدرتها على الاندماج داخل منظومات أوسع أو التأثير فيها. وهنا يصبح التحكم في “العُقد” أكثر أهمية من التحكم في “المساحات”.

لكن أخطر ما في هذا التحول لا يكمن في سلوك القوى الكبرى، بقدر ما يكمن في البنية الداخلية للإقليم نفسه. فقابلية بعض الفاعلين الإقليميين للتفكك أو الانقسام الوظيفي –تحت ضغط الأزمات أو التنافس أو تباين الأولويات– تمثل عاملًا حاسمًا في إعادة تشكيل التوازنات. فالقوة الخارجية، مهما بلغت، لا تعمل في فراغ، بل تستفيد من نقاط الضعف الداخلية القائمة أصلًا.

وهنا تتغير طبيعة السؤال من “من يسيطر؟” إلى سؤال أكثر تعقيدًا: “من يبقى قادرًا على التماسك؟”. لأن التماسك الداخلي في هذه المرحلة لم يعد مجرد شأن داخلي، بل أصبح عنصرًا مباشرًا في معادلات القوة الإقليمية والدولية.

طباعة

    تعريف الكاتب

    أحمد ناجي قمحة

    أحمد ناجي قمحة

    رئيس تحرير مجلتى السياسة الدولية والديمقراطية