تحليلات

تأثيرات الأزمة الإيرانية على تجمع البريكس

طباعة

فى لحظات تنظر إليها بعين الفحص والتحليل، وفى ظل متغيرات شديدة السرعة والقوة، وفى ظل متغيرات أدت إلى تغير فى ميزان القوى الإقليمية، جاءت الأزمة الإيرانية الأخيرة، حرب الأربعين يوما، لتعيد تغيير مؤشرات التوازنات الدولية، ليس فقط في المحيط الإقليمى أو الشرق الأوسط، بل على مستوى النظام العالمي، وعلى وجه الأهمية والخصوصية داخل تكتل بريكس، والذى كان يمثل أحد أهم الأدوات والهيئات التى من الممكن أن تشكيل النظام الدولي، فى رد فعل واقعى للهيمنة الغربية، وبينما تحاول دول تكتل البريكس جاهدة فى ترسيخ وجودها كقوة اقتصادية وسياسية متصاعدة، أدت الأزمة الحالية إلى فرض واقع جديد سيؤدى بدوره إلى وضع مستقبل تكتل البريكس أمام عدة اختبارات غير مسبوقة، وقد تؤدى إلى كافة الاحتمالات المرهونة بنتائج نهاية الأزمة الراهنة.

إن انضمام إيران لتكتل بريكس مثل إضافة استراتيجية وجيواستراتيجية وسياسية وجيوسياسةا للتكتل، لكن اندلاع الحرب الأخيرة وتصاعد وتيرة الأحداث وتأزم معطيات الأزمة الإيرانية الأخيرة وما نتج عنها من توترات عسكرية حادة وانهيار إقليمى حاد، جعل من هذا الانضمام سلاحًا ذا حدين. فمن ناحية عزز وجود إيران من طموحات بريكس في التمدد داخل الشرق الأوسط، لكنه من ناحية أخرى أدخل التكتل في قلب صراع معقد تتشابك فيه المواقف بين أعضائه.

أما داخل بريكس فلم يكن هناك موقف متحد بين أعضائه تجاه الأزمة الإيرانية الراهنة، حيث إن الصين وروسيا تبنيا مواقف تميل إلى دعم إيران أو الوقوف على فهم دوافع إيران الاستراتيجية، وأظهرت الهند والبرازيل تحفظات مباشرة للدفاع عن مصالحهما الاقتصادية وعلاقاتهما المشتركة مع دول الغرب. هذا الاختلاف وعدم توحيد الموقف السياسي لدول التكتل أدى إلى نتيجة مهمة وهي هشاشة التوافق السياسي داخل التكتل، وأثار تساؤلات مهمة حول قدرة التكتل على التحول إلى كيان موحد في القضايا الجيوسياسية الكبرى.

أما الأثر الأكبر والاكثر تأثيرا حتى الآن بسبب اندلاع الأزمة الراهنة الإيرانية ونتيجة لأحداث الأربعين يوما هو سوق الطاقة العالمية، وهو من أهم أحد المجالات التي يسعى تكتل البريكس إلى تعزيز نفوذه وسطوته فيها. فإيران، باعتبارها واحدة من أكبر منتجي النفط والغاز فى المنطقة، تلعب دورًا مهما ومحوريا في معادلة الطاقة. ومع تصاعد الأحداث والنتائج، أدى ذلك إلى شهود الأسواق حالة من التقلبات الحادة في الأسعار، مما يعكس تأثيرا مباشرا على اقتصادات دول التكتل، سواء المنتجة أو المستهلكة للطاقة، وهذا يضع تكتل البريكس أمام تحدٍ صعب وهو كيفية تحقيق التوازن بين مصالح أعضائه المختلفة، في ظل بيئة دولية شديدة التقلب وشديدة الضبابية.

كما أنه من ضمن آثار الأزمة الراهنة التأثير على مساعي تكتل البريكس لتطوير نظام مالى بديل يقلل الاعتماد على الدولار، فالتصعيد العسكري وما تبعه من عقوبات متوقعة على إيران فى حال استمرار الوضع الراهن على ما هو عليه أو ازدياد وتيرة الأحداث سيؤدى إلى إعادة مشهد جديد إلى الواجهة وهو مشهد المخاطر المرتبطة بالتعامل مع اقتصاديات دول خاضعة للضغوط الغربية نتيجة العقوبات المتوقعة، ورغم أن مسعى التكتل إلى تعزيز والتأكيد على استخدام العملات المحلية كبديل للدولار في التبادل التجاري، فإن الأزمة كشفت عن ضعف محدودية هذا المسار في مواجهة نظام مالى عالمي لا يزال يهيمن عليه الغرب بكل قوة.

أما على الصعيد السياسي فلقد وضعت الحرب تكتل البريكس أمام اختبار شديد القوة، وهو قدرة التكتل على لعب دور الوسيط الدولي، فالتكتل الذي يسعى إلى تقديم نفسه كبديل للنظام الدولي القائم، وجد نفسه مطالبًا باتخاذ مواقف واضحة أو القيام بمبادرات دبلوماسية فعالة. غير أن غياب رؤية موحدة بين أعضائه حدّ من قدرته على التحرك، مما أضعف من صورته كقوة قادرة على إدارة الأزمات الدولية.

إقليميًا أدت الأزمة الراهنة إلى إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، حسب النتائج التى ظهرت من الأحداث حتى الآن، وهو ما ينعكس بدوره على حسابات تكتل البريكس، والتغير فى أوليات دول البريكس فى الوقت الراهن، فتصاعد التوترات بين إيران وخصومها، والتهديد المستمر فى التصريحات من قبل مسئولى الدول المختلفة، لاشك أنه سيؤدى إلى التهديد بتوسيع نطاق الصراع، وهو ما قد يؤدى إلى دخول قوى دولية إقليمية ودولية إلى المواجهة، وهذا السيناريو يمثل مصدر قلق كبير لدول التكتل، خاصة تلك التي تعتمد على استقرار المنطقة لتأمين مصالحها الاقتصادية.

على جانب آخر فإن الأزمة الراهنة فتحت المجال أمام بعض دول تكتل البريكس لتعزيز نفوذها، فالصين، على سبيل المثال، قد تجد في الأزمة فرصة لتوسيع دورها كوسيط دبلوماسي، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف وخاصة إذا دخلت فى خط المواجهة واستغلت الموقف بضغوط على الولايات المتحدة الأمريكية، أما روسيا، فقد تسعى إلى استثمار الوضع لتعزيز موقعها في سوق الطاقة العالمية فى ظل احتياج حاد للطاقة فى أوروبا، وكذلك في ظل الضغوط التي تواجهها بسبب صراعاتها فى الملف الأوكراني.

ورغم كل الفرص التى من الممكن الاستفادة منها إلا أن التحدى الأكبر أمام دول تكتل البريكس هو الحفاظ على تماسكه الداخلي. فالتوسع السريع للتكتل، والذي شمل دولًا ذات توجهات سياسية واقتصادية مختلفة ومتباينة، جعل من الصعب تحقيق إجماع حول القضايا الحساسة، والأزمة الإيرانية جاءت لتظهر بعمق هذه التباينات، ولذلك فسوف يضع هذا التباين التكتل أمام خيارين وهما إما تطوير آليات فعالة لإدارة الخلافات، أو المخاطرة بفقدان زخمه كقوة صاعدة.

في ضوء هذه المتغيرات والأحداث المتسارعة، فإن مما لاشك فيه أن مستقبل تجمع البريكس أصبح مرهونًا بقدرته على التكيف مع واقع دولي شديد التغير. فالتكتل لم يعد مجرد منصة للتعاون الاقتصادي، بل أصبح لاعبًا في ساحة سياسية معقدة تتطلب مواقف واضحة واستراتيجيات مدروسة. والأزمة الإيرانية أصبحت اختبارا حقيقيا حاسما يحدد ما إذا كان بريكس قادرًا على التحول إلى قوة عالمية مؤثرة، أم إنه سيظل مجرد تحالف فضفاض تحكمه المصالح المتباينة.

في النهاية يمكن القول إن الأزمة الإيرانية الحالية لم تضعف تكتل البريكس بقدر ما أظهرت التحديات الحقيقية التى تواجهه، وأدت إلى نتائج أن الاتجاه نحو بناء نظام دولي متعدد القطبية ليس بالأمر السهل، وأن تحقيق هذا الهدف يتطلب أكثر من مجرد توافق اقتصادي بقدر ما يتطلب إرادة سياسية مشتركة، وقدرة على إدارة الأزمات، ورؤية استراتيجية حقيقية تتجاوز المصالح الضيقة لكل دولة على حدة، وحتى ذلك الوقت سيصبح الموقف النهائي لتكتل البريكس مرهونا بمجريات الأحداث فى الشرق الأوسط والمنطقة، وأن جميع الخيارات أصبحت مفتوحة لكافة الاحتمالات وما سينتج عنها من نتائج فى الفترة المقبلة.

 

طباعة

    تعريف الكاتب

    د. أحمد موسى

    د. أحمد موسى

    باحث فى العلوم السياسية