تحليلات

التضفير الاستراتيجي وإدارة الحرب.. كيف يُفسر سلوك ترامب تجاه الردع الإيراني؟

طباعة

التضفير الاستراتيجي وإدارة الحرب.. كيف يُفسر سلوك ترامب تجاه الردع الإيراني؟

بعد مرور شهر على اندلاعحرب رمضان، وازدياد التوتر الإقليمي لدرجة الاختناق، لكن ردود الفعل الأمريكية تظل تثير الحيرة؛ فبينما تهدد إيران بحرق المنطقة، يواجه ترامب الموقف ببرودة أعصاب غريبة وتصعيد غير مسبوق.

حرب الروابط بين إيران وأمريكا:

في الـسادس والعشرين من يناير 2026، وتحديدًا في مقالي المنشور بمجلة السياسة الدولية تحت عنوان حرب الروابط بين واشنطن وطهران في ضوء استراتيجية التضفير، طرحت مصطلح التضفير الاستراتيجي كآلية يتبعها ترامب في إدارة صراعه مع طهران، وربطت حينها بين احتمالات التصعيد العسكري وبين صفقة جرينلاند والسيطرة على النفط الفنزويلي. ورغم تعجب البعض من ربطي بين أقصى الشمال وتنافس المصالح بين أمريكا والصين وروسيا وبين احتمالات الحرب في الشرق الأوسط، إلا أن الوقائع الحالية بدأت تكشف دقة هذا الربط.

ولفهم هذا التشابك، يجب النظر بتمعن إلى تصعيد يوم الجمعة 27 مارس 2026، واستهداف مصانع الأسمنت والصلب ومفاعلات أراك ويزد وبوشهر الإيرانية في يوم واحد. إن ضرب هذه البنية التحتية تحديدا لم يكن عشوائيا، بل استهدف إحداث خلل بنيوي في دورة إنتاج الصواريخ الإيرانية التي تعتمد على تكامل دقيق بين الصناعات الثقيلة، مما يعني فرض شلل إنتاجي يجبر إيران على إعادة بناء دورتها الصناعية من الصفر، وهو التنفيذ الحرفي لما أسميته حرب الروابط. فواشنطن وتل أبيب لا تكتفيان بمهاجمة مخازن قطع الغيار، بل تضربان الهياكل البنيوية كالصلب والأسمنت والطاقة، في مسار استباقي يمنع الصين وروسيا من استخدام إيران كرأس حربة إقليمي مستقبلًا، خاصة وهي الداعم الأول لروسيا بالصواريخ الباليستية وظهير يحمي المصالح الصينية في المنطقة.

أما فيما يخص خديعة جرينلاند التي طواها الكتمان الإعلامي بعد التفاهمات الأمريكية-الأوروبية، فقد اتضح الآن أن رغبة الإدارة الأمريكية في السيطرة على القطب الشمالي وتأمين موارد فنزويلا لم تكن مجرد شطحة سياسية، بل كانت شبكة أمان استراتيجية سمحت لواشنطن بدخول حرب استنزاف مع إيران ببرودة أعصاب. لقد تقبل ترامب الضربات الإيرانية لموانئ الخليج وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز لأنه ببساطة أمن ظهيره الشمالي ووفر ممرات ملاحية بديلة عبر القطب الشمالي بعيدا عن الضغوط الجيوسياسية المعتادة، مما منحه رفاهية المغامرة بمزيد من التصعيد دون خوف من التداعي الاقتصادي. وفي المقابل، فإن تحركه نحو التفاوض الذي تم ترويجه إعلاميًا كخطوة لتأمين الطاقة وكبح أسعار المحروقات، لم يكن إلا مناورة بعد تفاجئه بفرض إيران لسيادتها على مضيق هرمز ورسوم عبور بقيمة 2 مليون دولا قابلة للزيادة. يبدو أن ترامب يرغب في الانتفاع من هذه الرسوم أيضًا، خاصة أنه المستفيد الأكبر من أزمة الطاقة التي رفعت سعر الخام الفنزويلي بنسبة تجاوزت 30%، وجذبت الأموال الساخنة نحو الدولار والذهب، وهذا منحه قدرة هائلة على تمويل عجز ميزانيته بفوائد أقل، مستغلًا فوضى المنطقة.

من جهة أخرى، يبدو أن التحركات الإيرانية الأخيرة استوعبت عقلية ترامب المراوغة، فغيرت نبرتها من السيادة الدائمة على المضيق إلى فرض رسوم عبور قانونية للانتفاع من حالة الحرب. وقبل أن تقع طهران في فخ الإلهاء بالاجتياح البري، وهو سيناريو استعدت له بالكامل وتحلم بتحويله إلى حرب عصابات، قامت استباقيًا بمحاصرة مصالح ترامب في منطقة الخليج لتجعل كفة الخسائر متقاربة. إن اتهام ترامب بالعشوائية أو وصف إيران بالغوغائية هو فهم سطحي لقدرتهما على المناورة وتقييم المكاسب والخسائر، فما نشهده اليوم ليس جنونا عسكريا، بل هندسة سياسية دقيقة رسمت ملامحها منذ لحظة اعتقال نيكولاس مادورو وفرض السيادة الأمريكية على فنزويلا رغما عن كل الأعراف الدولية.

شريان الحضارة والنفط الإيراني:

تعتبر جزيرة خارك العمود الفقري لاقتصاد إيران إذ يمر عبرها حوالي 950 مليون برميل نفط سنويًا. وتبعد 28 كيلومترًا أو ما يعادل 15 ميلًا بحريًا عن الساحل، وتسمح أعماق مياهها برسو ناقلات النفط العملاقة المتجهة إلى الأسواق الآسيوية وتحديدا الصين. وفي مايو 2025، رفعت إيران من سعتها التخزينية بإضافة مليوني برميل، لتصل قدرة التحميل في ذروتها إلى 7 ملايين برميل يوميا، بينما تبلغ الصادرات الفعلية الحالية حوالي 1.6 مليون برميل يوميًا (نقلا عن أكوإيران، الموقع الاقتصادي الأهم في إيران).

في الوقت ذاته، تضم الجزيرة إرثًا تاريخيًا مهمًا، إذ تعود آثار السكن فيها إلى الألفية الثانية قبل الميلاد متمثلة في العيلاميين والأخمينيين والساسانيين. كما احتلها البرتغاليون، ثم الهولنديون الذين بنوا فيها قلعة عام 1753، قبل أن يطردهم الحاكم المحلي مير مهنا عام 1766. وفي عهد پهلوي الأول، كانت منفى للسجناء السياسيين، إلا أن عصرها النفطي الذهبي بدأ عام 1958، لتصبح المركز الرئيسي للتصدير بدلا من ميناء آبادان في الستينيات.ورغم طابعها الصناعي، تضم الجزيرة المزار الديني (بقعة مير محمد) من القرن السابع الهجري، وضريح (مير إرم) الذي يعتقد السكان أنه من أحفاد النبي نوح، كذلك مقابر للزرادشتيين، ومدافن للمسيحيين، ودخمة ساسانية (أبراج الصمت لدفن الموتى)، بالإضافة إلى ضمها نقشًا مرجانيًا يعد من أقدم الوثائق التي تذكر اسم الخليج الفارسي صراحة.

وإذا خرجت خارك من الخدمة، ستفقد السوق العالمية ما بين 1.5 إلى 1.7 مليون برميل يوميًا. ورغم أن هذا الرقم قد يبدو قابلًا للتعويض من قبل دول أوبك بلس، إلا أن المشكلة تكمن في ارتفاع المخاطر، إذ يتوقع الاقتصاديون قفزة فورية تتجاوز 120 دولارا للبرميل، وقد تصل إلى 160 دولارا إذا تصاعد النزاع ليشمل إغلاق مضيق هرمز بالكامل. وبما أن الصين هي المشتري الأكبر لنفط خارك عبر قنوات غير رسمية أحيانًا، فإن توقف هذا الإمداد سيجبر بكين على سحب مخزوناتها الاستراتيجية أو الضغط لتهدئة الصراع.زد على ذلك، أن خارك تعتبر رئة التنفس الوحيدة تقريبًا للاقتصاد الإيراني تحت العقوبات، حيث يعتمد أكثر من 60% من دخل العملة الصعبة في إيران على الشحنات التي تخرج من أرصفة (تیهید/اسکلهتی) في الجزيرة. ومع سعة تخزين تصل إلى 28 أو 30 مليون برميل، فإن ضرب الصهاريج يعني فقدان مخزون استراتيجي هائل لا يمكن تعويضه إلا بعد سنوات من إعادة الإعمار.

في المقابل قد تتعرض حقول الغاز والنفط في الدول المجاورة لهجمات بالمسيرات والصواريخ الإيرانية. خاصة أن إيران قد حذرت ونقلا عن وكالة تسنيم شبه الرسمية "بفتح جبهات أخرى كمفاجأة لأمريكا بحيث لا يحقق احتلال الجزيرة أي فائدة بل ستتضاعف التكاليف. فإذا اتخذ الأمريكان إجراءات حمقاء بخصوص مضيق هرمز فعليهم الحذر من إضافة مضيق باب المندب إلى مشكلاتهم وتعقيداتهم"، بينما هدد رئيس البرلمان الإيراني، قاليباف، باستهداف كافة البنية التحتية الحيوية بهجمات متواصلة لا هوادة فيها لدولة إقليمية متآمرة مع أمريكا وإسرائيل لاحتلال الجزيرة. وبالطبع تكمن الخطورة في الرد الإيراني عبر تعطيل الملاحة في مضيق باب المندب بتحريك ورقة الحوثيين بالتزامن مع إغلاق مضيق هرمز، فنحن هنا نتحدث عن قفزة في أسعار برميل النفط قد تتجاوز حاجز الـ 200 دولار، وما يتبع ذلك من ارتباك شامل في سلاسل الإمداد العالمية وتوقف تدفق الطاقة والسلع بين الشرق والغرب.

استراتيجية منع الوصول وصعوبة الاحتلال:

جهزت إيران نفسها جيدًا لسيناريو اجتياح جزرها المطلة على مضيق هرمز، عبر تطوير استراتيجية عسكرية تعرف بمنع الوصول، وهي خطة تهدف إلى جعل تكلفة أي محاولة لاحتلال الجزر، بالأخص خارك، انتحارًا عسكريًا بكل المقاييس، وذلك من خلال المحاور التالية:

1- تبعد خارك حوالي 25 إلى 30 كيلومترا فقط عن الساحل الإيراني، وهذا القرب يجعلها تقع تحت مظلة نيران هائلة -من البر الرئيسي، أي إن أي قوة تحاول النزول على الجزيرة ستكون مكشوفة تمامًا لراجمات الصواريخ والمدفعية الثقيلة المتمركزة على السواحل الإيرانية المقابلة، والتي يمكنها قصف أي نقطة في الجزيرة بدقة وبكثافة نارية مستمرة. بالتوازي تستطيع إيران نقل تعزيزات برية وبحرية للجزيرة خلال أقل من ساعة عبر القوارب السريعة والمروحيات، وبالتالي سيكون الحفاظ على رأس جسر أمريكي فوق الجزيرة أمرا شبه مستحيل.

2- تتولى القوة البحرية للحرس الثوري تأمين المياه المحيطة بالجزر باستخدام تكتيكات غير متماثلة، مثل الزوارق السريعة، خاصة خارك مقر لواء ذو الفقار البحري، الذي يمتلك مئات الزوارق السريعة الانتحارية أو المزودة بصواريخ مضادة للسفن. هذه الزوارق يصعب رصدها بالرادار لصغر حجمها، وتستطيع مهاجمة السفن الكبيرة في أسراب تشتت الأنظمة الدفاعية. كما أن المنطقة المحيطة بخارك تعد من أكثر المناطق كثافة بالألغام البحرية الذكية والتقليدية، وهذا بلا شك يعيق اقتراب السفن البرمائية الضخمة التي تحمل قوات المارينز.

3-حماية محيط الجزر بأنظمة دفاعية بعيدة المدى مثل منظومة باور 373 الإيرانية وإس 300 الروسية والمتمركزة في بوشهر والبر الرئيسي، والتي توفر غطاء بعيدا يمنع الطائرات من التحليق بحرية فوق الجزيرة. علاوة على أن داخل الجزر نفسها توجد أنظمة قصيرة ومتوسطة المدى مثل سوم خرداد ومرصاد، بالإضافة إلى صواريخ أرض جو محمولة على الكتف مخبأة في خنادق محصنة لاستهداف المروحيات وقوات الإنزال الجوي.

4-جزيرة خارك ليست مجرد منشآت نفطية فوق الأرض ولا منشآت عسكرية تم تدميرها بالكامل كما ادعى ترامب، فهي عبارة عن شبكة معقدة من الأنفاق والخنادق تحت صخور المرجان الصلبة، وهذا يسمح للجنود بالبقاء على قيد الحياة حتى بعد القصف الجوي المكثف كما حدث في قصف مارس 2026، حيث عادت الأنظمة للعمل بسرعة. زد على ذلك، أن الجزيرة يسكن بها حوالي 20 ألف شخص، معظمهم من موظفي النفط وعائلاتهم، بالإضافة إلى آلاف الجنود، وبالتالي تتحول أي عملية اجتياح بري سريعا إلى حرب شوارع دامية وشديدة التعقيد.

5- بناء قواعد لإطلاق الطائرات المسيرة مثل شاهد 136، والتي تعمل كمدفعية طائرة. وفي حال محاولة الاجتياحالبري، يمكن لهذه الدرونز استهداف السفن والمعدات الأمريكية المتمركزة في الموانئ القريبة في الدول المجاورة أو السفن في عرض البحر، مما يعني توسيع دائرة الصراع وجعل احتلال الجزيرة فتيلا لحرب إقليمية شاملة.إذا، الصعوبة ليست في الوصول للجزيرة، فأمريكا تمتلك قوة هجومية كافية للقصف، بل في البقاء فيها. لأن قربها من اليابسة الإيرانية يجعل القوات الأمريكية رهائن تحت رحمة الصواريخ الإيرانية المنطلقة من البر، وهو ما وصفه الخبراء العسكريون بأنه قد يكون فخا استراتيجيا.

 خاتمة:

منذ اندلاع احتجاجات البازار أواخر ديسمبر 2025، أدركت القيادة الإيرانية أن واشنطن تتهيأ لهندسة نظام عالمي صدامي جديد، تمثل فيه طهران إحدى العقد الاستراتيجية الأساسية. ومن هذا المنطلق، استثمرت إيران تفوقها الرقمي والصاروخي كأداة مساومة لرفع سقف المناورة مع واشنطن. وعليه، فإنه في حال رفضت طهران التهدئة، سيستمر ضجيج الدعاية الإعلامية الغربية ملوحًا باقتراب القوات الأمريكية من احتلال الجزر الإيرانية، مع بقاء سيناريو التنفيذ الفعلي مستبعدا نظرا لكلفته البشرية والسياسية والاقتصادية الضخمة. لكن في المقابل، قد تتجه واشنطن لتكثيف ضرب البنية التحتية الإيرانية مع تنفيذ اجتياح بري محدود، وهي خطوة ستؤدي بالتبعية إلى أزمة اقتصادية عالمية غير مسبوقة، وتدمير شامل للبنية التحتية في منطقة الخليج، وهو الأمر المرتبط بحجم الضغوط الإسرائيلية، ومدى جنون نتنياهو في دفع المنطقة نحو حافة الهاوية.

طباعة

    تعريف الكاتب

    د. شيماء المرسي

    د. شيماء المرسي

    الخبيرة فى الدراسات البينية الإيرانية