تحليلات

صعود الطائرات المسيّرة وتداعياته على نزاعات القرن الإفريقي.. عسكرة السماء

طباعة

تشهد الصراعات المسلحة في منطقة القرن الإفريقي تحوّلًا متسارعًا في طبيعة أدواتها وأنماط إدارتها مع تصاعد الدور المتنامي للطائرات المسيّرة بوصفها إحدى أبرز أدوات الحروب المعاصرة. فبعد أن كانت هذه الوسائط التكنولوجية تُستخدم في نطاقات محدودة تقتصر على جمع المعلومات الاستخباراتية ومهام الاستطلاع، تحوّلت تدريجيًا إلى عنصر محوري في التخطيط العسكري وإدارة العمليات القتالية، حيث باتت تُستخدم في مراقبة ساحات المعارك في الزمن الحقيقي، وتعطيل خطوط الإمداد، وتنفيذ ضربات دقيقة تستهدف مواقع حساسة وقيادات ميدانية. وتكمن جاذبية هذا النمط من القدرات العسكرية في قدرته على تقليص المخاطر البشرية وخفض التكاليف التشغيلية مقارنة بالوسائل القتالية التقليدية، مع توفير درجة عالية من الدقة والمرونة العملياتية. وتُظهر التطورات الميدانية الأخيرة مدى ترسخ هذا التحول، إذ قُتل في 24 فبراير 2026 المتحدث العسكري باسم حركة "23 مارس" المتمردة ويلي نجوما إثر غارة نفذتها طائرة مسيّرة تابعة للقوات المسلحة لجمهورية الكونغو الديمقراطية قرب منطقة روبايا في إقليم شمال كيفو شرقي البلاد، في واقعة تعكس تنامي الاعتماد على هذا النوع من الأدوات في استهداف القيادات الميدانية. ولا تمثل هذه الحادثة حالة معزولة، بل تأتي ضمن نمط أوسع من توظيف الطائرات المسيّرة في النزاعات الممتدة عبر الإقليم، من الحرب في إقليم تيجراي إلى العمليات العسكرية في الصومال وصولًا إلى ساحات القتال في السودان، بما يعكس بروز الحرب عبر الطائرات المسيّرة كإحدى السمات المتكررة في المشهد الأمني للقرن الإفريقي وتداعياتها المحتملة على موازين القوة وطبيعة الصراعات في المنطقة.

الطائرات المسيّرة في حرب تيجراي.. أداة حاسمة لإعادة تشكيل ميزان المعركة:

شكّلت الحرب في إقليم تيجراي بين نوفمبر 2020 ونوفمبر ،2022 محطة فارقة في تطور استخدام الطائرات المسيّرة داخل القارة الإفريقية، إذ مثّلت أول حالة تعتمد فيها حكومة إفريقية بصورة منهجية على ترسانة متنوعة من الطائرات المسيّرة القتالية المستوردة ضمن استراتيجيتها العسكرية المباشرة. فمع تصاعد وتيرة القتال، حصلت قوات الدفاع الوطني الإثيوبية بحلول أواخر عام 2021 على منظومات متقدمة من الطائرات المسيّرة، شملت الطائرات التركية "بيرقدار"، والأنظمة الصينية "وينغ لونغ"، إلى جانب الطائرات الإيرانية "مهاجر"، وهو ما منحها تفوقًا عملياتيًا واضحًا في إدارة المعركة. وقد ظهر أثر هذا التحول بوضوح عندما تقدمت قوات دفاع تيجراي في نوفمبر 2021 حتى مسافة تقارب 200 كيلومتر من العاصمة أديس أبابا، حيث أسهمت العمليات المدعومة بالطائرات المسيّرة في توفير قدرات استطلاع دقيقة وإسناد ناري مكثف مكّن القوات الحكومية من إبطاء تقدم المتمردين ثم قلب موازين المعركة لصالحها، قبل أن تتمكن بحلول ديسمبر من العام نفسه من دفع قوات تيجراي إلى التراجع الكامل داخل حدود الإقليم.

غير أن هذا الاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة حمل في المقابل تداعيات إنسانية خطيرة، إذ ارتبط بعدد من الضربات التي أوقعت خسائر كبيرة في صفوف المدنيين. ففي السابع من يناير 2022 استهدفت غارة بطائرة مسيّرة مجمعًا مدرسيًا كان يؤوي آلاف النازحين في شمال غرب تيجراي، مما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 57 شخصًا وإصابة العشرات، مع العثور لاحقًا على بقايا ذخائر موجهة بين الأنقاض. وبعد نحو شهر، أسفرت غارة أخرى استهدفت مخيمًا للنازحين عن سقوط ما لا يقل عن 59 قتيلًا. وتشير وثائق داخلية جمعتها منظمات إنسانية إلى تسجيل أكثر من 300 حالة وفاة بين المدنيين خلال أربعة أشهر فقط نتيجة غارات جوية، طالت أسواقًا محلية، ومزارع، ووسائل نقل عامة، إضافة إلى مواقع يعمل فيها عمال الإغاثة الإنسانية.

الصومال.. حرب الطائرات المسيّرة بين الاستنزاف العسكري واستمرار التمرد:

تُعدّ الصومال إحدى أبرز الساحات التي شهدت أطول استخدام مؤسسي ومنهجي للطائرات المسيّرة في القارة الإفريقية، في إطار الحملة العسكرية المستمرة ضد حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة. فمنذ عام 2007 نفّذت القيادة الأمريكية في إفريقيا سلسلة واسعة من الضربات الجوية بالطائرات المسيّرة بالتنسيق مع الحكومة الفيدرالية الصومالية، حيث تجاوز عدد هذه الغارات مئات العمليات التي استهدفت مواقع الحركة في مناطق مختلفة من جنوب البلاد. وقد استمرت هذه العمليات حتى السنوات الأخيرة، إذ سُجلت في يناير 2026 ضربات منسقة استهدفت مواقع قرب منطقة غودان شمال شرق العاصمة مقديشو. وفي موازاة الدور الأمريكي، برزت تركيا كفاعل عسكري متزايد الحضور في هذا المجال، حيث نفذت منذ عام 2022 عددًا من الضربات بالطائرات المسيّرة دعمًا للجهود الأمنية للحكومة الصومالية، الأمر الذي يعكس اتساع دائرة الفاعلين المنخرطين في الحرب الجوية داخل البلاد، ويثير في الوقت ذاته تساؤلات متزايدة بشأن مستويات التنسيق بين هذه الأطراف، إضافة إلى قضايا تتعلق بمعايير حماية المدنيين وآليات المساءلة عند وقوع أضرار جانبية.

وعلى الرغم من هذا الضغط العسكري المستمر، أظهرت حركة الشباب قدرة ملحوظة على الصمود وإعادة التكيف مع بيئة الاستهداف الجوي. فبرغم خسارة عدد من قياداتها الميدانية، لا تزال الحركة تحافظ على نفوذ واسع في المناطق الريفية، وتدير شبكات مالية قائمة على فرض الضرائب المحلية، إلى جانب استمرارها في تنفيذ هجمات معقدة داخل العاصمة مقديشو. وتشير دراسات ميدانية اعتمدت على مقابلات داخل مناطق الصراع إلى أن ضربات الطائرات المسيّرة تؤدي في كثير من الأحيان إلى إحداث تأثير ردعي مؤقت دون أن تنجح في تفكيك البنية التنظيمية للحركة بشكل كامل. وفي هذا السياق، يُنظر إلى الاعتماد المفرط على الضربات الجوية بوصفه أداة لإدارة الصراع أكثر من كونه مسارًا لحسمه، إذ أضعفت هذه العمليات حركة الشباب على مدى سنوات طويلة، لكنها لم تنجح حتى الآن في القضاء عليها أو إنهاء التمرد المسلح الذي لا يزال يشكل أحد أبرز تحديات الاستقرار في الصومال.

شرق الكونغو الديمقراطية.. الطائرات المسيّرة في صراع الموارد الاستراتيجية:

أضاف إدخال الطائرات المسيّرة المسلحة بُعدًا عسكريًا جديدًا إلى الصراع المزمن في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، وهو صراع يتشابك في جوهره مع التنافس على الموارد المعدنية الاستراتيجية. ففي إطار مساعيها لتعزيز قدراتها العسكرية، حصلت حكومة كينشاسا خلال السنوات الأخيرة على منظومات متقدمة من الطائرات المسيّرة الهجومية، شملت الطائرات الصينية من طراز "سي إتش-4" عام 2023، ثم الأنظمة التركية "بيرقدار" عام 2024، وجرى توظيفها في استهداف مواقع حركة "23 مارس" المتمردة في إقليمي شمال وجنوب كيفو. وتكتسب هذه العمليات بعدًا اقتصاديًا واستراتيجيًا بالغ الأهمية، لا سيما في منطقة روبايا الغنية بالمعادن، التي تُنتج ما بين 15 و30 في المائة من الإمدادات العالمية من معدن الكولتان المستخدم على نطاق واسع في صناعة الهواتف الذكية والحواسيب المحمولة والأجهزة الإلكترونية المتقدمة. وقد شكّل التنافس على السيطرة على هذه الموارد أحد أبرز العوامل التي غذّت استمرار الصراع المسلح في المنطقة، كما بات يؤثر بصورة مباشرة في تحديد الأهداف العملياتية ومسارات استخدام الطائرات المسيّرة. وفي المقابل، سعت حركة "23 مارس" إلى تطوير قدرات مضادة لهذا التفوق الجوي بدعم فني من رواندا، من خلال نشر أنظمة دفاع جوي محمولة على الكتف لمواجهة الطائرات المسيّرة التابعة للقوات الحكومية. وبرز هذا التصعيد بوضوح في فبراير 2026 عندما نفذت قوات المتمردين هجومًا بطائرات مسيّرة انتحارية استهدف مطار كيسانجاني بانجوكا الدولي، الذي يُعد مركزًا رئيسيًا للدعم الجوي للقوات المسلحة لجمهورية الكونغو الديمقراطية. وفي ضوء هذه التطورات، يتجه الطرفان بشكل متزايد نحو توسيع وتطوير قدراتهما الجوية الهجومية والدفاعية، وهو مسار من شأنه تعميق حدة الصراع في منطقة تُعد بالفعل إحدى أكبر بؤر الأزمات الإنسانية في العالم.

السودان وإثيوبيا.. خرق سيادة وتوترات إقليمية متصاعدة:

أقدمت القوات الإثيوبية على خرق واضح للسيادة السودانية عبر شن ضربات بطائرات مسيّرة على أراضٍ سودانية خلال شهري فبراير ومارس 2026، في تصعيد غير مسبوق ضمن الأحداث المستمرة في السودان منذ عام 2023. وقد أكدت الخرطوم في بيانات رسمية أن هذه الغارات، التي انطلقت من الأراضي الإثيوبية دون إذن أو إخطار، تمثل "اعتداءً مباشرًا على السيادة الوطنية وانتهاكًا صارخًا للقانون الدولي". وأبرز هذا التحرك العسكري الصارخ هشاشة الضوابط الإقليمية على استخدام الطائرات المسيّرة في النزاعات الإفريقية، كما سلط الضوء على قدرة الدول المتجاورة على تحويل الصراعات الداخلية إلى أزمات حدودية قد تُفاقم حالة عدم الاستقرار في المنطقة.

ويُظهر هذا التطور مدى التعقيد المتصاعد في العلاقات السودانية–الإثيوبية، إذ يُخشى من أن تستغل الأطراف الإقليمية هذه التكنولوجيا العسكرية لتوسيع دائرة النفوذ أو الضغط السياسي، مما قد يؤدي إلى تصعيد أمني أكبر على الحدود المشتركة. ومن ثمّ، باتت قضية ضرب الطائرات المسيّرة الإثيوبية للسودان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الخرطوم على حماية سيادتها وردع أي تدخلات خارجية، في وقت تتطلب فيه إدارة التوترات الإقليمية مقاربات دبلوماسية وسياسية صارمة لمنع تحول هذا الخرق السيادي إلى مواجهة أوسع.

السودان.. الطائرات المسيّرة وتحوّل المواجهات نحو الاستنزاف التكنولوجي:

أدّى انتشار الطائرات المسيّرة في الحرب الدائرة في السودان منذ عام 2023 إلى إدخال بُعد تكنولوجي جديد في طبيعة المواجهات بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، حيث تحوّلت هذه الوسيلة إلى أداة رئيسية في تنفيذ الضربات بعيدة المدى واستهداف البنية التحتية العسكرية واللوجستية للطرف الآخر. ومع اتساع رقعة المواجهات في العاصمة الخرطوم وعدد من المدن الرئيسية، لجأ الطرفان إلى توظيف الطائرات المسيّرة لأغراض الاستطلاع والهجمات الدقيقة، بما مكّنهما من مراقبة تحركات الخصم وتنفيذ ضربات سريعة ضد مراكز القيادة ومخازن الإمداد. وقد أسهم هذا النمط من القتال في إطالة أمد المواجهة، إذ وفّرت الطائرات المسيّرة قدرة على مواصلة الضغط العسكري دون الحاجة إلى الانخراط المباشر في معارك برية مكلفة. وفي الوقت ذاته، أدى انتشار هذه التكنولوجيا إلى زيادة تعقيد المشهد الأمني، مع تقارير عن حصول الأطراف المتحاربة على دعم تقني وتسليحي من جهات خارجية، الأمر الذي يعكس تحوّل السودان تدريجيًا إلى ساحة تنافس إقليمي غير مباشر. ونتيجة لذلك، باتت الطائرات المسيّرة أحد أبرز أدوات الاستنزاف العسكري في الصراع، بما يعمّق حالة عدم الاستقرار ويزيد من كلفة الحرب الإنسانية في بلد يعاني بالفعل من واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.

فجوة الحوكمة الإقليمية وتنامي مخاطر انتشار الطائرات المسيّرة:

تكشف النزاعات المتعددة في الإقليم عن نمط واضح يتمثل في تنامي الدور العسكري للطائرات المسيّرة وقدرتها على إحداث تحولات ملموسة في ديناميكيات ساحات القتال واستهداف أهداف عالية الأهمية. غير أن هذا التفوق العملياتي لم ينعكس في المقابل على مسارات تسوية النزاعات أو إنهائها، بل أسهم في كثير من الحالات في تعميق آثارها الإنسانية. فقد ارتبط الاستخدام المكثف لهذه التكنولوجيا بسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، وتفاقم موجات النزوح الجماعي، وتضرر البنية التحتية الحيوية في مناطق الصراع. وفي الوقت ذاته، يفتقر إقليم القرن الإفريقي إلى إطار إقليمي منظم يضبط عمليات اقتناء الطائرات المسيّرة المسلحة أو نقلها أو توظيفها في العمليات العسكرية، مما يترك المجال مفتوحًا أمام الموردين الخارجيين للعمل في بيئة تفتقر إلى الضوابط والمعايير الواضحة أو آليات المساءلة عند إساءة استخدامها. ومع التقدم التكنولوجي الذي أدى إلى زيادة قدرات هذه الأنظمة وانخفاض تكلفتها واتساع نطاق انتشارها، يتصاعد القلق من أن يؤدي غياب أطر الحوكمة الفاعلة إلى تعميق التهديدات الأمنية في المنطقة، لا سيما مع تنامي قدرة الجهات غير الحكومية، وعلى رأسها الجماعات المتطرفة العنيفة، على الحصول على هذه التقنيات واستخدامها، وهو اتجاه بدأ يظهر بالفعل في عدد من بؤر التوتر في القارة الإفريقية، خاصة في منطقة الساحل.

مستقبل التكنولوجيا العسكرية والطائرات المسيّرة في القرن الإفريقي:

تشير الاتجاهات الراهنة في النزاعات داخل القرن الإفريقي إلى أن الطائرات المسيّرة لن تبقى مجرد أداة تكتيكية مساندة في ساحات القتال، بل مرشحة لأن تتحول إلى أحد الأعمدة الأساسية في بنية القوة العسكرية خلال السنوات المقبلة. فمع انخفاض تكاليف هذه التكنولوجيا واتساع نطاق إنتاجها عالميًا، أصبحت دول الإقليم أكثر قدرة على اقتنائها وتطويرها، سواء عبر صفقات التسليح المباشرة مع قوى دولية، مثل تركيا والصين وإيران، أو من خلال برامج تدريب ونقل تكنولوجيا مرتبطة بشراكات أمنية أوسع. وفي هذا السياق، يُتوقع أن يشهد العقد المقبل توسعًا ملحوظًا في استخدام الطائرات المسيّرة ليس فقط في العمليات القتالية، بل أيضًا في مهام الاستطلاع الحدودي، ومكافحة الجماعات المسلحة، وتأمين البنى التحتية الحيوية، بما يعكس تحولًا تدريجيًا نحو نمط من الحروب يعتمد بدرجة أكبر على الأنظمة غير المأهولة والتكنولوجيا منخفضة الكلفة عالية التأثير.

غير أن هذا التوسع المحتمل يحمل في طياته تداعيات استراتيجية معقدة على موازين القوة في المنطقة. فمن جهة، قد يمنح امتلاك الطائرات المسيّرة قدرات عسكرية متقدمة لدول كانت تعاني سابقًا من محدودية قدراتها الجوية، ما يعيد تشكيل معادلات الردع الإقليمي ويزيد من قدرة الحكومات على إدارة الصراعات الداخلية. ومن جهة أخرى، قد يؤدي انتشار هذه التكنولوجيا إلى تسريع سباق تسلح إقليمي غير معلن، حيث تسعى الدول إلى تعزيز ترساناتها الجوية لموازنة قدرات خصومها أو جيرانها. كما أن سهولة الحصول على بعض أنواع الطائرات المسيّرة التجارية أو المعدلة عسكريًا قد يفتح المجال أمام الجماعات المسلحة غير الحكومية لتطوير قدراتها الهجومية، وهو ما بدأ يظهر بالفعل في بعض النزاعات الإفريقية حيث جرى توظيف الطائرات الصغيرة في عمليات الاستطلاع أو الهجمات المحدودة.

وفي ظل هذه التحولات، يبرز تحدٍ استراتيجي يتمثل في قدرة دول القرن الإفريقي على إدارة هذا التحول التكنولوجي ضمن أطر تنظيمية وأمنية فعالة. فغياب قواعد إقليمية واضحة لتنظيم استخدام الطائرات المسيّرة، سواء فيما يتعلق بانتشارها أو معايير استخدامها في العمليات العسكرية، قد يؤدي إلى تصاعد المخاطر المرتبطة بالتصعيد غير المقصود أو الاستخدام غير المنضبط لهذه الأنظمة. كما أن اعتماد العديد من الدول على الموردين الخارجيين في الحصول على هذه التكنولوجيا قد يخلق أشكالًا جديدة من النفوذ الجيوسياسي داخل الإقليم، حيث تصبح صفقات الطائرات المسيّرة جزءًا من أدوات التنافس بين القوى الدولية الساعية إلى تعزيز حضورها الاستراتيجي في إفريقيا.

وعليه، فإن مستقبل الطائرات المسيّرة في القرن الإفريقي لن يتحدد فقط بمدى انتشارها أو تطور قدراتها التقنية، بل أيضًا بقدرة دول المنطقة على صياغة مقاربات سياسية وأمنية متوازنة لإدارة هذه التكنولوجيا. فبينما قد توفر الطائرات المسيّرة أدوات فعالة لتعزيز القدرات الدفاعية ومكافحة التمرد، فإن انتشارها دون أطر تنظيمية واضحة قد يؤدي في المقابل إلى تعميق حالة عدم الاستقرار، وتوسيع نطاق الصراعات القائمة، وتحويل الإقليم إلى ساحة متزايدة الاعتماد على الحروب التكنولوجية منخفضة الكلفة وعالية التأثير.

ختاما، تكشف التجارب المتراكمة في نزاعات القرن الإفريقي أن الطائرات المسيّرة أصبحت أحد أبرز الأدوات التي تعيد تشكيل طبيعة الحروب في الإقليم، إذ وفّرت للجيوش والفاعلين المسلحين قدرات جديدة في الاستطلاع والاستهداف وإدارة العمليات العسكرية بكلفة أقل ومرونة أكبر. غير أن هذا التحول التكنولوجي لم يُفضِ حتى الآن إلى حسم النزاعات أو تقليص حدّتها، بل أسهم في كثير من الحالات في إطالة أمدها وتعقيد مساراتها، مع ما رافق ذلك من تداعيات إنسانية وأمنية متفاقمة. وفي ظل غياب أطر إقليمية فعّالة لتنظيم انتشار هذه الأنظمة واستخدامها، يظل خطر توسعها غير المنضبط قائمًا، بما قد يدفع المنطقة نحو نمط جديد من الصراعات يعتمد بدرجة متزايدة على الحروب التكنولوجية منخفضة الكلفة وعالية التأثير. ومن ثمّ، فإن التحدي الحقيقي أمام دول القرن الإفريقي لا يكمن فقط في امتلاك هذه التكنولوجيا، بل في القدرة على إدارتها ضمن مقاربات سياسية وأمنية متوازنة تحول دون تحولها إلى عامل إضافي لتغذية عدم الاستقرار الإقليمي.

طباعة

    تعريف الكاتب

    محمود سامح همام

    محمود سامح همام

    باحث فى العلوم السياسية