تحليلات

محددات إعادة الإعمار والتنمية فيما بعد الصراعات

طباعة

تمر إدارة الصراع بثلاثة مراحل (ما قبل الصراع – الصراع – ما بعد الصراع). وتهدف هذه العمليه إما الى الحد أو التهدئة أو الاحتواء أو منع تصاعد الصراع أو العنف وتسعى للوصول إلى التسوية وجلب حلول بناءة من جميع الأطراف والتي يمكن الاستفادة منها.

 ولا يتولد الصراع فجأة بدون مقدمات سواء كانت ظاهرة أو خفية وترتبط بالاتجاهات أو التناقضات البنيوية، ذلك أن العملية ديناميكية متغيرة، فهو ليس عملية جامدة
وإنما ينتقل أو يتغير ضمن مراحل أو مستويات تتباين في درجاتها أو حدتها وسرعه تغيرها وفق الظروف والمعطيات التي ترتبط بها. وكان الهدف من إنشاء الأمم المتحدة فى أكتوبر 1945 هو الحفاظ على السلم والأمن الدوليين ، وتنمية العلاقات الدولية بين الدول ، ومنع الصراعات من التصعيد إلى الحرب، أو المساعدة في استعادة السلام بعد اندلاع النزاع المسلح، وتعزيز السلام الدائم في المجتمعات الخارجة من الحروب.

ومرحلة ما بعد الصراع، هى المرحلة التي يتم فيها التسوية الفعلية، ويتم العمل فيها بين الأطراف على معالجة جذور الصراع، وتبدأ علاقات طبيعية، أو تعاونية بين الأطراف المتصارعة. والغرض منها اعادة الإعمار والتنمية وتحقيق وبناء السلام الدائم والتنمية المستدامة، وتحقيق المصالحة الوطنية ونزع السلاح والتسريح واعادة دمج المقاتلين. ويتم اتخاذ اجراءات لمنع عودة المجابهة المسلحة، وبهدف ضمان عدم الانزلاق إلى الصراع مجدداً، وذلك بإحداث تغيير في بعض عناصر البيئة التي شهدت الصراع، لخلق بيئة جديدة من شأنها تقليل المتناقضات التي دفعت إلى ذلك، وتعزيز عوامل الثقة بين أطرافه وتعزيز القدرات الوطنية على مستوى الدولة، من أجل إدارة نتائج الصراع ولوضع أسس التنمية المستدامة، وتحدد ترتيبات بناء السلام للقضايا الرئيسية، التي تؤثر في عمل مؤسسات الدولة، وتسعى للنهوض بقدراتها على القيام بدورها بشكل مشروع وفعال.

ويعد بناء سلام دائم ضمن منظومة الأمم المتحدة في المجتمعات التي مزقتها الحروب هو من بين أكثر التحديات صعوبة، التى تواجهه السلم والأمن العالميين. ويتطلب بناء السلام استمرار الدعم الدولي للجهود الوطنية من خلال مجموعه واسعة من الأنشطة كمراقبة وقف إطلاق النار والمساعدة في عودة اللاجئين والمشردين، والمساعدة في تنظيم ومراقبة الانتخابات لتشكيل حكومة جديدة، ودعم إصلاح قطاع العدالة والأمن، وتعزيز حماية حقوق الإنسان، وتعزيز وترسيخ احترام سيادة القانون لتحقيق سلام دائم في أعقاب الصراعات.

  ونتناول من المنظور التحليلي المرحلة الثالثة، التي ينطلق منها سياسة إعادة الإعمار والتنمية والتى تشكل جزءاً أساسياً من منظور أشمل يتعلق ببناء السلام. والمقصود بسياسة إعادة الإعمار والتنمية لفترة ما بعد الصراعات هو أن تكو بمثابة دليل للسياسات والاستراتيجيات الشاملة التي تضع الإجراءات الساعية إلى توطيد السلام وتعزيز التنمية المستدامة وتمهيد الطريق أمام النمو واستعادة الحياة في الدول والأقاليم الخارجة من الصراعات ومع الأخذ في الاعتبار خصوصية كل وضع من أوضاع الصراع وأن تكون تلك السياسة نموذجا مرنا يتكيف مع الدول والأقاليم المُتضررة ويساعده فيما تبذله من محاولات نحو إعادة الإعمار والأمن والنمو ومن ثَم فإن إطار السياسة هذا يتجاوز مثل هذه التدخلات المحدودة مع ملاحظة أن أنشطة إعادة الإعمار والتنمية لا تتوقف مع تثبيت الاستقرار، بل أنها تسعى لتحقيق تنمية مستدامة لتجديد الحياة والنمو. ولو كانت التسوية على أساس اختلاف معادلة القوة، وقيام الطرف الأقوى بفرض شكل، ومحتوى التسوية، فعادة لا تتم التسوية على أساس من العدل، أو المعالجة الحقيقية، مما يؤدى الى أن تحتفظ هذه المرحلة، في داخلها بجذور الصراع، والتي قد تعيده إلى المرحلة الأولى (مرحلة ما قبل الصراع) بسماته الغير ظاهره وتعزيز الاتجاهات السلبية فيه. 

وتعد الصراعات المسلحة التي تجتاح الكثير من الدول، والتي يتحمل مواطنيها وطأة هذه الصراعات والأزمات العنيفة، أبرز التحديات التي تواجه الدول في تحقيق السلم والأمن والتنمية المستدامة. كما أن هناك صراعات تتجاوز الحدود الوطنية، حيث يكون لها آثار ضارة على الاستقرار والسكينة الإقليمية، مما يضيف بٌعدا جديدا من شأنه أن يزيد من معاناة معيشة المواطنين ويؤدى إلى تعقيدها. وعندما يكتسب العنف بٌعدا إقليميا بين الدول فإنه يزيد من عدد الممثلين واللاعبين وتعدد مصالح الأطراف المتحاربة ويصبح الحل أكثر تعقيداً، وتكون هناك آثار كبيرة ومتعددة على الأمن ورفاهية المواطنين.

يشكل تحقيق الأمن والسلم الدوليين أحد أهم مساعي المجتمع الدولي لكن ورغم السعي المستمر لمنظمةالأمم المتحدة لحل الصراعات الدولية والمنازعات بالطرق السلمية خاصة بعد نهاية الحرب الباردة وما تبعه منتغير في طبيعة الصراعات المسلحة ما بين الدول إلى صراعات داخل الدول، إلا أن الحركات الانفصالية والنعراتالعرقية والاثنية تزايدت مع التطور السريع لمختلف التهديدات الأمنية اللاتماثلية، التي تمس بأمن الإنسان قبل الدولة كالهجرة غير الشرعية والإرهاب والجريمة المنظمة، وهنا قدم الأمين العام للأمم المتحدة بطرس غالي عام 1992 تقريره لمجلس الأمن تحت عنوان " خطة السلام " كفرصة لتحقيق أهداف حفظ وضمان الأمنوالسلم الدوليين.

وتقوم الخطة المطروحة على الدبلوماسية الوقائية لصنع السلام وبناء السلام بعد الصراع، ومفهوم إعادة الإعمار يرتبط بمختلف الإجراءات الاتصالية والاجتماعية والسياسية والأمنية كاستراتيجية طويلة المدى، والتيتسمح للدول المنهارة بسبب الحروب والنزاعات القضاء على أسباب النزاع وضمان الاستقرار وإدارة شئونها، وهو ما يدفعنا لفهم طبيعة مفهوم إعادة الإعمار ومختلف المفاهيم المتداخلة معه، وكذا المؤسسات الفاعلة فيه. ولقد اختلف المفكرون والباحثون في تحديد مفهوم إعادة الإعمار بعد الحرب لما ينطوي عليه من صعوبة عملية مرتبطة بشكل وطبيعة السلام في مرحلة ما بعد الحرب.

ماهية إعادة الإعمار:

الخلفية التاريخية لمفهوم إعادة الإعمار:

يرتبط ظهور إعادة الإعمار بالتاريخ الأمريكي في الفترة الزمنية الممتدة ما بين 1863-1877، والتيشهدت اندلاع الحرب الأهلية الأمريكية وتدمير البنية التحتية والاقتصادية للجنوب الأمريكي، إلى جانبالماشية، ووصلت تكلفة النفقات الحكومية في الحرب إلى 3.3 مليار دولار أمريكي، كماإبادة 40 بالمائة منهاجر أغلب السكان إلى المدن. وهنا شرع الرئيس الأمريكي أنذاك أبراهام لنكن (LincolnAbraham) في تطبيق خطة عملية لإعادةالإعمار وتوحيد الأمة، لكن مع اغتياله عارض خليفته أندرو جونسون (JohnsonAndrew) مشروع إعادة  الأعمار، رغم ذلك شكل الكونجرس الأمريكي مناطق عسكرية في الجنوب، واستخدم الجيش في إدارتها حتىيتم تشكيل حكومة اتحادية، وألغى الرق وسمح بالزواج للعبيد وحق التصويت للرجال البالغين.(1)

وقد ظهر المصطلح مرة أخرى وبشكل أكثر تأثيرا في المرحلة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، والتي تميزتبتطور الاقتصاد العالمي واتجاه كبير نحو التعاون الدولي خاصة في أعقاب 1950، فقد شهدت أوروبا واليابان عجزا في ميزان مدفوعاتها، وتخريبا لبنيتها التحتية والاقتصادية والاجتماعية استدعت ضرورة إعادة الإعمار،
وهوما وفرته الولايات المتحدة الأمريكية، التي استحوذت على ثمانين بالمائة من الذهب الدولي، وعلى هذا الأساسدعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى إقامة نظام بريتون وودز، الذي أسس لمشروع مارشال لمساعدة أوروبا أو ماسمي ببرنامج الاسترداد الأوروبي، ومنه تم إقامة صندوق النقد الدولي.(2)

مفهوم إعادة الإعمار:

إن إعادة الإعمار من المفاهيم التي تحمل في طياتها العديد من المعاني المرتبطة والمتداخلة ويرتبط مفهوم إعادةالإعمار بشكل مباشر بمفهوم بناء السلام building peace بكل أبعاده ويدور كلاهما حول فكرة رئيسية هي ترسيخ البنى التي من شأنها إحلال مظاهر السلام ومنع العودة للحرب مرة أخرى.(3)

حيث يعرف مفهوم بناء السلام أنه مصطلح يصف التدخلات التي تهدف إلى منع بدء أواستئناف الصراع العنيف فيمدن ما بعد الحرب من خلال خلق سلام مستدام. وذلك بمعالجة الأسباب الجذرية أو المحتملة للعنف، وخلق الوسائلالمجتمعية لتسوية المنازعات بالوسائل السلمية والعمل على استقرار المجتمع سياسياً واجتماعيًاواقتصاديا".(4) وتعتبر خطة مارشال لبناء السلام في أوروبا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية والتي تمت في عام 1947 من أشهرخطط بناء السلام في العالم.

إن إعادة الإعمار قضية تعني كل البلدان التي تخرج من حالة الصراع، حيث يمنح هذا المفهوم فرصة لإنشاء مؤسسات اجتماعية وسياسية وقضائية جديدة وهي بمثابة القوة الدافعة نحو التطور بعد مرحلة كثر فيها الخراب والدمار،وخاصة بعد حروب داخلية أو إجتياح خارجي و يربط جميع المنظرين بين إعادة الإعمار (العمراني)
وبين إعادة إعمارالهياكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع، فمنظومة إعادة الإعمار لا تتكامل إلا إذا تكاملت أبعادها الاقتصادية،الاجتماعية، السياسية مع أبعادها العمرانية.

وقد صنف الباحث "Barnett" إعادة الإعمار وبناء السلام ما بعد الصراع في ثلاثة أبعاد:

  البعد الأول : تحقيق الاستقرار في المنطقة في مرحلة ما بعد الصراع.

  البعد الثاني: استعادة مؤسسات الدولة.

 البعد الثالث: معالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية.

وترتبط مستويات إعادة الإعمار بالحالة العمرانية للمدن بعد الحرب وحجم الخسائر والدمار الذي لحق بها فهناك:

· إعادة الإعمار الشامل، ويرتبط بحدوث دمار على مستوى كبير للمنطقة أو المدينة.

· إعادة الإعمار الجزئي (قطاعي)، ويرتبط بوجود خسائر كبيرة في قطاع ما أكثر من باقي القطاعات .

· إعمار البنية التحتية، أو إعادة إعمار قطاع الإسكان، أو إعادة إعمار المناطق التراثية وذات القيمة.

كما أن مستويات إعادة الإعمار تعتمد على حجم ومساحة المنطقة التي تعرضت للدمار، فيمكن أن تكون مدينة أو أكثرمثل:

· إعادة إعمار مدن القناة في مصر بعد العدوان الثلاثي عام 1967 ، وحرب أكتوبر عام 1973.

· إعادة إعمار الدولة بأكملها مثل إعادة إعمار كوسوفو بعد الحرب الصربية (1999-1998).

·  إعادة إعمار قارة بأكملها عندما تكون الكارثة عالمية مثل إعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.

تعريف إعادة الإعمار:

يعرف إعادة الإعمار على أنه مجموعة شاملة من الإجراءات الساعية لتلبية حاجيات الدول الخارجة منالصراع بما في ذلك احتياجات السكان المتضررين والحيلولة دون تصاعد الصراعات وتفادي الانتكاس إلى العنف، ومعالجة الأسباب الجذرية، وتدعيم السلام المستدام.(5)

يعرف البنك الدولي إعادة الإعمار بعد الحرب بأنه إعادة بناء الإطار الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع، وإعادة تهيئة الظروف المواتية لإقامة مجتمع يعمل في زمن السلم وخصوصا الحكومة وسيادة القانون باعتبارهما العنصرين الرئيسيين لبناء هذا المجتمع، أما برنامج الأمم المتحدة الإنمائي فيعرفه بأنه "عملية تعافي، حيث العودة لمسار إنمائي طبيعي، أين تكون الدولة قد استعادت القدرة على وضع وتنفيذ السياسة الاقتصاديةكجزء من عملية الإدارة الاقتصادية التي تعتمد على الاكتفاء الذاتي إلى حد كبير، وحتى تكون عملية إعادة الإعمار ناجحة لا يمكن القبول بالعودة إلى مستويات الدخل ومعدلات النمو ما قبل الحرب بل يجب أنتكون مرتفعة عنها، فالانتعاش يقوم على تحول اجتماعي وعلى مجموعة من الإصلاحات المؤسساتية والقانونيةوالسياسية التي تسمح لدول بإعادة إرساء أسس التنمية الذاتية المستدامة، فإعادة الإعمار
تعني خلق نظام جديد للاقتصاد السياسي.

إن إعادة الإعمار لفترة ما بعد الصراعات هي الإجراءات الساعية إلى توطيد السلام وتعزيز التنميةوتأهيل قطاعات الإنتاج من زراعة وصناعة وخدمات وكذلك العناية بالإنسان المتضرر الأكبرمنالصراعبالإضافة لعملية المصالحة، وضمان الاستقرار، وقيادة مرحلة جديدة لما بعد الصراع، ويعد ترسيخ الأمن الداخلي والاستقرار الاجتماعي إلى تلبية مجموعة من الاحتياجات والجهود والأهداف التي تندرج تحت بند إعادة الإعمار إلى جانب توطين النازحين وتسهيل التنمية الشاملة الموجهة محليا التي تساعد على إرساء الشرعية السياسية ثم محاولة تنشيط المجتمعات المحلية من خلال ما يلي:

1. توفير الخدمات الأساسية بما في ذلك الرعاية الصحية والمياه والطاقة والصرف الصحي.

2. إعادة التأهيل وبناء المساكن.

3. الحصول على التعليم

4. توفير فرص العمل.

5. استعادة حرية التنقل والتجارة.

ويعرفه الملحق التابع للأمم المتحدة لأجندة السلم الدولية على أنه عملية بذل جهود شاملة لتحديدودعم الهياكل التي من شأنها توطيد السلام والدفع بشعور الثقة والرفاهية بين الناس من خلال اتفاقيات إنهاءالحروب، وقد تشمل هذه العملية نزع سلاح الأطراف المتحاربة واستعادة النظام وإعادة اللاجئين والخدمةالاستشارية والدعم في مجال التدريب لموظفي الأمن ومراقبة الانتخابات وجهود الدفع إلى حماية حقوقالإنسان، وإصلاح وتعزيز المؤسسات الحكومية والمشاركة في العملية السياسية من طرف الفواعل الرسمية وغيرالرسمية في الدولة، ورغم أن عمليات إعادة الإعمار ذات أهداف سياسية إلا أن تنفيذها ينطلق من أرضيةاقتصادية. ويعرف البنك الدولي عملية إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب على أنها تقديم الدعم لعملية التحولمن الصراع إلى السلام من خلال إعادة بناء البلد اجتماعيا واقتصاديا.

كما أن الأمم المتحدة تعطي تعريفًا ثانيًا لإعادة الإعمار على أنه ينطوي على استراتيجية طويلة المدى ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية، فإعادة الإعمار عملية بذل جهود شاملة لتحديد ودعم الهياكل والمؤسسات التي تسعى لتوطيد السلام، وتشملهذه العملية نزع السلاح بين الأطراف المتحاربة واستعادة النظام وإعادة اللاجئين ومراقبة الانتخابات وإصلاح وتعزيز المؤسسات الحكومية، فإعادة الإعمار تهدف لنشر ثقافة السلام، وبناء الدولة المنهارة والهشة بعد الحرب.

من المحتم النظر إلى عمليات إعادة الإعمار والتنمية لفترة ما بعد الصراعات واستخدامها كفرصة لإعادة تنظيم الدولة والمجتمع المتضررين وتحولهما الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وأن النهوض بالأمن البشري يقع في صميم جميع أنشطة إعادة الإعمار والتنمية لفترة ما بعدالنزاعات، وأن تتم مواصلة هذه السياسة في إطار سياق شامل للبحث عن السلام والأمن، وبالتالي استكمال المبادرات الدولية القائمة.

إن إعادة الإعمار هي عملية شاملة ومعقدة لا تنحصر فى إعادة بناء واستعادة البنى التحتية المادية فقط ، و لكنها تشمل مفهوم أشمل وهو بناء الدولة بجميع قطاعاتها الأمنية (نزع السلاح، تسريح المقاتلين السابقين وإعادة دمجهم في المجتمع (DDR)، وإزالة الألغام والمتفجرات من مخلفات الحرب)، والاجتماعية ( ضمان توفير الخدمات الاجتماعية الأساسية كالصحة والتعليم، وتقديم الدعم النفسي، وضمان المساواة والشمول لجميع فئات المجتمع)، والاقتصادية ( إعادة بناء النظام المصرفي والمالي، وتخطيط الميزانيات، وتوفير القروض والمنح لدعم الأعمال التجارية الجديدة، وتنظيم برامج التدريب المهني )، والسياسية ( صياغة دساتير جديدة، إجراء انتخابات حرة ونزيهة، وبناء نظام قضائي فعال ومستقل) والحوكمة الرشيدة، وسبل العيش للمجتمعات المتضررة بعد الصراعات. إن إعادة الإعمار والتنمية بعد الصراعات ليست مجرد استجابة فنية أو هندسية، بل هي استثمار في السلام والأمن الإنساني. إنها فرصة فريدة ليس فقط لاستعادة ما دمرته الحرب، بل لبناء مجتمعات أكثر عدالة ومرونة وازدهاراً، تعالج الأسباب الجذرية للنزاع وتضمن مستقبلاً آمناً للأجيال القادمة.

من ركام الدمار إلى بناء مستقبل مستدام:

هي عبارة تلخص الرؤية الشاملة والهدف النهائي لعمليات إعادة الإعمار والتنمية ما بعد الصراعات ، وتعكس فلسفة متكاملة تقوم بالاقرار بحجم الخسائر والدمار الذى لحق بالبنية التحتية المادية والنسيج الاجتماعى ، والأنظمة الاقتصادية ومنه الى التحول الى حالة البناء وهذه المرحلة تتطلب جهوداً جبارة ومنسقة لتوفيرالمأوى والغذاء والمياه والخدمات الصحية الأساسية، وإصلاح المنازل والمرافق الحيوية، واستعادة سبل العيش وتوفير فرص العمل. فالوصول للهدف الأسمى والبعد الاستراتيجي للعملية ليس مجرد "العودة إلى ما كان عليه الوضع قبل الصراع "، بل "إعادة البناء بشكل أفضل" (Build Back Better)، وضمان أن تكون الحلول طويلة الأمد، تراعي الأبعاد البيئية والاقتصادية والاجتماعية، ولا تعتمد فقط على المساعدات الخارجية المؤقتة. وتصميم بنى تحتية ومجتمعات قادرة على تحمل الصدمات المستقبلية وصراعات جديدة. والتأكد من أن التنمية تشمل الجميع بشكل عادل، دون تهميش أي فئة، ومعالجة المظالم التي قد تكون سبباً في الأزمات وبناء سلام دائم من خلال المصالحة والحوكمة الرشيدة.

باختصار، "من ركام الدمار إلى بناء مستقبل مستدام" هي خارطة مستقبل تحول الأزمة إلى فرصة لإعادة تشكيل المجتمع والدولة على أسس أقوى وأكثر عدالة ومرونة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، تعد إعادة إعمار غزة من أكبر المشكلات التى تواجه المجتمع الدولى الآن ، فإعادة إعمار غزة هو أفضل نموذج لكيفية تضافر الجهود الدولية والإقليمية لإعادة الإعمار والتنمية بعد الصراعات، وكانت رؤية مصر سباقة للجميع وأصرت من خلال سياستها عدم التهجير للحفاظ على القضية الفلسطينية وثوابتها التاريخية ، وواصلت مصر ضغوطها ورحلاتها السياسية لتصل فى نهاية المطاف لتحقيق النجاح وتوصلت إلى وقف دائم لإطلاق النار مما يتيح وضع أسس طويلة الأمد لتحقيق الاستقرار في القطاع.

وقد أكدت مصر عقد مؤتمر دولى لإعادة إعمار غزة برؤية شاملة  تستند على تقيم الخسائر والددمار الذى نتج عن الحرب وإنشاء صندوق بقيمه 53 مليار دولار. وتمتد الخطة المصرية لإعادة الإعمار بشكل كامل على مدى خمس سنواتعلى مرحلتين، حيث تبدأبمرحلة التعافي المبكر لمدة ستة أشهربقيمة ثلاثة مليارات دولار ، ثم المرحلة الأولىبتكلفة 20 مليار دولار، أما المرحلةالثانية بتكلفة 30 مليار دولار. إن إعادة الإعمار لا تتعلق بالقطاع الإنشائى والسكنى فقط ، بل ببناء شامل لقطاع غزة، يشمل القطاعات الأمنية والاجتماعية والسياسية و الاقتصادية.

وبالتزامن مع مراحل إعادة الإعمار يتم إعادة بناء وتأهيل باقى القطاعات، منها القطاع الأمنى ( نزع السلاح داخل القطاع وتسريح المقاتلين السابقين، وإعادة دمجهم فى المجتمع وتأهيل وتدريب الكوادر الأمنية الفلسطينية لضمان الاستقرار الأمني خلال المرحلة المقبلة وهذا ما تتولاه مصر والأردن، وإزالة الألغام والمتفجرات من مخلفات الحرب) والقطاع الاجتماعي (ضمان توفير الخدمات الاجتماعية الأساسية كالصحة من خلال إعادة بناء المستشفيات وتأهيل العاملين بالقطاع الطبى، أما فيما يخص التعليم إعادة بناء الجامعات والمدارس واعادة تأهيل المدرسين، وتقديم الدعم النفسي، وضمان المساواة والشمول لجميع فئات المجتمع)، والقطاع الاقتصادى ( وتسعى الخطة المصرية إلى إطلاق مشروعات استثمارية تتولى السلطة الفلسطينية تنفيذها بالشراكة مع الجهات الراغبة، وذلك بهدف إعادة بناء القطاع وتعزيز اقتصاده المحلي. كما تتضمن الاستفادة من التجارب السابقة في عمليات إعادة الإعمار لضمان التنفيذ الفعّال للمشروعات و إعادة بناء النظام المصرفي والمالي، وتخطيط الميزانيات، وتوفير القروض والمنح لدعم الأعمال التجارية الجديدة، وتنظيم برامج التدريب المهني). والقطاع السياسى ( صياغة دستور جديد، وبناء نظام قضائي فعال ومستقل ، بالاضافة لتشكيل لجنة إدارة غزة تحت مظلة الحكومة الفلسطينية، التي تتشكل من كفاءات من أبناء القطاع، لفترة انتقالية بالتزامن مع العمل على تمكين السلطة الوطنية للعودة إلى غزة".عن طريق إجراء انتخابات عامة، رئاسية وتشريعية، في غزة والضفة والقدس الشرقية).

يُعد مجلس السلام (Board of Peace) منظمة دولية أُسست بمبادرة من الرئيسالأمريكي دونالد ترامب لتعزيز السلام وإعادة الإعمار، مع التركيز بشكل أساسي في المرحلة الحالية على قطاع غزة. عُقد الاجتماع الأول للمجلس في واشنطن بتاريخ 19فبراير 2026، برئاسة ترامب وحضور ممثلين عن نحو 47 دولة

صُمم المجلس ليكون المرجعية العليا للإشراف على غزة في مرحلة ما بعد الحرب، وذلك من خلال:

  • نزع السلاحالإشراف على تفكيك القدرات العسكرية للفصائل المسلحة وضمان بيئة خالية من "الإرهاب".
  • الأمن الاستقراريقيادة "قوة استقرار دولية" (ISF) وتدريب قوة شرطة فلسطينية جديدة تكون بديلة للأجهزة السابقة.
  • إعادة الإعمار الاقتصاديتحويل غزة إلى منطقة استثمارية (مثل مشروع "ريفيرا الشرق الأوسط") عبر جذب استثمارات بمليارات الدولارات.

أبرز مخرجات الاجتماع الأول (19 فبراير 2026):

التعهدات المالية :أعلن ترامب عن مساهمة الولايات المتحدة بمبلغ 10مليارات دولار لصالح المجلس، بالإضافة إلى تعهدات من 9 دول أعضاء أخرى بقيمة تزيد عن 7مليارات دولار لإعادة إعمارغزة.

قوات الاستقرار الدولية :تعهدت 5 دول (ألبانيا، إندونيسيا، كازاخستان، كوسوفو، والمغرب) بإرسال قوات للمشاركة في "قوة استقرار دولية" قوامها 20,000جندي، بينما وافقت مصر والأردن
على تدريب قوات الشرطة المحلية التي يُتوقع أن يصل عددها إلى 12,000 عنصر.

مشاريع إضافية: أعلن ترامب أن الاتحاد الدولي لكرة القدم(FIFA) سيجمع 75مليوندولار لمشاريع متعلقة بكرة القدم في غزة، مع مساهمة من الأمم المتحدة بمليارين دولار للمساعدات الإنسانية.

هيكل وأهداف المجلس:

  • التأسيسأُقترح المجلس في سبتمبر 2025، وأُطلق رسمياً في يناير 2026 على هامش منتدى دافوس الاقتصادي.
  • الغطاء الدولييستند المجلس إلى قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2803، الذي كلفه بالإشراف على عمليات خطة السلام في غزة.
  • الدول الأعضاءيضم المجلس أكثر من 20 عضواً مؤسساً، منهم إسرائيل والسعودية ومصر وقطر والإمارات والأردن وتركيا، بالإضافة إلى دول من آسيا وأوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية. ويشارك الاتحاد الأوروبي بصفة مراقب.
  • الرؤية المستقبلية: أشار وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى أن نطاق المجلس قد يتوسع ليكون نموذجاً لحل نزاعات دولية معقدة أخرى خارج منطقة الشرق الأوسط
  • يُنظر إلى المجلس كبديل أسرع للتحركات الجماعية التقليدية في مجلس الأمن، ويهدف إلى تجريد غزة من السلاح مقابل إعادة إعمار شاملة وتوفير الاستقرار تحت إشراف دولي.

فى النهاية، نؤكد أن إعادة إعمار غزة هو تحدى دولى واقليمى وعملية سياسية معقدة جداً، تتطلب تضافر جهود المانحين والقوى الإقليمية الرئيسية والضغط السياسي لإزالة العقبات وضمان عملية إعمار ناجعة ومستدامة. بدءاً من التمويل الضخم الذى يحتاجه القطاع من المجتمع الدولى والول المانحة ، وهذا يجعل القرارات المتعلقة بالإعمار مرتبطة بالإرادة السياسية للمانحين، ثم الصراع على النفوذ ورسم مستقبل القطاع حول من سيشرف على عملية إعادة الإعمار، ومن يحدد مستقبل غزة ما بعد الحرب ، بالاضافة للمصالح الاستراتيجية للأطراف المختلفة، بما في ذلك ضمان الاستقرار الإقليمي، ومنع عودة التوترات الأمنية، وضمان عدم استخدام مواد الإعمار لأغراض عسكرية، وهو ما تصر عليه إسرائيل، ونهاية بوجود حل سياسي شامل للقضية الفلسطينية يلبي تطلعات الشعب الفلسطيني ويضمن الأمن للجميع.

المراجع:


1- Eric Foner, "Reconstruction united States History,bybritanica united states" Consultele :12/05/2019

https://www.britannica.com/event/Reconstruction-United-States-history.

2- محمد بالغالي، الحكم الراشد والتنمية المستدامة دراسة اصطلاحية تحليلية: حالة الجزائر. مجلة الدراسات الاستراتيجية، العدد : 14، 2006، ص144.

3- Key Messages Post-war reconstruction and development in the Golden Age ofCapitalism, xford, Advanced Learner'sDictionary, 8th edition,2010,pp 7-8

4- Paul Collier "Post-Conflict Recovery: How Should Policies be Distinctive?" Centre for the Study of African Economies, Department of Economics, Oxford University May, 2007, p34

5- Barnett, Michael; Kim, Hunjoon; O'Donnell, Madalene; Sitea, Laura., "Peacebuilding: What Is in a Name?". Global Governance 13, 2007,pp 35-58

طباعة

    تعريف الكاتب

    بشر دويدار

    بشر دويدار

    باحث علاقات دولية، مختص بشئون إعادة الإعمار والتنمية