تحليلات

الضفة الغربية.. جوهر الصراع ومستقبل التسوية في غزة

طباعة

خلال أكثر من سبعة عقود، ظل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بؤرة توتر أساسية في منطقة الشرق الأوسط، جوهر هذا الصراع الرئيسي هو السيطرة على الأرض أو بمعنى أدق: من صاحب الأرض؟، ومع كل جولة جديدة من التصعيد العسكري أو السياسي، تبرز تساؤلات حول الأهداف الحقيقية للفواعل الدولية والإقليمية المعنيين بالصراع، لا سيما إسرائيل.

في سياق حرب الإبادة التي تنتهجها إسرائيل في قطاع غزة وما تلاها من مساعٍ حثيثة للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في القطاع وإنشاء "مجلس سلام" يدير القطاع، تبرز فرضية مثيرة للجدل والتحليل، هل يمكن أن تكون غزة، بكل ما عانته من دمار وخراب، وقتلى وجرحى، مجرد "ورقة مساومة" أو "وسيلة إلهاء" في معادلة أكبر؟ هذا المقال يسعى إلى تحليل الفرضية القائلة إن إسرائيل قد تنتهج سياسة مرنة "حتى وإن كان الظاهر عكس ذلك" تجاه ترتيبات السلام في غزة، مقابل الحصول على غطاء دولي لضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية، التي تمثل الهدف الأساسي والاستراتيجي الأعمق للمشروع الإسرائيلي (ארץישראלהשלמה– أرض إسرائيل الكاملة) وذلك وفقًا لخريطة الملك داوود والتي لا تضم من الأساس قطاع غزة.

الضفة الغربية كهدف استراتيجي: منذ احتلالها عام 1967، شكلت الضفة الغربية والتي تسمى: يهودا والسامرة في الخطاب الإسرائيلي الرسمي عمقا استراتيجيا وأيديولوجيا لإسرائيل، حيث لا يمكن فهمالسياسات الإسرائيلية تجاه الأراضي الفلسطينية دون النظر إلى أهمية الضفة الغربية بالنسبة لإسرائيل وذلك على عدة مستويات:

 ·الأهمية الأيديولوجية والدينية: تضم الضفة الغربية قلب "أرض إسرائيل" التاريخية والتوراتية، مثل مدن الخليل، ونابلس، وبيت لحم، ورام الله وبالطبع القدس، حيث تحتل القدس مكانة مركزية في التراث اليهودي، ومن خلال مشروع "خريطة الملك داوود" الذي يستحضره اليمين القومي والديني الإسرائيلي، يرسم حدود الإسرائيل تمتد من النهر إلى البحر، والتي  تشمل صميم الضفة الغربية، فهذه الأرض ليست مجرد منطقة متنازع عليها، بل هي جزء لا يتجزأ من السردية الدينية والقومية للشعب الإسرائيلي.

 ·الأهمية الجيوسياسية والاستراتيجية: تقع الضفة الغربية على تخوم القدس الشريف، وتمتد على طول التلال المطلة على السهل الساحلي، حيث يتمركز عدد كبير من المستوطنات، فضلا عن البنى التحتية الحيوية لإسرائيل، وبالتالي السيطرة على مرتفعات الضفة الغربية تمثل عمقًا استراتيجيًا لا يمكن الاستغناء عنه من وجهة نظر العديد من المؤسسات الأمنية الإسرائيلية، فهي توفر إنذارًا مبكرًا وتحكمًا في طرق إمداد رئيسية، كما أن غور الأردن يشكل حاجزًا أمنيًا طبيعيًا باتجاه الشرق.

 ·الواقع الاستيطاني: على عكس غزة التي شهدت فك ارتباط أحادي الجانب (תוכניתההתנתקות– خطة فك الارتباط) عام 2005 (إخلاء المستوطنات والانسحاب العسكري)، شهدت الضفة الغربية توسعا استيطانيًا مطردًا وممنهجًا، حيث إن مئات الآلاف من المستوطنين يعيشون الآن في الضفة في تجمعات سكانية مترابطة (התנחלויות-مستوطنات)، مدعومة ببنية تحتية إسرائيلية متكاملة، هذا الاستثمار البشري والمادي الهائل يجعل احتلال الضفة الغربية أمرا واقعا يصعب التراجع عنه أو إلغاؤه، ويدلل على كونها الهدف الرئيسي للسيطرة والضم التدريجي.

غزة كوسيلة ضغط وإلهاء:

في مقابل المحورية الاستراتيجية للضفة الغربية، يمكن النظر إلى قطاع غزة من زاوية مختلفة:

 ·تكتيك "الإلهاء": من هذا المنطلق، يمكن تفسير التصعيد الكبير من قِبل إسرائيل في غزة لا سيما الحرب الأخيرة، كوسيلة لإعادة ترتيب الأولويات، حيث إنه كلما احتدم الصراع في غزة، تحولت أنظار العالم بعيدًا عما يحدث في الضفة الغربية من استيطان متسارع وهدم للمنازل وتهجير قسري للفلسطينيين، وقد شاهدنا في هذا السياق تصديق الحكومة الإسرائيلية مؤخرا على مشروع قرار يجيز تسجيل أراض في الضفة الغربية باعتبارها "أراضي دولة"، وبالتالي تصبح غزة "بقعة ساخنة" تستحوذ على الاهتمام الدولي وتستهلك الجهود الدبلوماسية، بينما تستمر "الآلة الاستيطانية" في الضفة الغربية في عملها بهدوء.

 ·غزة كورقة مساومة: في هذا الإطار تصبح فكرة "مجلس السلام" أو الترتيبات المستقبلية لغزة (بما في ذلك إعادة الإعمار مقابل نزع سلاح الفصائل الفلسطينية) ورقة بيد إسرائيل، وذلك من خلال إبداء مرونة تجاه غزة (حتى وإن أظهرت عكس ذلك)، والموافقة على دور لجهات عربية ودولية في إدارتها، وبالتالي تستطيع إسرائيل أن تطالب بمقابل كبير، هذا المقابل لن يكون سوى "شرعنة" دولية لضم أجزاء من الضفة الغربية، لا سيما الكتل الاستيطانية الكبرى ومنطقة غور الأردن (سلة غذاء الضفة الغربية).

ملامح الصفقة المفترضة:

بناءً على التحليل السابق، يمكن رسم ملامح للصفقة المنشودة، والتي قد تكون مطروحة (صراحةً أو ضمنًا) على الطاولة:

الجانب المتعلق بغزة:

·تتوصل الأطراف الفاعلة إلى اتفاق يقضي بوقف دائم لإطلاق النار في غزة.

  ·يتم تشكيل "مجلس سلام" يدير القطاع، ويشرف على إعادة إعماره، ويكون بعيدا عن حماس أو تخضع حماس لسلطته، بحيث يضمن هذا المجلس تدفق المساعدات الإنسانية ويمنع عودة التصعيد.

·إسرائيل "توافق" على هذه الترتيبات وتقدم تسهيلات لدخول المساعدات الإنسانية ومواد البناء، مما يعطي انطباعًا دوليًا بأن إسرائيل شريك في الحل وتبحث عن "الاستقرار".

الجانب المتعلق بالضفة الغربية: في المقابل، وتحقيقًا لـ "صفقة القرن" المصغرة أو كجزء من مصالح وتفاهمات أوسع مع الإدارة الأمريكية، تحصل إسرائيل على ضوء أخضر (صريح أو ضمني) لبدء عملية ضم رسمية وعلنية لمناطق واسعة في الضفة الغربية، يمكن أن يبدأ ذلك بتطبيق القانون الإسرائيلي على المستوطنات القائمة الحالية عن طريق ضم الكتل الاستيطانية الكبرى مثل "גושעציון- غوش عتصيون" والسيطرة الكاملة على غور الأردن، مما يقطع التواصل الجغرافي لأي احتمالية لإقامة دولة فلسطينية مستقبلية ويحولها إلى كانتونات معزولة.

التداعيات والاستنتاجات:

إذا صحت هذه الفرضية، فإن تداعياتها ستكون كارثية على القضية الفلسطينية وذلك على النحو التالي:

·تأجيل القضية الفلسطينية: فبينما ينشغل العالم بإعادة إعمار غزة وإدارة شئونها، تتراجع قضية الضفة الغربية والتي هي جوهر الصراع من الأساس إلى هامش الاهتمام الدولي، لتتحول القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى مجرد قضية إنسانية وإغاثية محصورة في قطاع غزة.

·تصفية حل الدولتين: الضم الأحادي الجانب لأجزاء من الضفة الغربية يعني عمليًا دفن أي أمل في إقامة دولة فلسطينية موحدة متصلة جغرافيًا وقابلة للحياة على حدود 1967.

ختامًا:

يبدو أن غزة، رغم مأساتها، قد تكون مجرد فصل في مسرحية كبرى، خاتمتها تُكتب على تلال الضفة الغربية، حيث إن الهدف الإسرائيلي الأكبر يكمن في الضفة الغربية، وهو ما يفسره المرونة النسبية الظاهرة تجاه غزة، ومع ذلك يبقى هذا السيناريو رهنًا بتوازنات إقليمية ودولية معقدة، وقدرة الفلسطينيين على توحيد الصف وتوحيد رؤيتهم وكشف حقيقة هذه اللعبة السياسية الخطيرة، وبالتالي إفشال مخطط تحويل غزة إلى ورقة مساومة أو وسيلة إلهاء لتصفية الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية.

 

طباعة

    تعريف الكاتب

    نسرين طولان

    نسرين طولان

    باحثة دكتوراه في العلوم السياسية