مقالات رأى

الاستيطان وسرقة الحياة الفلسطينية!

طباعة

يتلقى مشروع الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة دعمًا كبيرًا من الحكومة الإسرائيلية، خاصة بعد أحداث طوفان الأقصى، ورغم المخاوف التي يعبر عنها المستوطنون بشأن استمرار العيش في الكيبوتس أو المزارع القريبة من المناطق الفلسطينية، فقد شهدت الفترة الأخيرة تصعيدًا جديدًا نتيجة الحرب على غزة، إذ أصبح هناك تزايد في العنف تجاه الفلسطينيين في الضفة الغربية، إلى جانب تشجيع رسمي على الاستيطان وتهويد المناطق الفلسطينية الخاضعة للسلطة الفلسطينية، وفق اتفاقية أوسلو.

الهدف المعلن لهذا المشروع يتمثل في مواجهة ارتفاع أسعار العقارات داخل إسرائيل عبر توفير دعم مادي لمن ينتقلون للعيش في هذه المناطق، أما الهدف غير المعلن رسميًا، فيتمثل في منح الجيش الإسرائيلي شرعية مزيفة لاقتحام هذه المناطق وممارسة إرهاب ممنهج ضد الفلسطينيين، يتضمن الاعتقالات والتهجير القسري، إلى جانب البدء في ضم أراضٍ جديدة، خاصة أن إسرائيل تفتقر إلى دستور يوضح حدودها، مما يجعل مشروعها الاستيطاني مشروعًا استعماريًا متوسعًا بلا قيود.

في الفترة الأخيرة بدأت مشروعات استيطانية جديدة تشجع على الانتقال للإقامة في الضفة الغربية، والجليل، والنقب، والقدس، سواء في المستوطنات الدينية أو العلمانية، عبر تشجيع الزراعة وتربية المواشي، وتقديم مزايا ضريبية تصل إلى إعفاء بنسبة ٣٥٪ للمستفيدين، وهناك نحو ٣٣٠ مستوطنة في طريقها للحصول على التصاريح وبدء البناء، وسيتم إحاطة هذه المستوطنات بأسوار دفاعية، بما يهدد بقاء أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية.

وتطرح التساؤلات حول ما إذا كان الاحتلال قد اكتفى بتشجيع الاستيطان وتقديم المزايا أم اتخذ أساليب أخرى؟

 

الواقع أن الاحتلال لم يقتصر على سرقة الأراضي، بل بدأ فعليًا في سرقة نمط حياة الفلسطينيين، فالحياة الفلسطينية تقوم على الاعتماد على الذات في إنتاج الغذاء، والزراعة، وتربية المواشي، والتعايش مع الطبيعة، خاصة في الضفة الغربية، غير أن المستوطنين بدأوا مشروعًا جديدًا يهدف إلى تقليد هذا الأسلوب، ليس فقط في الانتهاكات والتهجير القسري، بل في محاكاة الحياة اليومية للفلسطينيين، بدءًا من زراعة الأرض، مرورًا بتربية المواشي، وحتى أسلوب الحياة مع الطبيعة، تمامًا كما يعيش الفلسطينيون.

الأسلوب الجديد الآن هو التشجيع علي فعل ذلك، فمثلا،هناك بلوجر إسرائيلية تعرض نمط حياتها في مزرعة بالقدس المحتلة، زعمت أن هذه الحياة الزراعية تمارسها منذ الصغر وأنها ورثتها من أجدادها من أوزبكستان، والآن هي تنفذها ولكن في الأرض المقدسة،بحسب ما زعمت، تُصور حياتها أنها أم، زوجة تزرع وتربي المواشي، ولكن الحقيقة هذا النمط هو جزء من الحياة الفلسطينية اليومية، حيث يقوم الفلسطينيون بحلب الأبقار وزراعة الزيتون والخضار، بينما تقوم هي بتقليد هذه الحياة وكأنها ملكها.

ولم تكتف بسرقة نمط الحياة من غيرها، بل تقوم هذه البلوجر بزيارة المستوطنات والمزارع الجديدة في الضفة الغربية وتشجع علي الهجرة إليها مدعية أنها تفعل عملا مقدسا من أجل يهوه وأن الاستيطان واجب ديني، ومؤخرا بدأت في الترويج لزيارة مزرعة بالقرب من غزة، وزعمت أنهم سوف يعمرون غزة باستيطانهم، بجانب أن هذه المستوطنة تقوم بجمع تبرعات بحجة استمرار مشروعها الاستيطاني الذي تربطه بالدين اليهودي وأنها تفعل كل هذا من أجل الصهيونية.

خطورة هذه التصرفات، أولا- طمس الهوية الفلسطينية، من خلال تقديم حياة الفلسطينيين الزراعية على أنها إرث يهودي، يتم سرقة ثقافة وهوية الفلسطينيين ومحاولة تطبيع الاستيطان على حسابهم، ثانيا- الترويج للاستيطان، تشجيع المستوطنين على الهجرة إلى هناك ونشر فكرة أنها عمل مقدس يهدف إلى خدمة الدين، يساهم في توسيع الاحتلال وتهويد الأراضي الفلسطينية.

والأخطر هو تشجيع استهداف غزة، والترويج لمشروعات استيطانية في مناطق مثل غزة يهدد الأمن الإنساني للفلسطينيين، ويحول أرضهم إلى مشروعات استعمارية مزعومة، هذه التصرفات ليست مجرد محتوى عابر على الإنترنت، بل جزء من استراتيجية ثقافية وسياسية لتمرير الاستيطان، وطمس الحقوق الفلسطينية، وخلق صورة مزيفة عن الأرض والشعب الفلسطيني.

في النهاية الاستيطان الإسرائيلي لم يعد يقتصر على سرقة الأرض الفلسطينية فقط، بل امتد ليصل إلى سرقة حياة الفلسطينيين اليومية وثقافتهم وهويتهم؛ ما يحدث اليوم هو مشروع استعماري متكامل، يهدف إلى طمس الحقوق وإعادة كتابة تاريخ المكان والناس، أمام هذا الواقع، تبقى الحقيقة الفلسطينية على الأرض، وهويتها الحقيقية في مقاومة الاستيلاء الثقافي، كما هي في صمودها اليومي على الأرض.

 

طباعة

    تعريف الكاتب

    إنجي بدوي

    إنجي بدوي

    باحثة ماجستير في الشأن الإسرائيلي