تحليلات - عالم عربى

قراءة في نتائج الجولة العربية لوزير خارجية الجزائر

  • أبوالفضل الإسناوي

  • 6-8-2017

طباعة

يعكس توقيت جولة عبد القادر مساهل، وزير خارجية الجزائر، لثماني دول عربية (السعودية، ومصر، وسلطنة عمان، والبحرين، وقطر، والكويت، والأردن، والعراق)، والتي استهلها بزيارة الرياض في الأول من أغسطس الجاري، ومنها إلى القاهرة ، ثم عدد من العواصم الخليجية، محاولة جزائرية للخروج من حالة “البيات الشتوي” التي لازمتها طوال السنوات الماضية، وكسر سياسة الصمت، والبدء في تحركات سياسية ودبلوماسية في المنطقة.

إذ يدلل موعد الجولة التي التقى قبلها "مساهل" بأيام قليلة نظيره الإماراتي، عبد الله بن زايد آل نهيان، وكذا نائب رئيس الوزراء، منصور بن زايد آل نهيان، على أن أهم أهدافها المحتملة غير المعلنة هو محاصرة حركة مجتمع السلم الإخوانية "حمس"، وأخواتها التى حاولت استغلال موقف السلطة من بعض الأزمات العربية في زيادة رصيدها الشعبي قبل الانتخابات المحلية المقرر إجراؤها في سبتمبر المقبل.

أضف لذلك، محاولة إحياء الدبلوماسية الجزائرية في المنطقة العربية بعد أن ظلت لفترة طويلة متمركزة إفريقيا، حيث يسهل لها الوقوف على مسافة واحدة من كل الدول العربية، إضافة إلى رئاستها منذ مارس الماضي للدورة الحالية العادية 147 لمجلس جامعة الدول العربية.

التوقيت ودلالاته:

يشير اختيار الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة لهذا التوقيت وتكليفه لوزير خارجيته للقيام بهذه الجولة إلى عدة دلالات، كل منها يرتبط بواحدة من القضايا التي ناقشها مساهل مع نظرائه في الدول الثماني. ويمكن تحديد أهمها فيما يأتي:

(*) تحجيم استغلال إخوان الجزائر للقضية الفلسطينية والأزمة القطرية لكسب شعبية في الانتخابات المحلية في سبتمبر المقبل، خاصة بعد التصعيد الإعلامي لحركة "حمس" وأخواتها ضد تصريحات فهمت بشكل خطأ لـ سامي بن عبدالله، السفير السعودى بالجزائر، حول حركة حماس الفلسطينية سبقت الجولة بأيام، حيث حاولوا استغلالها إعلاميا، مما قد يكون دافعا للحكومة الجزائرية إلى وضع القضية الفلسطينية على أجندة زيارة مساهل، خاصة أن الحكومة أو تيارات الإسلام السياسي في الجزائر تعلم مدى حساسية القضية الفلسطينية لدى الرأى العام.

(*) تصاعد الجهود لتسوية الأزمة الليبية: فجولة مساهل جاءت بعد لقاءات وزير الخارجية الجزائري مع فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق الوطني، وخليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي، خلال زيارته الأخيرة لباريس. وكان مساهل قد زار الإمارات العربية المتحدة في نهاية يوليو الماضي، وبحث مع نظيره الإماراتي، الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، تطورات الوضع في ليبيا. وبالتالي، يمكن القول إن الجزائر أدركت أهمية توقيت الجولة في عرض ما تم التوصل إليه مع الأطراف الليبية على الحكومة المصرية للتنسيق فيما بينهما لتسوية الأزمة.

(*) حرصت الجزائر على الاستفادة من رئاستها للدورة الحالية لمجلس جامعة الدول العربية في إعادة تنشيط دبلوماسيتها عربيا. وبالتالي، قد تكون الجزائر وجدت في الجولة العربية الوقت المناسب للبحث عن دور لها في المنطقة العربية، مستغلة في ذلك رئاستها للمجلس، والتي تصورت أنها تتيح لها القيام بوساطة في أزمة قطر تحت غطاء عربي مؤسسي، بعد تراجع الجهود الدولية والإقليمية في تسوية الأزمة.

أهداف معلنة:

 تركزت أهداف الزيارة التي تضمنها بيان نشرته وزارة الخارجية الجزائرية قبل سفر  مساهل للسعودية بأيام على عدة أزمات تحتاج حلحلتها إلى اتفاق عربي جماعي. وقد ناقشت الجولة أيضا أزمات ترتبط بأطراف بعينها. ويمكن تحديد ذلك كما يأـي: 

(*) دعم العلاقات الثنائية العربية- العربية وسبل تعزيزها، وكذلك تقريب وجهات النظر العربية حول القضايا الإقليمية المعلقة، خصوصا التي تعانيها ليبيا، وسوريا، واليمن، ومحاولة طرق الأبواب فيما يخص الأزمة القطرية.

(*) دراسة المستجدات في مدينة القدس والاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى، والدعوة لعقد قمة عربية لمناقشة التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية بعد معركة الأقصى الأخيرة، حيث دعا مساهل، قبل بدء جولته، فى أثناء الاجتماع الطارئ لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية العرب، الذي عقد في نهاية يوليو الماضي، إلى مواصلة الضغوط العربية على إسرائيل لعدم تكرار ممارساتها في الأقصى.

(*) مناقشة الاستراتيجية الجزائرية في مكافحة الإرهاب والتطرف، حيث عرض مساهل على نظرائه العرب التجربة الجزائرية في مجال مكافحة الإرهاب، وتأكيد موقف الجزائر المعارض لأي تدخل أجنبي في الشئون الداخلية لدول الأزمات.

نتائج محتملة:

تتعدد وتتنوع القضايا التي حملتها الجولة، فمنها ما يتعلق بأطراف بعينها، أو يتطلب توفق جماعي، ومنها ما يحقق نتائج محدودة، أو تقتصر نتائج مباحثاتها على نتائج رمزية تصب في مصلحة الدبلوماسية الجزائرية. ويمكن توضيح ذلك على النحو الآتى:

(*) نتائج ممكنة،قد تقتصر جولة مساهل عمليا فقط على الإعلان الرسمي عن تقارب وجهات النظر بين مصر، والجزائر، والإمارات حول التنسيق في مسار تسوية الأزمة الليبية. وقد كان هذا واضحا في إعلان وزيري خارجية البلدين عن تطابق وجهات النظر، حيث أكد سامح شكري، وزير الخارجية المصري، في المؤتمر الصحفي الذي عقد بالقاهرة فى أثناء تلك الجولة، تطابق وجهات النظر بين مصر والجزائر، خصوصا في تحقيق الهدف الرئيسي، وهو استقرار ليبيا، حيث قال إنه "تم الاتفاق على ضرورة التنسيق في نتائج المحادثات التي يرعاها البلدان، والمتعلقة بالشأن الليبي لتعزيز المصالح المشتركة". وأيضا، أكد  مساهل في اللقاء نفسه ضرورة التنسيق بين البلدين، قائلا  إن "حل الأزمة الليبية لابد أن يكون ليبيا، وننسق ذلك مع مصر وتونس".

 أما باقي أهداف الزيارة التي تضمنها بيان الخارجية الجزائرية، فمن المستبعد تحقيقها في ظل الظروف الإقليمية غير المستقرة. وقد تقتصر نتائج مباحثات الكثير منها على مجرد مبادرات جزائرية تصب فقط في تحسين صورة الدبلوماسية الجزائرية في الحكومة الجديدة.

(*) نتائج غير ممكنة، والتي من المستبعد أن تحققها الدبلوماسية الجزائرية من هذه الجولة في هذا التوقيت، وهو ما يتعلق بحلحلة الأزمة القطرية. يدلل على ذلك تصريحات  مساهل، سواء فى أثناء زيارته للمملكة العربية السعودية، أو فى أثناء زيارته لمصر، حيث رد  مساهل على تساؤل في المؤتمر الصحفي المشترك مع وزير الخارجية سامح شكري حول الجولة التي يقوم بها حاليا في المنطقة، وما إذا كان يحمل مبادرة لحلحلة أزمة قطر أم لا، قائلا إن "الجزائر لن تطرح مبادرة لحلحلة أزمة قطر مع الدول الخليجية والعربية، وإن الجزائر لا تتدخل في الشئون الداخلية لأي بلد، ولا تقبل أن يتدخل أحد في شئونها"، هذا على الرغم من أن بيان الخارجية الجزائرية تضمن صراحة أن المباحثات التي يجريها الوزير مساهل مع نظرائه في الدول العربية ستتركز أساسا حول “الأزمات التي تعانيها ليبيا، وسوريا، واليمن، ومنطقة الخليج”.

كذلك من المستبعد أن يتوافق جميع الأطراف التي تمت زيارتها مع وجهة النظر الجزائرية حول كيفية تسوية الأزمتين السورية واليمنية، حيث إن موقف الجزائر من هاتين الأزمتين واضح، ويختلف كثيرا مع دول خليجية. فقد التقى مساهل، عندما كان وزير الشئون الإفريقية، بشار الأسد في أبريل 2016، ورأى أن موقف الجزائر من سوريا مرتبط بالدعم اللامحدود لدمشق للثورة الجزائرية. 

 في النهاية، يمكن القول إن الظروف الإقليمية والعربية الراهنة ستظل عائقا أمام تحقيق جولة مساهل في الدول العربية لنتائجها المرجوة على الأرض، بل قد تكون تلك الزيارات رمزية في إطار دبلوماسية جديدة تتبناها حكومة عبد المجيد تبون. 

طباعة