مراجعات «النهضة».. ومصير «الإخوان»
5-6-2016

د. وحيد عبد المجيد
* مستشار مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام
يثير القرار الذي أقره المؤتمر العاشر لحركة «النهضة» التونسية قبل أيام، بشأن فصل السياسة عن العمل الدعوي (الديني)، والخروج من تيار «الإسلام السياسي»، جدلاً حول آثاره المحتملة على هذا التيار الذي وضعت جماعة «الإخوان» أساسه منذ نحو ثمانية عقود.
 
وجاء هذا القرار إثر مراجعة حدثت داخل حركة «النهضة» في العامين الأخيرين لتقييم مسارها منذ إنشائها في مطلع السبعينيات، وتجربتها في السلطة. غير أن العامل الرئيسي الذي دفع إلى هذه المراجعة هو الهبوط الدراماتيكي لجماعة «الإخوان» في مصر بعد وصولها السلطة التي لم تبق فيها أكثر من عام واحد. فقد أسهمت تجربة «الإخوان» المريرة في مراجعة «النهضة» توجهاتها للتخلص من أحد الأثقال التي يمكن أن تضعف دورها الذي تتطلع إليه. لذلك يُثار سؤال عن تأثير هذه المراجعة على جماعة «الإخوان»، وخاصة بعد أن صدر عن بعض قادتها ما يفيد إمكان الاتجاه إلى فصل السياسة عن الدعوة.
 
غير أنه فضلاً عن صعوبة تصور مثل هذا الفصل في حالة «إخوان» مصر وتنظيمات مازالت تابعة لهم في بلاد أخرى، فهو لا يكفي لحل أزمة هذه الجماعة بعد أن تفاقمت وتعقدت. فهناك اختلاف ملموس بين هذه الجماعة وحركة «النهضة» في تاريخ كل منهما، كما في هيكلهما التنظيمي. كانت «النهضة» أكثر قدرة على التطور مقارنة بـ«الإخوان»، حتى في الفترة التي كانت تابعة لها من خلال «التنظيم الدولي للإخوان». كما أن زعيم «النهضة»، راشد الغنوشي، تميز بانفتاح لم يتوفر للمجموعات التي هيمنت على قيادة «الإخوان» في مصر منذ تأسيسها. لذلك كانت هذه الجماعة طاردة لمن يُدركون أهمية الانفتاح، وخاصة من وصلوا إلى مكتب إرشادها في مرحلة أو أخرى.
ولو أن لدى جماعة «الإخوان» شيئاً من العقل لكانت هي المبادرة بإجراء مراجعات جوهرية، ولما أُثير السؤال عن إمكان اقتدائها بمبادرة «النهضة». كما أن الحديث عن مثل هذا الاقتداء يغفل اختلافاً أساسياً آخر على المستوى التنظيمي. فقد أُقيمت جماعة «الإخوان» على أساس أن الدعوة هي الأساس، لأنها الجاذبة للبسطاء والجالبة لمن يسهل التلاعب بمشاعرهم والتأثير عليهم باستخدام الدين، ثم إخضاعهم لهيمنة القيادة.
 
لذلك سُميت وحدتها القاعدية «أسرة»، لكي يؤدي اندماج العضو الجديد فيها إلى انفصاله تدريجياً عن أسرته الطبيعية. فالدعوة هي «السلعة» التي برعت جماعة «الإخوان» في بيعها لتوسيع عضويتها، والحصول على تعاطف شعبي، قبل انكشافها حين وصلت إلى السلطة.
 
أما حركة «النهضة» فبُنيت بطريقة أقرب إلى الأحزاب السياسية. ورغم أنها استخدمت بدورها الدعوة أداةً للتجنيد والتعبئة، ظلت مساحة السياسة فيها أكبر نسبياً، بخلاف جماعة «الإخوان» التي احتلت الدعوة مساحة أكبر فيها. لذلك تستطيع «النهضة»، بخلاف «الإخوان»، التحول إلى حزب سياسي يعتمد بشكل غير مباشر على شبكة من الجمعيات الاجتماعية والثقافية المرتبطة به.
 
وحتى إذا افترضنا جدلاً أن جماعة «الإخوان» تستطيع إجراء مراجعة مماثلة لما أقدمت عليه «النهضة»، فلن يكون لها أثر يُذكر في إنقاذها. فقد أصبحت أزمتها أكبر بكثير. ولم يعد الخلط بين الدعوة والسياسة إلا أحد جوانبها. فقد بلغ الجمود التنظيمي، الذي يحول دون حدوث أي تطور فيها، أعلى مبلغ، فانغلقت على نفسها. وصار استمرار الخلط بين السياسة والدعوة نتيجة وليس سبباً لهذا الجمود.
 
ويزداد خطر مثل هذا الجمود حين يكون العقل السياسي للتنظيم ضعيفاً أو مفقوداً. ففي هذه الحالة لا يجد التنظيم ما يضبط حركته ويكبح اندفاعه في لحظات معينة. ويشتد الخطر عندما تتنامى قوة التنظيم على الأرض، بينما يضعف العقل الذي يحدد اتجاهه.
 
ويتعذر تصور أي حل لأزمة «الإخوان» من دون مراجعة سياسة «التمكين» التي تبنتها، وحولتها إلى «عقيدة». وارتبط ذلك بإيمان عميق لدى قيادتها بـ«الاستخلاف» إلى الحد الذي جعل الخداع والحنث بالعهود جزءاً من منهج قادتها.
 
ورغم أن سقوطها بدأ بتراجعها عن تعهدها بعدم تقديم مرشح في انتخابات 2012 الرئاسية، فلم تصدر عن أي من قادتها وكوادرها إشارة إلى إدراك مغزى ذلك.
 
وهكذا تبدو أزمة «الإخوان» أكبر وأكثر تعقيداً وتركيباً على نحو لا تكفي لحله مراجعة مماثلة لتلك التي قامت بها «النهضة»، بافتراض إمكان الاقتداء بها.
 
-----------------------------
* نقلا عن الاتحاد الإماراتية، 1-6-2016.

رابط دائم: