آفاق التسوية السياسية في جنوب السودان
7-5-2016

د. أيمن شبانة
* مدرس العلوم السياسية بمعهد البحوث والدراسات الإفريقية، جامعة القاهرة
سعي أبناء جنوب السودان نحو الانفصال عن الدولة السودانية،‮ ‬اعتقادا منهم في أن الدولة المستقلة هي الآلية الأنسب للتحرر بكل أبعاده، دون أن يأخذوا في الحسبان المخاطر والتحديات التي يمكن أن تترتب على الانفصال، في ظل الانشقاقات بين التيارات السياسية الجنوبية، والاقتتال بين الجماعات الإثنية، والافتقار إلي الجدارة الاقتصادية التي تؤهل الجنوب لكي يكون دولة مستقرة وناهضة، فضلا عن هشاشة الدولة ورخاوتها‮.‬
 
وبعد الانفصال،‮ ‬ازدادت حدة الانقسامات بين الحركة الشعبية لتحرير السودان،‮ ‬والأحزاب الجنوبية الأخرى‮. ‬وامتدت الخلافات إلي داخل الحركة الشعبية ذاتها، بين رئيس الدولة،‮ ‬سيلفاكير ميارديت،‮ ‬ومعارضيه، وعلى رأسهم رياك مشار، نائب رئيس الدولة، وباجان أموم، الأمين العام للحركة الشعبية، وذلك بدعوي انتهاك الرئيس للدستور، وانغماسه هو وأعوانه في ممارسات فاسدة، وهيمنته على إدارة الحركة الشعبية‮.‬
 
وسرعان ما تحول الصراع السياسي بين الفرقاء السياسيين إلي حرب أهلية منذ ديسمبر‮ ‬‭.‬2013‮ ‬وبالرغم من توقيع اتفاق تقاسم السلطة بين أطراف الصراع في أغسطس‮ ‬2015،‮ ‬فإن هذا الاتفاق ظل محفوفا بالكثير من المخاطر التي تنذر بالانتكاس والعودة إلي العنف، الأمر الذي يثير تساؤلات عديدة بشأن مصير التوافق السياسي،‮ ‬ومن ثم مستقبل الدولة الوليدة‮.‬
 
أولا‮- ‬تطورات الصراع الداخلي‮:‬
 
اندلعت الحرب الأهلية في جنوب السودان في منتصف ديسمبر‮ ‬2013،‮ ‬وذلك إثر التعديل الوزاري الذي أطاح برياك مشار،‮ ‬وباجان أموم،‮ ‬وربيكا جارنج،‮ ‬أرملة جون جارنج،‮ ‬مؤسس الحركة الشعبية لتحرير السودان، وغيرهم من المعارضين، في يوليو‮ ‬‭.‬2013‮ ‬وتسارعت وتيرة العنف لتمتد إلي معظم ولايات جنوب السودان‮.‬
 
اتخذ الصراع بعدا إثنيا، بعدما اصطفت القوي السياسية،‮ ‬والميليشيات المسلحة خلف القيادات المتصارعة على أسس إثنية، فانضمت ميليشيات تابعة لـ‮ "‬الدينكا‮" ‬إلي صف الرئيس، فيما تضامنت بعض ميليشيات‮ "‬النوير‮" ‬مع رياك مشار،‮ ‬ووقفت إلي جانبه أيضا ميليشيا‮ "‬جونسون أولوني‮" ‬التابعة لـ‮ "‬الشيلوك‮"‬، متخذة من الصراع السياسي مدخلا لتصفية قضايا ثأرية إثنية قديمة‮.‬
 
أصبح الصراع أكثر خطورة مع سيطرة قوات التمرد الموالية لمشار على مدن استراتيجية في سبع ولايات جنوبية، قبل أن تتجه إلي ولايتي الوحدة وأعالي النيل،‮ ‬المنتجتين للنفط في جنوب السودان‮. ‬وهو ما زاد من خطورة الأوضاع، في ظل تنامي احتمالات توقف إنتاج النفط، بما يشكل ضربة جديدة لاقتصاد البلاد، بعد الضربة الأولي الناجمة عن إيقاف صادرات النفط من جنوب السودان،‮ ‬عبر ميناء بورتسودان على البحر الأحمر‮.‬
 
سعي أطراف الصراع إلي تكييف طبيعة الصراع وإدارته على النحو الذي يضمن لهم تحقيق أكبر قدر من المكاسب العسكرية، بما يمكنهم من تدعيم موقفهم التفاوضي،‮ ‬إذا ما بدأت مفاوضات التسوية السلمية‮.‬
 
1- ‬طبيعة الصراع‮:‬
 
بالنسبة لحكومة الجنوب، أعلن الرئيس سلفاكير أن الانقلاب العسكري الذي حدث ضد نظامه يجسد أطماع مشار وحلفائه في الوصول إلي السلطة في البلاد بشكل‮ ‬غير مشروع، مؤكدا وجود مؤامرة خارجية ضد جنوب السودان، تدعمها بعض الدوائر في دول الجوار‮. ‬في المقابل، فسر رياك مشار الحديث عن محاولة انقلابية ضد النظام بأنها ذريعة تستهدف الإجهاز على معارضي سلفاكير في الحركة الشعبية، استكمالا للخطوات التي بدأها بعزله هو وباجان أموم،‮ ‬وتغيير الحكومة‮.‬
 
أدي الصراع إلي إعلاء الولاءات التحتية لدي أطرافه، فتحصن سلفاكير بدينكا بحر الغزال،‮ ‬وعزل رئيس أركان قواته المسلحة،‮ ‬الجنرال جيمس هوث ماي، الذي ينتمي للنوير، ليعين بدلا منه الجنرال بول ملونق أوان، الذي ينحدر من دينكا بحر الغزال‮. ‬بينما تحصن مشار في مسقط رأسه بولاية الوحدة، معلنا تحالفه مع بيتر قديت، القائد العسكري الذي ينتمي للنوير، كما تحالف مع قوات ما يعرف بـ‮ (‬الجيش الأبيض‮)‬، التي تنتمي إلي النوير‮.‬
 
ويمكن القول إن الصراع في جنوب السودان هو صراع داخلي على مقدرات الدولة الوليدة من ثروة وسلطة، وأنه تغذي بفعل النزاعات الإثنية، والتنافس الشخصي بين عناصر النخبة السياسية، والتدخلات الخارجية، وأنه‮ ‬غير مدفوع بأي دوافع أيديولوجية،‮ ‬أو دينية،‮ ‬أو سياسية أخرى‮.‬
 
2- ‬أساليب إدارة الصراع‮:‬
 
أعلن الرئيس سلفاكير حالة الطوارئ في البلاد، وفرض حظرا للتجوال، واعتقل عددا من القيادات التي يشتبه في تورطها في الانقلاب‮. ‬وناشد حلفاءه الإقليميين الإسراع بنجدته‮. ‬كما زار السودان بهدف تأمين الجبهة الشمالية، وطلب الدعم من الخرطوم‮. ‬لكن أوغندا كانت هي الدولة الوحيدة التي تدخلت عسكريا بشكل مباشر لمساندة النظام في جنوب السودان‮.‬
 
سعي سلفاكير إلي التمسك بالسلطة، فأعلن تأجيل الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في عام‮ ‬2015‮ ‬إلي نهاية عام‮ ‬2018،‮ ‬حتي تكتمل عملية المصالحة الوطنية‮. ‬وتم تمرير قانون الأمن الوطني في أكتوبر‮ ‬2014،‮ ‬بما يوسع صلاحيات جهاز الأمن الوطني في التفتيش،‮ ‬والاعتقال،‮ ‬والمصادرة، ويحصن مسئولي الجهاز، الذي يعد بمنزلة جهاز الاستخبارات في البلاد، ضد المساءلة‮. ‬كما سعي إلي شق صفوف المتمردين،‮ ‬وعمل على تأمين جبهته الداخلية، وتقليص دوائر الصراع من حوله، بالتفاوض مع ميليشيا‮ "‬ديفيد ياو ياو‮" ‬المتمردة، التي تنتمي لجماعة المورلي الإثنية، حيث وقعت الحكومة اتفاقا معها في التاسع من مايو‮ ‬2014،‮ ‬تم بموجبه تعيين ياو ياو حاكما لمنطقة البيبور‮. ‬كما اقترح البعض نقل عاصمة الدولة من جوبا إلي واو، بحيث يصبح مركز السلطة السياسية والثقل العسكري في‮ ‬غرب بحر الغزال، بعد أن فقد سلفاكير الكثير من شعبيته في أعالي النيل،‮ ‬والولايات الاستوائية‮.‬
 
في المقابل،‮ ‬طالب مشار القوات المسلحة في جنوب السودان بالإطاحة بسلفاكير،‮ ‬بعدما أصبح خطرا على الوحدة الوطنية في البلاد‮. ‬ودعا الأمم المتحدة،‮ ‬والقوي الدولية والإقليمية إلي اتخاذ إجراءات ضد سلفاكير، وحماية البلاد من حكمه الديكتاتوري،‮ ‬وهو ما يعد سعيا مبكرا من جانب مشار إلي تدويل الصراع،‮ ‬والاستقواء بالخارج‮.‬
 
وقد عارض مشار أيضا نقل العاصمة إلي واو، مؤكدا أن ذلك يمثل مناورة من سلفاكير لتمزيق وحدة الصف بين دعاة الفيدرالية‮. ‬كما سعي إلي تجفيف منابع الدعم الخارجي لقوات سلفاكير، فقام بجولات خارجية شملت إثيوبيا،‮ ‬وكينيا،‮ ‬والسودان‮. ‬وخطط لمذبحة في مدينة بانتيو،‮ ‬راح ضحيتها المئات من أبناء دارفور،‮ ‬والتجار السودانيين، لقطع الطريق أمام التقارب بين جوبا والخرطوم‮. ‬كما طرح خيار الفيدرالية كمتطلب ضروري لتسوية الصراع السياسي‮.‬
 
ثانيا‮- ‬المواقف الإقليمية والدولية من الصراع‮:‬
 
تعاملت الأطراف الخارجية مع الصراع بحسبانه صراعا على السلطة بين القوي السياسية في جنوب السودان‮. ‬فلم تتعامل مع مشار وحلفائه بوصفهم متمردين يسعون إلي الإطاحة بنظام سلفاكير، خاصة في ظل وجود نوع من توازن القوي بين المتصارعين‮. ‬لذا،‮ ‬اتخذت معظم الأطراف الإقليمية والدولية موقف الحياد بين أطراف الصراع، على الأقل ظاهريا، مؤكدة حرصها على الوصول إلي تسوية تفاوضية للحرب الأهلية، على أساس تقاسم السلطة، دون إقصاء لأي طرف‮.‬
 
1- ‬المواقف الإقليمية‮:‬
 
أدان الاتحاد الإفريقي العنف المرتبط بالحرب الأهلية‮. ‬كما شكل فريقا من المحققين للوقوف على حقيقة مذبحة بانتيو، مهددا بإحالة ملف انتهاكات حقوق الإنسان في جنوب السودان إلي مجلس الأمن الدولي، توطئة لتقديمه إلي المحكمة الجنائية الدولية‮. ‬لكن الاتحاد لم ينشر نتائج لجنة التحقيق،‮ ‬ودعا بدلا من ذلك إلي إنشاء محكمة مختلطة من قضاة ومسئولين من جنوب السودان والدول الأخرى للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان‮.‬
 
والواقع أن إمكانيات الاتحاد لا تؤهله لأكثر من ذلك، حيث تقتصر جهوده‮ ‬غالبا على مجرد الوساطة الناعمة‮.‬ لذا،‮ ‬تم تحويل الصراع إلي المنظمة الإقليمية المعنية، وهي منظمة‮ "‬إيجاد‮"‬، للاستفادة مما تتمتع به من دعم مادي وسياسي من مجموعة أصدقاء‮ "‬إيجاد‮"‬، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة‮. ‬وبالفعل،‮ ‬كانت‮ "‬إيجاد‮" ‬أكثر تفاعلا مع الصراع، فأوفدت بعثة تضم وزارء خارجيتها إلي جنوب السودان، بهدف التوفيق بين أطراف الصراع‮. ‬واقترحت إرسال قوة لحفظ السلام في جنوب السودان، وهو الاقتراح الذي أيدته مفوضية الاتحاد الإفريقي‮.‬
 
وبالنسبة لدول الجوار الجغرافي والإقليمي، فقد ترأست إثيوبيا فريق الوساطة في إطار‮ "‬إيجاد‮"‬، وذلك انطلاقا من علاقاتها الوثيقة بالحركة الشعبية،‮ ‬وعدم رغبتها في اندلاع حرب أهلية على حدودها الغربية، خاصة مع تعقد الأوضاع على حدودها الشرقية في الصومال،‮ ‬وسعيها إلي خلق محور جديد لتحالفاتها الإقليمية، بتوثيق العلاقات مع كل من الخرطوم وجوبا، والحيلولة دون اختراق هذا المحور من جانب إريتريا‮. ‬لكنها رفضت التدخل العسكري لمصلحة سلفاكير، خشية تورط جماعات النوير الإثيوبية في الصراع لدعم فريق مشار، وبالتالي انتقاله إلي الداخل الإثيوبي‮.‬
 
وفيما يتعلق بأوغندا، فقد تدخلت عسكريا لمصلحة سلفاكير، نظرا للعلاقات الوطيدة بين الرئيسين موسيفيني وسلفاكير، ووجود اتفاقات للتعاون الدفاعي بين الدولتين، تجيز التدخل العسكري عند الاقتضاء‮.‬ وحرص موسيفيني على قطع الطريق أمام عودة متمردي‮ "‬جيش الرب‮" ‬للمقاومة إلي قواعدهم الخلفية في جنوب السودان، ورغبته في الفوز بنصيب من الثروة النفطية لجنوب السودان، وتوطيد العلاقات التجارية معها‮.‬
 
وبالنسبة لكينيا، فقد كانت من المتضررين من الصراع، لكنها فضلت المشاركة في جهود الوساطة بدلا من التدخل العسكري فيه، نظرا لسابق تدخلها ضد حركة الشباب المجاهدين في الصومال عام‮ ‬2011،‮ ‬واستمرار وجود قواتها في الصومال ضمن بعثة‮ "‬أميصوم‮"‬، وعدم رغبتها في مزيد من التورط في الصراعات الإقليمية‮.‬
 
وبخصوص السودان، فقد بادرت حكومته، وكذا تحالف المعارضة السودانية،‮ ‬بالدعوة إلي وقف القتال والتفاوض السلمي‮. ‬كما استقبل اللاجئين من جنوب السودان على أراضيه‮. ‬وبالرغم من ذلك،‮ ‬صدرت تقارير عديدة تتهم حكومة الخرطوم بتقديم الدعم التسليحي إلي قوات مشار بهدف زعزعة استقرار دولة الجنوب‮.‬
 
أما مصر، فقد حثت أطراف الصراع على الوصول إلي تسوية تفاوضية، حيث أكدت ذلك خلال زيارة وزير الخارجية المصري لجوبا، وكذا خلال زيارة سلفاكير للقاهرة في نوفمبر‮ ‬‭.‬2014‮ ‬لكنها لم تشارك فعليا في مفاوضات التسوية السلمية، في ضوء تحفظات المتمردين في جنوب السودان، وبعض دول‮ "‬إيجاد‮".‬
 
2- ‬المواقف الدولية‮:‬
 
على المستوى الدولي، حذرت الأمم المتحدة من اندلاع حرب أهلية واسعة النطاق في جنوب السودان،‮ ‬ودعت إلي التسوية السلمية للصراع،‮ ‬وأدانت أعمال العنف المرتبطة به، خاصة مذبحة بانتيو، فحملت المسئولية عنها لمشار، مؤكدة وقوف الدوافع الإثنية وراءها، وأهمية إجراء تحقيق دولي‮  ‬بشأنها‮.‬
 
لكن المنظمة لم تفرض حظرا شاملا على صادارات الأسلحة إلي جنوب السودان، وهو ما أثار الاتهامات للبعثة بالتخاذل، وأعاد إلي الأذهان الموقف المتخاذل للأمم المتحدة قبيل اندلاع الإبادة الجماعية في رواندا عام‮ ‬‭.‬1994
 
وبالنسبة للولايات المتحدة، فقد عملت على إجلاء رعاياها من جنوب السودان،‮ ‬وحذر رئيسها أوباما من تغيير النظام في جنوب السودان بالقوة المسلحة،‮ ‬مهددا بوقف المساعدات الأمريكية إلي جنوب السودان، وتوقيع عقوبات ضد المسئولين عن تصعيده،‮ ‬وعرقلة المصالحة الوطنية‮.‬
 
يمكن تفسير هذا الموقف الأمريكي بالسعي إلي تحقيق الاستقرار في جنوب السودان، وبأي ثمن، حتي لو كان ذلك على حساب العدل، خاصة أنها كانت الداعم الأكبر للحركة الشعبية،‮ ‬ولقضية انفصال الجنوب، ولا تريد أن تري تجربتها في تفتيت الدول تفشل في جنوب السودان، بما قد يؤثر بالسلب في محاولاتها لتفتيت دول أخرى،‮ ‬مثل سوريا،‮ ‬والعراق،‮ ‬وغيرهما‮. ‬كما تحرص واشنطن على إقامة علاقات متوازنة مع كل من سلفاكير ومشار، بما يضمن النجاح لمشروعها في جنوب السودان، ويسهم في إزاحة الاستثمارات الصينية في قطاع النفط‮.‬
 
وبالنسبة للصين، فهي الشريك التجاري الأول لجنوب السودان، والمستثمر الأكبر في قطاع النفط فيها،‮ ‬إذ تؤمن‮ ‬5٪‮ ‬على الأقل من وارداتها النفطية من جنوب السودان‮. ‬لذا،‮ ‬سعي وزير خارجيتها إلي إقناع أطراف الصراع بالبحث عن تسوية تفاوضية للصراع‮. ‬كما شاركت بكتيبة،‮ ‬قوامها‮ ‬700‮ ‬جندي ضمن بعثة‮ "‬يوناميس‮". ‬لكن بكين لم تطرح مبادرات سياسية معنية، أو تفرض عقوبات على أطراف الصراع‮. ‬بل إن الشركات الصينية الخاصة انخرطت في تزويد أطراف الصراع بصفقات السلاح السرية‮. ‬وهوما يمكن تفسيره بالتركيز الصيني على جانب الاقتصاد، دون الانغماس في معتركات السياسة في إفريقيا‮.‬
 
أما دول الاتحاد الأوروبي، فقد كانت أقل تفاعلا مع الصراع، فاكتفت بالمطالبات بوقف إطلاق النار، والبحث عن تسوية سلمية‮.‬ ثم اضطر الاتحاد الأوروبي إلي فرض إجراءات عقابية ضد عدد من القيادات الجنوبية للضغط عليهم من أجل القبول بالتسوية السلمية‮.‬
 
ثالثا‮- ‬مآلات الصراع وجهود التسوية‮:‬
 
اتسع نطاق الصراع ليشمل أكثر من ثلاثين موقعا تغطي معظم ولايات دولة الجنوب‮. ‬واتجهت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتدهورة ابتداء نحو المزيد من التدهور، وذلك بوتيرة متسارعة، تنذر بكارثة إنسانية محققة، مما اضطر أطراف الصراع إلي الدخول في مفاوضات لتسويته سلميا‮.‬
 
تشير الأرقام إلي تجاوز عدد القتلي عشرة آلاف مواطن، واضطرار نحو‮ ‬2‭.‬25‮ ‬مليون مواطن إلي مغادرة مواطنهم، من ضمنهم نحو‮ ‬730‮ ‬ألف لاجئ خارج حدود الوطن، حيث يعيش هؤلاء أوضاعا إنسانية بالغة التردي‮.‬
 
جاءت تقارير الأمم المتحدة،‮ ‬وبرنامج الغذاء العالمي لتحذر من كارثة إنسانية مروعة في جنوب السودان، ومن مجاعة هي الأسوأ منذ عقد الثمانينيات من القرن المنصرم، حيث بلغ‮ ‬عدد المواطنين الذين يحتاجون إلي إمدادات‮ ‬غذائية عاجلة زهاء‮ ‬4‮ ‬ملايين مواطن، بينما كان الإنفاق الدفاعي يلتهم أكثر من‮ ‬40٪‮ ‬من ميزانية الدولة‮.‬
 
هنا،‮ ‬اضطر أطراف الصراع إلي القبول بالتفاوض، فجرت المفاوضات بشكل‮ ‬غير مباشر في أديس أبابا، لتسفر عن توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار في يناير‮ ‬‭.‬2014‮ ‬لكن الاتفاق انهار سريعا، فيما أصر كل طرف على تحميل خصمه المسئولية عن خرقه‮. ‬أعقب ذلك مفاوضات مباشرة بين سلفاكير ومشار في مايو‮ ‬2014،‮ ‬تحت وطأة الضغوط الدولية والإقليمية، والخوف من تحريك ملف انتهاكات حقوق الإنسان إلي المحكمة الجنائية الدولية، مما أسفر عن مجموعة من الاتفاقات، التي تراوحت حظوظها بين التعثر في البداية،‮ ‬والفشل في نهاية المطاف‮.‬
 
اتفاق تقاسم السلطة‮:‬
 
شهد عام‮ ‬2015‮ ‬انفراجة نسبية،‮ ‬إثر استضافة مدينة أروشا التنزانية جولة من المحادثات، أفضت إلي توقيع اتفاق إعادة الوحدة بين التيارات المتصارعة داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان، والتمهيد لتوقيع اتفاق لتقاسم السلطة في أديس أبابا في فبراير‮ ‬‭.‬2015‮ ‬وقد منح وسطاء السلام أطراف الصراع مهلة لتوقيع الاتفاق النهائي قبل الخامس من مارس‮ ‬‭.‬2015
 
لكن المفاوضات سارت بوتيرة بطيئة بسبب وجود كثير من القضايا الخلافية‮. ‬واستمر ذلك إلي أن تقدمت الولايات المتحدة بمشروع قرار إلي مجلس الأمن الدولي لفرض عقوبات على أطراف الصراع، فاضطر مشار إلي توقيع الاتفاق في‮ ‬17‮ ‬أغسطس‮ ‬2015،‮ ‬وتبعه سلفاكير في‮ ‬26‮ ‬أغسطس، بينما تأخرت الأحزاب الجنوبية الأخرى في التوقيع‮.‬
 
1- ‬محاور اتفاق تقاسم السلطة‮:‬
 
نص الاتفاق على إعطاء الأطراف الموقعة مهلة مدتها‮ ‬90‮ ‬يوما، يتم خلالها تهيئة الأوضاع لتنفيذ الاتفاق، تعقبها فترة انتقالية لا تتجاوز ثلاثين شهرا، يحتفظ خلالها سلفاكير برئاسة الدولة، فيما يصبح مشار نائبا أول للرئيس، مع تعيين نائب آخر للرئيس ينتمي إلي القبائل الاستوائية، وأن يتم تشكيل حكومة وحدة وطنية لإدارة شئون البلاد، وتقاسم السلطتين التنفيذية والتشريعية، وتشكيل لجنة لإصدار دستور جديد، وإجراء الانتخابات العامة، وإنجاز عملية المصالحة، وإعادة الإعمار، وإعادة توطين اللاجئين والنازحين‮.‬
 
2- ‬عقبات في طريق الاتفاق‮:‬
 
تبادلت أطراف الصراع الاتهامات بشأن خرق وقف إطلاق النار‮. ‬كما أصدر سلفاكير قرارا من جانب واحد في أكتوبر‮ ‬2015‮ ‬بإعادة التقسيم الإداري لولايات الجنوب العشر، وزيادة عددها إلي‮ ‬28‮ ‬ولاية، على أساس إثني في الغالب، بما يفرغ‮ ‬بند تقاسم السلطة من محتواه‮. ‬إذ يعطي الاتفاق لفريق مشار حكم ولايتي الوحدة وأعالي النيل، بينما تم تقسيمهما،‮ ‬وفقا لقرار سلفاكير،‮ ‬إلي سبع ولايات، وهو ما يحرم‮ "‬النوير‮" ‬من السيطرة على حقول النفط‮.‬
 
ويعود هذا التعثر إلي عوامل عديدة،‮ ‬أهمها‮: ‬الاعتقاد في أنه يصب بالأساس في جانب المتمردين، لأنه جاء بمشار كنائب أول لرئيس الدولة،‮ ‬ومنحهم الحق في تقاسم الثروة والسلطة، وإدماج المقاتلين في القوات المسلحة الوطنية‮. ‬كما أنه يخلو من أي قيود على إمكانية ترشح مشار كرئيس للدولة،‮ ‬بالإضافة إلي تركيزه على تقاسم الثروة والسلطة بين النخبة السياسية، دون معالجة حقيقية للمسائل المتعلقة بإقرار العدل،‮ ‬وإعادة بناء الاقتصاد المتداعي‮.‬
 
ولعل ذلك هو ما يفسر تردد سلفاكير في توقيع الاتفاق، ثم السعي إلي عرقلة تنفيذه، خاصة أنه لم يمنحه أي امتيازات‮. ‬كما أنه لم ينل قبول الأحزاب السياسية، فلم توقعه حتي حلول موعد إنفاذه في‮ ‬18‮ ‬نوفمبر‮ ‬2015،‮ ‬وكذا تعارضه الزعامات التقليدية المنتمية لجماعة الدينكا، خاصة أن العديد منهم ربما‮ ‬يفقدون مناصبهم لمصلحة المتمردين في إطار عملية تقاسم السلطة‮.‬
 
رابعا‮- ‬احتمالات المستقبل‮:‬
 
في ظل تعثر تطبيق اتفاق تقاسم السلطة، تزايدت المخاوف بشأن أثر الحرب الأهلية على مستقبل الدولة في جنوب السودان‮. ‬وهنا،‮ ‬يمكن الحديث عن ثلاثة مسارات يحتمل أن يتخذها هذا الصراع، وهي إنفاذ اتفاق التسوية السلمية، وتقاسم السيطرة على الدولة بين الخصمين الأساسيين، والنكوص إلي حالة الحرب الأهلية الشاملة والممتدة‮.‬
 
1- ‬إنفاذ اتفاق التسوية السلمية‮:‬
 
يعود هذا الاحتمال إلي أن ظاهرة الانشقاقات السياسية في الدول الوليدة من الأمور المألوفة، وذلك بفعل الافتقار إلي خبرة إدارة الدولة، وعدم تبلور مؤسسات الحكم،‮ ‬والأحزاب السياسية، والتنافس لأجل السيطرة على مقدرات الدولة‮.‬
 
ويتعزز هذا الاحتمال بعد إعادة تعيين مشار فعليا كنائب لرئيس الدولة في فبراير‮ ‬2016،‮ ‬فضلا عن أن الاتحاد الإفريقي ودول الجوار ليس من مصلحتهما استمرار الصراع‮. ‬بالإضافة إلي أن الولايات المتحدة، التي كانت،‮ ‬ولاتزال،‮ ‬الداعم الأساسي لانفصال الجنوب لن تقبل بتدهور الأوضاع في هذه الدولة، وهو ما يصدق على الصين أيضا‮. ‬لذلك، فمن المتوقع أن تتواصل الجهود لإنفاذ اتفاق تقاسم السلطة‮.‬
 
2- ‬تقاسم السيطرة على الدولة‮:‬
 
يظل هذا الاحتمال قائما في ظل تباين المصالح بين دول‮ "‬إيجاد‮" ‬وتقاطع وجهات نظرها بشأن طبيعة التسوية المثلي للصراع، ووجود خروقات متبادلة لوقف إطلاق النار بين أطراف الصراع، وسيطرتها على المدن الاستراتيجية،‮ ‬وكذا مقدرات الدولة‮. ‬وهنا،‮ ‬سيسعي‮ "‬النوير‮" ‬إلي بسط سيطرتهم على مناطق نفوذهم التقليدي في أغلب مناطق ولاية جونجلي، وولاية الوحدة، وجزء من جنوب ملكال بولاية أعالي النيل، وبعض المناطق في بحر الغزال‮. ‬في حين سيهيمن‮ "‬الدينكا‮" ‬على باقي الولايات‮.‬
 
لكن هذا الوضع إذا ما حدث،‮ ‬فمن المتوقع ألا يستمر طويلا، حيث إنه وضع لا يوجد فيه فائز أو مهزوم‮. ‬ومن ثم،‮ ‬نصل إلي النقطة التي تسمي‮ (‬نضج الصراع‮)‬، أي التي يصل فيها الصراع إلي حالة القابلية للتسوية،‮ ‬عبر مائدة التفاوض، من خلال وسطاء دوليين وإقليميين، خاصة أن استمرار الصراع في هذه الحالة يعد ترفا لا يعني سوي استنزاف القدرات العسكرية،‮ ‬والمالية،‮ ‬والبشرية لأطرافه‮.‬
 
3- ‬العودة إلي الحرب‮:‬
 
هذا المسار ربما يتحقق إذا استمر تباين المواقف السياسية، وتعقد إنفاذ اتفاق التسوية السلمية، بالتزامن مع تكون شبكة من التحالفات الإثنية المؤيدة لهذا الطرف أو ذاك، بما يؤدي إلي اتساع نطاق المواجهات الأمنية، لتغطي ربوع البلاد، فنصبح أمام حالة تشبه‮ "‬حرب الكل ضد الكل‮". ‬ويعزز هذا الاحتمال استمرار تدفق السلاح إلي جنوب السودان، وأن الحركة الشعبية تملك تاريخا ممتدا من الصراعات الداخلية، وأن القيادات الحالية للحركة لا تؤمن عمليا بقيم التعايش،‮ ‬وقبول الآخر، بقدر ما تسعي إلي إقصاء الآخر، وأن أطراف الصراع لا تسيطر بشكل كامل على قواتها‮.‬
 
وفي حال حدوث هذا السيناريو الكارثي، فإن قائمة الخاسرين ستضم أطرافا عديدة،‮ ‬أولها شعب جنوب السودان، الذي أصبح هو الوقود لذلك الصراع السياسي الإثني‮. ‬كما ستطول الخسارة المستثمرين الأجانب،‮ ‬ودول الجوار الجغرافي والإقليمي‮. ‬فالسودان سوف‮ ‬يتكبد خسائر فادحة سياسيا،‮ ‬واقتصاديا،‮ ‬وأمنيا، بفعل تجمد مفاوضات تسوية القضايا المعلقة مع جنوب السودان، وتوقف إنتاج النفط فيها، وتدفقات اللاجئين المتوقعة، واحتمالية تورط الحركة الشعبية لتحرير السودان‮ -‬قطاع الشمال‮- ‬في الصراع، لمناصرة مشار، وهو ما قد يعني امتداد الاشتباكات المسلحة إلي ولايتي جنوب كرفان والنيل الأزرق الشماليتين‮.‬
 
الخسارة أيضا سوف تطول دولا أخرى،‮ ‬مثل إثيوبيا،‮ ‬وكينيا،‮ ‬وأوغندا، التي يتوقع أن تتأزم اقتصاديا، بفعل انكماش حركة التجارة مع جنوب السودان، وعودة العمالة التابعة لها، هربا من الحرب‮. ‬كما يمكن أن يشهد شمال‮ ‬غرب أوغندا نشاطا متزايدا لجيش الرب للمقاومة، مستغلا حالة الفوضي في جنوب السودان‮.‬
 
وبالنسبة لمصر، فلن يكون بمقدورها إحراز أي تقدم في ملف التعاون المائي مع جنوب السودان، مثلما حدث من قبل،‮ ‬عندما توقف العمل بمشروع قناة جونجلي عام‮ ‬1983،‮ ‬وهو ما يضيف المزيد من الضغوط على الوضع المائي المتأزم في مصر،‮ ‬في ظل احتدام أزمة سد النهضة منذ أبريل‮ ‬‭.‬2011
 
خاتمة‮- ‬مستقبل الدولة‮:‬
 
تبدو احتمالات تحقق السيناريوهات الثلاثة سالفة الذكر قائمة‮. ‬لكن المسار الثاني‮ "‬تقاسم السيطرة على الدولة‮"‬ هو الأقرب إلي التحقق في المستقبل المنظور، وذلك بالنظر إلي التحفظات الكثيرة التي أوردها أطراف الصراع على اتفاق تقاسم السلطة، وصعوبة إنفاذ الاتفاق، وتوقع امتداد الفترة الانتقالية المحددة لتنفيذه، واحتمالات تجدد القتال‮. ‬لذا،‮ ‬من المتصور أن تستمر حالة عدم الاستقرار في جنوب السودان على المدى القريب‮.‬
 
ولهذا،‮ ‬فإن التسوية السلمية بهذه المعطيات لن تؤمن لأبناء الجنوب الاستقرار المنشود‮. ‬إذ يتطلب ذلك جهودا متواصلة لخلق هوية وطنية مشتركة تجمعهم، بما يعزز قيم المشاركة،‮ ‬وعدم الإقصاء، والالتزام بالدستور، وتعزيز سيادة القانون، والأخذ بنمط من تقاسم السلطة، يقوم على صيغة توازنية، تضمن تمثيلا عادلا للقوي السياسية،‮ ‬والمكونات الإثنية، كل حسب وزنه السياسي،‮ ‬وقوته العددية، وذلك على نحو ما هو كائن في الدول المتعددة إثنيا، بحيث لا تصبح الدولة الجديدة كالقفص الحديدي الذي أُغلق عنوة على من بداخله‮.‬
 
وهنا،‮ ‬يمكن للنظام في جنوب السودان التغلب على عقبة بناء الهوية الوطنية، التي تعد عملية تطورية طويلة المدى، بإقرار مفهوم آخر هو‮ (‬المواطنة الدستورية‮)‬، وهي صيغة يرتكز فيها الولاء الوطني على‮ "‬مبادئ الدستور‮"‬، بدلا من المفاهيم الجدلية التقليدية،‮ ‬من قبيل القومية،‮ ‬والطائفية، والتراث، والثقافة،‮ ‬والتاريخ المشترك، والتقاليد، وغيرها‮.‬
 
ففي ظل المواطنة الدستورية، سيكون هناك نوع من العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، بحيث يتمتع جميع المواطنين بالحقوق الدستورية مقابل الالتزام بالواجبات الدستورية، على أن تصنف مسألة الانتماءات القومية،‮ ‬والدينية،‮ ‬والطائفية،‮ ‬والأيديولوجية كحق من حقوق المواطن الدستورية، التي لا يقيدها سوي تجاوز الدستور، والتآمر على الدولة، والخيانة العظمي‮. ‬فهنا،‮ ‬يمكن تقليص الحقوق الدستورية للمواطن، جزئيا أو كليا‮.‬
 
لكن ينبغي الأخذ في الحسبان عدم امكانية الاعتماد بشكل مطلق على صيغة المواطنة الدستورية كحل لقضية الهوية،‮ ‬وتحقيق الاستقرار في جنوب السودان‮. ‬إذ من الأنسب عدّها بمنزلة‮ (‬صيغة مؤقتة‮)‬ تتوخي تحقيق الاستقرار السياسي،‮ ‬والأمني، وصولا إلي صيغة‮ "‬الهوية الوطنية‮"‬، على المدى الطويل، والتي يسمو عندها الولاء للوطن على حساب الولاءات التحتية الضيقة‮.‬

رابط دائم: