‬انتهاء الإمبراطورية‮:‬ القوة العسكرية واستراتيجيات بناء النفوذ الدولي
25-10-2015

مالك عوني
* مدير تحرير مجلة السياسة الدولية، كاتب وباحث مصري في العلاقات الدولية، مؤسسة الأهرام
لم يعد موضع جدل كبير كيف استغلت إدارة الرئيس الأمريكي، جورج بوش الابن، هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة لبدء دورة جديدة من إحدي أكثر دورات النزعة التدخلية الأمريكية في الشئون الدولية عنفا وتكلفة. تلك الحقبة، التي شهدت غزو بلدين من بلدان ما عرفته الدبلوماسية الأمريكية بـ"الشرق الأوسط الكبير" (أفغانستان في نوفمبر 2001، والعراق في مارس وأبريل 2003)، واحتلالهما، عرفت تأييد التيار المعروف بـ "الدوليين الليبراليين"، وكان من أبرز رموزه في تلك الفترة رئيس الوزراء البريطاني، آنذاك، توني بلير، للتوجهات التدخلية والتوسعية للمحافظين الجدد في الولايات المتحدة.
 
جاء هذا التأييد متعارضا بشكل واضح ومثير مع ما هو مشهور في فضاء التعريفات السياسية من تباين كلا التيارين في توجهاتهما والقوي السياسية التي تعبر عنهما تقليديا في الولايات المتحدة. تباين في التوجهات مرده إعلاء "الدوليين الليبراليين" من نشر القيم الليبرالية، والديمقراطية، وحرية الأسواق في مختلف بلدان العالم بعدّها أهدافا أساسية ينبغي أن تتقيد بها الدول في سياستها الخارجية، وفي علاقتها مع الدول الأخري، حتي إنهم يبررون التدخل الدولي لإعلاء تلك القيم. بينما في المقابل، يعلي تيار المحافظين الجدد الأمريكي من غايتي تحقيق مصالح الولايات المتحدة، والحفاظ علي هيمنتها الدولية بعدّهما الأولوية الرئيسية لأي سياسة خارجية أمريكية.
 
وبينما يرجو "الدوليون الليبراليون" أن يعزز التزام دولي بالعمل علي نشر تلك القيم عالميا تأسيس هياكل دولية تدفع نحو بروز نظام دولي ليبرالي وديمقراطي يشهد تمثيلا متوازنا وعادلا لمختلف أطراف هذا النظام ومصالحها، فإن "المحافظين الجدد"، في المقابل، لا يرون بأسا أو حرجا في تجاهل عدالة تمثيل مصالح الأطراف الدولية الأخري ورؤاها، إذا ما تعارضتا مع مصالح الولايات المتحدة أو هيمنتها. ولا تمثل ديمقراطية العلاقات الدولية بأي حال إحدي أولويات هذا التيار أو همومه. كما يميل "المحافظون الجدد" إلي التغافل، كذلك، عن قيم الليبرالية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، إذا ما كان من شأن التقيد بأي من تلك القيم في مسألة من مسائل العلاقات الدولية تعريض مصالح الولايات المتحدة أو هيمنتها للخطر.
 
وكان من الطبيعي والمنطقي أن يقود هذا التباين المبدئي في الغايات إلي تباين القوي السياسية التي تعبر عن أفكار كل من التيارين، وتدافع عنها في النظام السياسي الأمريكي. إذ غالبا ما تم ربط تيار "الدولية الليبرالية" بالحزب الديمقراطي الأمريكي، بينما أضحي الكثير من منظري المحافظين الجدد والمنتمين له شخصيات سياسية فاعلة ومؤثرة خلال كل الإدارات الجمهورية التي توالت علي رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، منذ سبعينيات القرن العشرين.
 
ورغم تعهد جورج بوش الابن، خلال حملته الانتخابية في عام 2000، بعدم استخدام القوة الأمريكية دفاعا عما سماه "القيم المتعالية"، أو إعلاء لها، علي غرار ما حدث علي نحو محدود ولكن متكرر إبان ولاية سلفه الديمقراطي بيل كلينتون، فإن ما جمع هذين التوجهين المتعارضين مبدئيا هو سعي الإدارة الأمريكية لاستغلال مقولات الدولية الليبرالية لمنح التوسع في النزعة التدخلية الأمريكية غطاء أخلاقيا يبرر استخدام القوة العسكرية الأمريكية لإحداث تغيير سياسي في بعض الدول والمناطق المستهدفة حول العالم. وفي إطار محاولة توفير بناء نظري لتلك النزعة، عدّ وجود نظم استبدادية وغياب الديمقراطية في عدد من بلدان الشرق الأوسط هما العاملين الأساسيين وراء انتشار التطرف وبروز تنظيمات إرهابية لم تعد تستهدف فقط الأنظمة الاستبدادية في تلك البلدان، ولكن القطب الأمريكي الذي يسمح بوجود تلك الانظمة واستمرارها، إن لم يكن يدعمها كذلك. وبالتالي، باتت إطاحة تلك الأنظمة أحد شروط نجاح الحرب علي الإرهاب التي أعلنتها إدارة بوش الابن، عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر.
 
لم تكن غاية إدارة بوش الابن من انتحال مقولات تيار "الدولية الليبرالية" لتبرير تدخلها الدولي مجرد إزالة مصادر تهديد فعلية، أو حتي متصورة، في ضوء مذهبها الذي طورته عن الحرب الاستباقية، ولكنها كانت، من وراء ذلك كله، تستهدف تبرير احتلالها عددا من الدول التي تحقق أهدافا استراتيجية بحسب رؤية المصالح الامريكية آنذاك، وتغيير أوضاعها السياسية الداخلية، وأدوارها الإقليمية بما يتواءم مع تلك المصالح. تمت إدارة عملية التغيير تلك من خلال عدة برامج حملت مسميات تتوافق مع منظومة القيم المنتحلة مثل: نشر الديمقراطية، أو إعادة الإعمار، أو إعادة بناء الدولة، انتهاء إلي مكافحة التمرد، ومعركة كسب العقول والقلوب في المراحل الأخيرة من الوجود الأمريكي في كل من العراق وأفغانستان، بعدما ثبت فشل كل البرامج السابقة في تحقيق أهدافها المعلنة من تأسيس لأنظمة ديمقراطية، أو إعادة بناء كفء، فضلا عن أن تكون ديمقراطية، للدول التي تم غزوها ومؤسساتها. بل وبعدما ثبت أن هذا التدخل لم ينجح حتي في ضمان المصالح الأمريكية أو تعزيزها، بل جعلها موضع تهديد متزايد، وجعل الولايات المتحدة في دائرة الضغط والمساومة من قبل أطراف إقليمية ودولية عدة، أمكنها تحدي الوجود الأمريكي في هاتين الدولتين، وتحويله إلي عامل استنزاف للموارد الأمريكية، ولصورة الولايات المتحدة ومكانتها كقوة عظمي، وقائد للنظام الدولي قادر علي ممارسة الضبط والسيطرة.
 
جراء دورة التوسع التدخلي الأمريكي خارجيا تلك، تبينت النخبة السياسية الأمريكية، من جمهورية وديمقراطية، أن محاولة استدعاء ميراث بناء الإمبراطوريات بمعناها التقليدي، وإعادة إنتاجه، من خلال السيطرة المباشرة، واستخدام القوة العسكرية، وانتحال نظرية مثالية علي غرار "رسالة الرجل الأبيض"، لم تعد فقط أمرا عسيرا للغاية في عالم اليوم، وحتي في أشد مناطقه ضعفا وتهاويا، ولكنه أضحي السبيل الأيسر لاستنزاف أي قوة دولية، ورفع سقف المخاطر في مواجهتها. ومع تعدد العوامل التي أفضت إلي ذلك الإخفاق، والتي يقع في مقدمتها النسق الإدراكي المغلق الذي هيمن علي المحافظين الجدد، خلال السنوات الست الأولي من ولاية جورج بوش الابن، في ترجمة جلية لمقولات المدرسة البنيوية "Constructivism"، التي تري أن القضية الأمنية هي مسألة إدراكية بالأساس، فقد كان لحقبة جورج بوش الابن تأثيرات مهمة في البيئة الأمنية العالمية، والسياسات الدفاعية، وسياسات التسلح، ليس فقط علي مستوي الولايات المتحدة، ولكن حول العالم  بأسره. ويمكن إجمال أبرز تلك التاثيرات فيما يأتي:
 
1- تعزيز التوجه نحو دعم وتوسعة القوة العسكرية لدي الدول والقوي المراجعة حول العالم، خاصة كلا من روسيا، والصين، وإيران. وبالطبع، فإن تلك الدول الثلاث كانت تتبني برامج تحديث عسكري يعكس طموحها في تبوؤ مكانة دولية وإقليمية متميزة، وتتيح لها حماية مصالحها الآخذة في الاتساع والانتشار، مع تنامي قوتها الاقتصادية. إلا أن نموذج الغزو الأمريكي، والاقتراب الأمريكي العسكري الاستراتيجي من حدود كل من الدول الثلاث دفعا برامج التسلح تلك دفعا كبيرة إلي الامام من أجل بناء قوة ردع في مواجهة أي تهديدات أمريكية.
 
وبحسب ما يوضح الرسم البياني رقم (1)، يلاحظ أن الإنفاق العسكري الأمريكي، مقوما بالأسعار الثابتة لعام 2011، تزايد بشكل كبير ومنتظم، عقب هجمات 11 سبتمبر 2001، حتي بلغ ذروته في عام 2010 ليسجل 720 مليارا و282 مليون دولار، ليبدأ بعد ذلك التاريخ يشهد تراجعا متواصلا كذلك، وسجل هذا الإنفاق في عام 2013 أكبر انخفاض منذ عام 1991، حين تراجع من 671,097  مليار دولار في عام 2012، إلي 618,681 مليار في عام 2013. وبقدر ما يرتبط هذا الانخفاض بخفض الانخراط الأمريكي العسكري المباشر في صراعات عنيفة في الخارج، فإنه يشير لتحولات أساسية في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية سنشير لاحقا.
 

أما علي الصعيد العالمي، وبحسب ما يوضح الشكل رقم (2)، فيلاحظ أن اتجاها مماثلا لمسار الإنفاق العسكري الأمريكي شهده الإنفاق العالمي، مقوما بالأسعار الثابتة لعام 2011 كذلك. لكن اللازم الانتباه إليه في هذا السياق يتمثل في أن معدل انخفاض الإنفاق العسكري الأمريكي، الذي بلغ نحو 14 بين عامي 2010 و2013، يزيد بفارق جوهري عن معدل الإنفاق في الإنفاق العسكري العالمي، والذي يتراوح حول2,5 ، خلال الفترة نفسها. وفي الواقع، فإن الإنفاق العسكري العالمي كان ناجما عن خفض الإنفاق العسكري في الولايات والدول الغربية، بينما كان يتزايد في بقية دول العالم. بعبارة أخري، أسهمت النزعة الإمبراطورية للمحافظين الجدد في الدفع نحو عسكرة العالم. ورغم تراجع هذه النزعة أمريكيا، فإن تداعياتها فيما يتعلق بعسكرة العالم لا تزال تكتسب زخما.
 
2- إطلاق قوي الطائفية والصراع الإثني في منطقة الشرق الأوسط، والذي بات تأثيره يتجاوز حدود المنطقة، ويلقي بآثاره علي نطاق عالمي. وفي الواقع، فإن خبرة الإدارة الأمريكية في كل من أفغانستان والعراق لم تنح إلي محاولة بناء ديمقراطية ليبرالية تتجاوز الانقسامات الإثنية والطائفية، وتكرس مفهوم المواطنة، بقدر ما سعت إلي اللعب علي ورقة التنافس الإثني والطائفي بين مكونات الشعبين الأفغاني والعراقي، في محاولة لأن يسهم هذا التنافس في ازدياد طلب القوي المحلية في كلتا الدولتين علي الوجود الأمريكي. ولكن تلك السياسة أتت بآثار عكسية تماما، حيث جري استغلالها من قبل أنظمة إقليمية لرفع حدة الصراع الطائفي بما يتجاوز قدرة الولايات المتحدة علي إدارته وضبطه ليصبح عامل استنزاف لها من جهة، وبما يعزز من نفوذ تلك الأطراف إقليميا لضمان استمرار الاحتياج الأمريكي لها في إدارة الصراعات الإثنية المعقدة، من جهة أخري.
 
وإذ انقلب السحر علي الساحر، فقد أدركت الولايات المتحدة أن عبء تلك الصراعات، وما يترتب عليها من مساومات إقليمية، بات، من جهة، غير مبرر من منظور العائد بالنسبة لضمان المصالح الأمريكية، بل وبات، من جهة أخري، عامل خصم وتهديد لتلك المصالح وقيدا علي حرية الحركة الأمريكية. لكن التأثير الأخطر لتلك الصراعات هو في الكشف عن تهافت دعاوي "الدولية الليبرالية" الخاصة بتعزيز القيم الليبرالية التي حاول التدخل الأمريكي التستر خلفها، مما وضع القيادة الأمريكية للنظام الدولي بأسره في موضع توجس وحذر، بل ومراجعة متزايدة. لذا، جاء القرار الأمريكي بالانسحاب من كلتا الدولتين لمحاولة وقف نزيف الخسائر المادية والمعنوية في آن واحد، لكن بقيت طاقة الصراع الطائفي التي تم تحفيزها تتفاعل لتخلق واقعا أمنيا جديدا يشمل عدة تهديدات جسيمة، لعل أبرزها: تزايد احتمال انهيار عدد من دول المنطقة، وخلق مناطق فراغ أمني وسلطوي تعزز انتشار التنظيمات الإرهابية، وتفجر أزمة لاجئين حادة تجاوزت حدود المنطقة لتصل إلي القارة الأوروبية، وتلقي عبئا سياسيا وحضاريا جسيمًا، فضلا عن الأعباء المادية، علي دول القارة العجوز.
 
3- تفاقم الخطر الإرهابي، واتساع مجال انتشاره. إذ رغم الضربة القاصمة التي أمكن توجيهها لتنظيم القاعدة في أفغانستان، وصولا إلي تصفية مؤسس التنظيم، أسامة بن لادن، في باكستان في مايو 2011، فإن احتلال الولايات المتحدة لأفغانستان والعراق كان محفزا علي انتشار الإرهاب ذي الطبيعة المحلية بدلا من الإرهاب الشبكي الذي مثلت القاعدة نموذجه الأخطر. ويمكن تحديد ثلاثة عوامل أسهمت في هذا الانتشار:
 
أ- الطبيعة الجزئية والانتقائية للحرب الأمريكية علي الإرهاب، مما سمح للعديد من القيادات الإرهابية بالانتقال سريعا إلي مناطق هشاشة أمنية أخري خلافا لأفغانستان عبر الإقليم، وبدء تشكيل بؤر إرهابية محلية.
 
ب- تنامي حجج التيارات الجهادية مستغلة الوجود الأمريكي في إعادة رسم صورة لصراع إسلامي-مسيحي، واستدعاء ميراث الحروب الصليبية، مما أثر في قطاعات واسعة، خاصة الشباب المحبط، والجماعات الإثنية التي تضررت من الإدارة الأمريكية الطائفية للتغيير السياسي في العراق وأفغانستان.
 
ج- استغلال أجهزة استخبارات إقليمية وما وراء إقليمية لهذا الانتشار الإرهابي كإحدي أدوات إعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي، بل والخريطة الجيوسياسية للمنطقة، مثلما برز بوضوح في حالة سوريا، وبدرجة أقل في ليبيا، وشبه جزيرة سيناء في مصر.
 
خلق هذا الواقع الأمني الهش، والمحمل بالتهديدات التقليدية وغير التقليدية علي السواء، حافزا إضافيا علي تبني برامج تحديث عسكري يمكنها الاستجابة لأنماط التهديد الجديدة والتقليدية علي السواء.
 
في يناير من عام 2012، أصدر الرئيس الأمريكي باراك أوباما توجيها استراتيجيا أعاد فيه تكرار الأهداف الرئيسية التي تمثل جوهر استراتيجية الأمن القومي الحديثة، وهي: هزيمة القاعدة، وردع القوي المعتدية التقليدية، واحتواء التهديد الذي يمكن أن ينتج عن أسلحة غير تقليدية. لكن أوباما تعهد في هذا التوجيه ذاته بخفض ميزانية الدفاع الأمريكية بنحو 485 مليار دولار علي مدي نحو عشر سنوات من ذلك التاريخ، كما تعهد أوباما بألا تستخدم القوات الأمريكية في تنفيذ عمليات حفظ استقرار  ممتدة وواسعة النطاق، في إشارة للاحتلال الأمريكي لكل من أفغانستان والعراق. ومع ثبات الرؤية للتهديدات القائمة أمام السياستين الخارجية والدفاعية الأمريكيتين، يؤكد أن وزن الأداة العسكرية في القيادة الأمريكية للعالم، وفي تحقيق غايات سياستها الخارجية، سيشهد تحولا مهما لمصلحة أدوات أخري، واقترابات مغايرة في إدارة تلك السياسة.
 
وبحسب ما تكشف عنه خبرة الإدارة الأمريكية لعدد من الصراعات، خلال السنوات الثلاث الماضية، منذ إصدار هذا التوجيه، يبدو أن تلك الأدوات والاقترابات تشمل ما يأتي:
 
1- التخلي عن سياسة الضربات الاستباقية لمصلحة استعادة سياسة الاحتواء التي حاولت الإدارة الأمريكية تنفيذها بدرجات متفاوتة من النجاح في مواجهة عراق صدام حسين، وإيران قبيل توقيعها اتفاق التسوية النووية. إلا أن هناك شكوكا كثيرة حول نجاعة هذه السياسة، خاصة في مواجهة القوي الدولية المراجعة الرئيسية، سواء بالنظر للدعم المتبادل المحتمل بين هذه القوي، أو بسبب هشاشة موقف الحلفاء الأوروبيين الذين تتداخل مصالحهم بشكل معقد وكبير مع كل من روسيا والصين.
 
2- محاولة خلق توازنات إقليمية بديلا عن التدخل الأمريكي، أو محاولة انتهاج سياسة الاحتواء، حين تكون عالية التكلفة، بل وخطرة، بالنسبة للمصالح الأمريكية. ولعل النموذج الأوضح لذلك هو الحالة الصينية، التي يصعب علي المعسكر الغربي استهدافها بعقوبات مماثلة لتلك التي تم فرضها علي روسيا. ويبدو أن الخيار الأمريكي يتمثل في هذه الحالة في تعزيز القدرات العسكرية للقوي الإقليمية للحيلولة دون أن ترضخ لهيمنة القوة العسكرية الصينية النامية، وتعزيز الوجود البحري والجوي الأمريكي لردع أي نزعات توسعية صينية. بعبارة أخري، تنحو الولايات المتحدة إلي خلق نحو من توازن القوة يحول دون أي محاولة لتغيير جوهري في المعطيات الجيواستراتيجية في تلك المنطقة.
 
نموذج آخر لسياسة التوازن تلك، يتمثل في محاولة خلق نوع من أنواع توازن الضعف بين المكونات الإثنية والطائفية المعقدة في الشرق الأوسط، بحيث لا يتمكن أحدها من فرض هيمنته علي المنطقة. وفي كلتا الحالتين، يبدو أن السياسة الأمريكية تحاول الحفاظ علي الوضع القائم، من خلال تحييد أي فرص لتثويره. لكن هذا الخيار لا يخلو من مخاطر جسيمة، حيث قد يدفع بعض الأطراف الطامحة في إطار شبكة التوازنات تلك إلي انتهاج سياسات تحاول تثوير هذا الوضع في أي لحظة مستقبلا.
 
3- محاولة دعم حلف الناتو، وتعزيز قدرة الحلفاء الأوروبيين علي لعب بعض الأدوار الأمنية، حاصة في مناطق الاضطراب والصراعات المجاورة من الفضاء الأوروبي. وتضغط الولايات المتحدة علي العديد من الدول الأعضاء في حف الناتو للالتزام بالحد الأدني الذي تفرضه العضوية في الحلف للإنفاق العسكري، وهو 2 من الناتج المحلي الإجمالي لكل منها. ويبدو أن نجاح تلك الدول في بلوغ هذا الحد لا يزال يبدو بعيدا، خاصة في ظل تعثرها المالي، وضعف معدلات نموها الاقتصادي. وباستثناء فرنسا وإنجلترا، اللتين تواجهان تحديات أمنية وإرهابية متزايدة، نتيجة اضطرابات الشرق الأوسط، واللتين تمتلك صناعتهما الدفاعية كذلك فرصا مهمة للتوسع في تلك المنطقة، فإن بقية الدول الأوروبية جميعها الأعضاء في الناتو يقل إنفاقها الدفاعي عن هذا الحد.
 
يبدو من الجلي أنه في ظل ارتفاع تكلفة الخيار الإمبراطوري وأعباء التدخلات العسكرية المباشرة، مثلما بدا في عهد بوش الابن، وفي ظل عجز النخبة السياسية الأمريكية عن اتخاذ قرار استراتيجي بالتحول نحو تأسيس حكومة عالمية متوازنة التمثيل لمختلف القوي الدولية، فإن خيار الحفاظ علي الوضع القائم، واحتواء مخاطر تفجره سيظل هو السياسة الأمريكية في الأمد المنظور، حتي حدوث تحول دراماتيكي في قوة طرف أو عدة أطراف دولية صاعدة. وحينها، فإن العالم سيقف علي عتبة صراع يبدو أن القوة العسكرية الأمريكية تتحسب له، من خلال امتلاك قدرات عسكرية بعيدة المدي بأكثر من امتلاك قوات تقليدية ضخمة الحجم.
 
يحاول هذا الملحق فحص برامج التحديث العسكري لدي عدد من الدول الرئيسية المنتجة لمنظومات سلاح حديثة وقادرة علي إحداث فارق جوهري في طبيعة الحروب، وأساليب خوضها. ويستهدف الملحق بيان ما يمكن لتلك البرامج من تأثير في القدرات الاستراتيجية لكل من هذه الدول، وقدرتها علي تعزيز نفوذها الإقليمي أو العالمي، والقيام بالوظائف الأمنية الرئيسية التي يتعين عليها النهوض بها.
 
-----------------------------------
 
(*) تقديم ، ملحق تحولات استراتيجية، التحديث العسكري: تطوير الأسلحة ومستقبل المكانة الدولية واتجاهات الصراع العالمي، مجلة السياسة الدولية ، العدد 202، أكتوبر 2015

رابط دائم: