نحو عالم بدون هيمنة‮ ‬غربية
13-12-2015

د. حسن أبو طالب
* مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، رئيس مجلس إدارة دار المعارف سابقا.
الطموح إلي عالم أكثر عدلا وإنصافا طموح مشروع يراود البشرية منذ زمن طويل. وفي كثير من الأدبيات المتعلقة بتحليل النظام الدولي الراهن اتفاق علي أنه نظام غير ديمقراطي، وملئ بالاختلالات الهيكلية، وتسود فيه نزعات الغرب التدخلية في شئون باقي الدول والمجتمعات.
 
وفي الأدبيات الروسية والصينية، تكثر تحليلات ودعوات لبناء نظام دولي جديد يتجاوز مرحلة الهيمنة الغربية بقيادة الولايات المتحدة، كما أن مواقف كل من روسيا والصين رسميا تدعم هذه الفكرة/ المبدأ. فالعالم لدي بكين هو متعدد الألوان، ومتنوع الثقافات، والقيم، والسلوكيات، وله جذور حضارية مختلفة، وبالتالي فلا يمكن أن يكون كله علي شاكلة واحدة، مهما يكن مستوي الاحتكاك والتداخل مرتفعا بين المجتمعات المختلفة، نتيجة التجارة البينية، وثورة الاتصالات، وآليات العولمة. ولدي روسيا هو عالم متعدد الأقطاب، أو يجب أن يكون كذلك، لا تهيمن فيه قوة علي حقوق واختيارات القوي الأخري، ولا تسعي فيه دولة بعينها أو قوة محدودة لأن تحتكر الحقيقة والمصالح، أو الأمن علي حساب مصالح وأمن باقي دول العالم.
 
وجهتا النظر الروسية والصينية علي النحو السابق تجدان دعما معنويا وسياسيا من أطراف عديدة في العالم الراهن، وهي أطراف سئمت الهيمنة الأمريكية، والنزعة الاستعلائية الغربية بوجه عام. والأمران معا يصبان نحو رغبة قوية أو تطلع عنيد لدي مجتمعات وحكومات عديدة لإعادة هيكلة النظام الدولي، الذي تهيمن علي مفرداته وآلياته الولايات المتحدة، يدعمها في ذلك الدول الأوروبية واليابان. غير أن التطلع وحده، ومهما يكن عنيدا ومثابرا، لا يكفي. فالمطلوب جهد وآليات ومسارات واضحة تؤدي في النهاية إلي تصحيح أوجه الخلل الكبيرة والكثيرة في النظام الدولي الراهن، وبحاجة إلي مؤسسات تؤمن وتدعم فكرة التعددية القطبية، وتحولها إلي واقع، ولو بتدرج. ورغم أن الدعوة إلي بناء نظام دولي متعدد الاقطاب هي دعوة قديمة، ولها جذور فكرية، وفلسفية، ومصلحية، منذ خمسة عقود أو أكثر، فإن قابليتها للحدوث كانت دائما محل شك من قبل كثير من المحللين. فالفارق في القوة، بمعناها الشامل، والمتعدد الأبعاد عسكريا، واقتصاديا، وسياسيا، ونفوذا، وتأثيرا ثقافيا بين الغرب - وعلي قمته الولايات المتحدة - وبين باقي القوي الدولية، كان فارقا كبيرا للغاية، الأمر الذي جعل الدعوة إلي عالم متعدد الأقطاب قبل عقدين مثلا  نوعا من التمني والطموح المقيد.
 
الآن، تبدو فكرة عالم متعدد الأقطاب، تسوده حالة توازن نسبي، وتستعيد فيه مبادئ السيادة للدولة قوتها ومكانتها، بما في ذلك حق الشعب في أي بلد في أن يشكل حياته الخاصة دون تدخل من أحد، أو خضوع لابتزاز، أو تهديد مباشر أو مباشر من قوة أخري - قابلة للتحقق، أو بالأحري في طريقها لأن تتحقق، ربما بعد عقد أو عقدين من الآن. ففارق القوة آخذ في التقلص بين الولايات المتحدة، والغرب من ورائها، وبين قوي صاعدة، وفي مقدمتها الصين، وروسيا، والهند في المجالات الاقتصادية، والعسكرية، والتكنولوجية. فالصين الآن هي المنافس الاقتصادي الأول للولايات المتحدة، حيث تجاوزت من حيث الترتيب في إجمالي الإنتاج القومي اليابان التي احتلت المرتبة الثانية لفترة طويلة. ويتوقع خلال عقد أو عقد ونصف عقد أن تصبح الصين الاقتصاد الأكبر حجما علي مستوي العالم. وتشهد روسيا والهند عمليات تنمية اقتصادية متسارعة، وتعمل روسيا جاهدة علي تطوير صناعاتها العسكرية، وتقليل الفوارق التكنولوجية مع الصناعات الأمريكية في مجال الصواريخ، والطائرات الحربية متعددة المهام، والدبابات ذات القدرات والتسليح العالية، والغواصات التقليدية والنووية، وتوظف إمكاناتها الهائلة في مجال الطاقة، خاصة الغاز الطبيعي والنفط، للحصول علي عوائد مالية كبيرة، فضلا عن نفوذ ملموس في صناعة الغاز علي مستوي العالم ككل. وينطبق الأمر - وإن بدرجات مختلفة من التنمية والتقدم الاقتصادي والعسكري - علي كل من البرازيل، وجنوب إفريقيا، والأرجنتين ودول أخري في العالم، تتطلع جميعها لأن تخرج من دائرة التأثر من الهيمنة الغربية، وعمليات الأمركة.
 
بيد أن الحكمة تقتضي القول إن الوصول إلي حالة التعددية القطبية، والتوازن النسبي في العلاقات الدولية بشكل عام، وخفض مستوي الهيمنة الغربية عما هو عليه الآن لن يخلو من صعوبات، وعقبات، ومواجهات عنيفة أحيانا. إذ لا يتصور أن الولايات المتحدة وأوروبا إجمالا سوف تسلمان بجهود وآليات تمارسها قوي دولية أخري تؤدي عمليا إلي محاصرة أوجه النفوذ والاستعلاء التي تمارسانها علي باقي دول العالم. بيد أن هذا هو درس التاريخ، فلا شيء يحدث مجانا، أو بلا عقبات.
 
علي أية حال، ليس أمامنا نحن هنا في مصر أو في عموم الوطن العربي سوي أن نراقب ما يحدث حولنا، وأن ندعم ما يحقق مصالحنا، والتي تتطابق جملة وتفصيلا مع عالم يسوده حد أدني من العدالة، وبعيد عن الهيمنة والاستعلاء، والتدخلات في الشأن الداخلي للدول الأخري، وأن نشارك قدر الإمكان في توجيه مسارات الأحداث نحو هذا العالم الذي نرجوه. وهنا، فإن الانفتاح علي الجهود الدولية التي تحدث في مناطق مختلفة من العالم، بل والمشاركة فيها قدر الإمكان، ويكون هدفها البعيد تصحيح الاختلالات القائمة في النظام الدولي، يعد بمنزلة فريضة سياسية واجبة الالتزام دون تردد أو تكاسل. والإسهام بأي شكل كان في تخفيض حدة هيمنة الغرب علي مسارات السياسة الدولية في اللحظة الجارية هو الحد الأدني الواجب دعمه الآن.
 
أولا - مرحلة انتقالية نحو تعددية قطبية:
 
ومن نافلة القول إن العالم يعيش الآن حالة انتقال من مرحلة تفرد الولايات المتحدة التي تربعت فيها علي قمة النظام الدولي، منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، إلي حالة تعددية قطبية يجري بناؤها علي قدم وساق. وهناك قوي دولية وإقليمية مؤثرة تعمل وفق استراتيجية واضحة المعالم لتجسيد الوضعية الدولية الجديدة في أقرب مدي زمني ممكن. وفي مقدمة هذه القوي كل من روسيا والصين، ومعهما عدد يتزايد من الدول التي تحقق مستويات عالية من النمو الاقتصادي، والتقدم التقني، والعسكري، والنفوذ السياسي في المحيط الاقليمي المباشر لها كالهند، والبرازيل، وجنوب إفريقيا، وباكستان، وإيران، وأوزبكستان، وقيرغيزستان، وبيلاروسيا، ودول أخري من مناطق مختلفة. ونشير هنا تحديدا إلي حالتي منظمتي البريكس، وشنغهاي للتعاون، إضافة إلي المبادرة الصينية الخاصة بطريق الحرير الجديد، وبناء الاقتصاد الأورو-آسيوي.
 
لكن قبل الحديث عن أهمية هاتين المنظمتين، بحسبانهما آليتين دوليتين بازغتين تؤديان في المدي الزمني المنظور إلي تغيير جذري في طبيعة النظام الدولي، خاصة هيكلية توزيع القوة فيه، تجدر الإشارة إلي الإدراك السائد الآن لدي القيادة الروسية بشأن حالة النظام الدولي الراهن، وما فيه من هيمنة أمريكية وغربية تضر بمصالح دول عديدة في العالم. والمعروف أن روسيا ترفض تماما سياسة العقوبات الأحادية التي تفرضها الولايات المتحدة ودول أوروبا علي دول أخري حين تختلف المصالح أو الرؤي، وتري في هذه السياسة ابتزازا وانتهاكا لسيادة الدول ولميثاق الأمم المتحدة. وفي أثناء تصاعد الأزمة الأوكرانية، ومعها تركيز الولايات المتحدة ودول أوروبا علي توقيع عقوبات مشددة علي روسيا، أكد الرئيس بوتين أن بلاده لن تساوم علي سيادتها أو قراراتها، وأن العقوبات لن تثني موسكو عن التراجع عن حماية مصالحها القومية، أيا كان الثمن. وفي مواقف مختلفة، شدد بوتين علي أن سياسة العقوبات الأمريكية تتنافي تماما مع قيم وميثاق الأمم المتحدة، وتعد تدخلا مرفوضا لن يمر دون رد. وبالفعل، فقد ردت روسيا علي هذه العقوبات الأمريكية والأوروبية الأحادية بوقف استيراد المواد الغذائية من دول أوروبا، مما أدي إلي تضرر اقتصادات العديد من أعضاء الاتحاد الأوروبي، وفي مقدمتها بولندا، وبلجيكا، واليونان.
 
وفي كلمة افتتاحية لوزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، أمام المنتدي الشبابي الروسي، الذي عقد في مقاطعة فلاديمير يوم 24 أغسطس الماضي، ذكر أن "مجال المصالح السياسية بات اليوم مرتبطا بمنافسة الأفكار،وعلي اللاعبين الموجودين في الساحة الدولية أن يختاروا قيمهم ونموذج التطور، أو سيفرض ذلك عليهم. لقد باتت حقبة هيمنة الغرب التاريخي في طور الانتهاء، بعد أن استمرت لمئات السنين. واليوم، تتعارض هذه الهيمنة بصورة موضوعية مع ظهور أقطاب جديدة في منطقة آسيا والشرق الأوسط".
 
في جزء آخر، استطرد الوزير الروسي قائلا "إن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحولتا إليبؤرة للإرهاب والتطرف العنيف، وتجتاح أوروبا الآن، بسبب السياسات الغربية، موجات كبيرة من المهاجرين غير الشرعيين .. فالإرهاب والمهاجرون غير الشرعيين هما نتاج تعنت الغرب في محاولته الحفاظ علي هيمنته علي الشئون الدولية، من خلال التدخل في الشئون الداخلية لدول ذات سيادة".
 
مثل هذا الإدراك الروسي للنتائج الكارثية لسياسة التعنت والاستعلاء الغربي علي العالم ككل، بما في ذلك المصالح الروسية ذاتها، يفسر الجهود الحثيثة التي تبذلها موسكو، خاصة في ظل قيادة بوتين، للخروج من هذه الدائرة الجهنمية، وصولا إلي تعددية قطبية بلا هيمنة غربية. وتبدو التحركات الروسية والصينية عنصرا رئيسيا في هذا السياق، وهي تحركات تبدو مدروسة، ومتدرجة، وعميقة التأثير في آن واحد، خاصة أنها تستقطب جهود وقدرات قوي أخري في إطار مؤسسي قابل للتطور، لكي يكون بمنزلة مؤسسات بديلة لمؤسسات النظام الدولي الراهنة، وفي مقدمتها البنك الدولي، وصندق النقد الدولي، وحلف الناتو، أو علي الأقل مؤسسات دولية أو حتي إقليمية جديدة ذات مهام واضحة، تكون موازية لها، ولكنها تطرح سياسات وآفاقا أخري غير تلك التي يهيمن عليها الغرب، بما يؤدي فعليا إلي حالة تعددية في قمة النظام الدولي، تسمح بحرية الاختيار للشعوب، وتؤدي إلي ألوان متعددة من الحياة بدون قسر أو إجبار.
 
ثانيا - نحو مؤسسات دولية بديلة:
 
إن حالتي منظمتي دول البريكس وشنغهاي للتعاون تمثلان مؤسسات دولية قابلة للتطور لتصبح بمنزلة المؤسسات البديلة والمؤدية إلي حالة التعددية القطبية، وإلي عالم أقل هيمنة غربية. فعلي مدي عقد ونصف عقد تقريبا، تطورت منظمة شنغهاي للتعاون التي تشكلت في عام 2001  لتصبح مؤسسة إقليمية ذات تأثير عالمي متزايد بامتياز. في البداية، تشكلت المنظمة لمواجهة ظاهرة الإرهاب والتطرف الديني في منطقة آسيا بوجه عام، والحفاظ علي الأمن القومي للدول المنشئة لها. وهي ست دول: الصين، وروسيا، وأوزبكستان، وكازاخستان، وقيرغيزيا، وطاجيكستان. غير أن محصلة عملها خلال 14 عاما دفعت بها لتؤسس منظمة ذات رؤية شاملة للنظام الدولي ككل، توصف بأنها رؤية أورو-آسيوية لعالم جديد ومختلف. وطوال هذه السنوات، ارتفعت درجة الثقة المتبادلة بين الدول الأعضاء، وتوسعت أهداف المنظمة لتشمل التعاون في المجالات الاقتصادية، والعسكرية، والأمنية في الإطارين الاقليمي والدولي، وذلك إلي جانب أهدافها الثلاثة الأولي، وهي مكافحة الإرهاب والتطرف الديني، والحد من الخلافات بين الدول الأعضاء بشأن الحدود والقضايا الإقليمية، واحتواء النزعات الانفصالية التي كانت سائدة في الدول الأعضاء حين تشكلت المنظمة. ومن هنا، تحذر تحليلات أمريكية وأوروبية من أن منظمة شنغهاي قد تكون المؤسسة الدولية الموازية لمجموعة الدول الثماني الأكثر تقدما اقتصاديا، وأنه إذا انخرطت دول المنظمة في أنشطة عسكرية وأمنية متتالية، فقد تكون بداية لنشأة حلف يوازي حلف الناتو، وإن كان ذلك علي المدي البعيد، لاسيما وأن دول حلف الناتو الـ 26 هي أكثر تقدما وإمكانيات عسكرية من دول منظمة شنغهاي بمقاييس اللحظة الجارية، وإلي المدي الزمني المنظور، علما بأن دول المنظمة لم تطرح رسميا بناء حلف عسكري فيما بينها، وكل ما تم بحثه هو مزيد من التنسيق والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف بين وزارات الدفاع في دول المنظمة.
 
استقطبت المنظمة اهتمام العديد من الدول الآسيوية، وبات ضروريا أن تتعدد مستويات العضوية والعلاقة بين المنظمة بدولها الست المنشئة، والدول الطامحة في أحد أشكال الارتباط المؤسسي به. ومن هنا، تم استحداث مستويين للعضوية، الأول درجة عضو مراقب، ومنحت لدول أفغانستان، وإيران، والهند، ومنغوليا، وباكستان، والثاني درجة مشارك في الحوار، ومنحت لدول مثل تركيا، وسيرلانكا، وأذربيجان، وأرمينيا، وكمبوديا، ونيبال. وقد أسهم كلا النوعين من العضوية في إضفاء طابع آسيوي - أوروبي علي المنظمة في آن واحد. كما تقدمت إيران رسميا بطلب الانضمام إلي المنظمة كعضو. وهناك طلبات أخري من أذربيجان، وأرمينيا، وبنجلاديش، وبيلاروسيا، وسيرلانكا، وسوريا، وأوكرانيا، وجمهورية المالديف، وكمبوديا، ومصر لمنحها صفة أعضاء مراقبين.
 
1- أهمية قمة "أوفا":
 
تعد قمة "أوفا"، التي عقدت في الفترة من 9 إلي 10 يوليو الماضي بروسيا الاتحادية، قمة فاصلة في مسيرة تطور هذه المنظمة من حيث العضوية، والمهام، والرؤية للنظام الدولي. فقد تم قبول عضوية كل من الهند وباكستان، وسيتم تفعيل هذه العضوية خلال عام، توقع فيه العديد من الاتفاقيات والمعاهدات بينهما وبين دول المنظمة، بحيث تصبح العضوية كاملة خلال القمة المقبلة المقرر عقدها في سبتمبر 2016 في أوزبكستان. كما منحت بيلاروسيا درجة عضو مراقب. ورغم أن هذه الدول، مجتمعة ومنفردة، لها مواقفها المختلفة إزا ء العديد من القضايا الآسيوية والعالمية، فإن ما يجمعها، حسب قول محللين روس وصينيين، أنها تؤمن بحقها في ممارسة سياسة مستقلة، وتسعي إلي التعاون مع جيرانها من أجل التنمية والأمن المشترك، وتحافظ علي هويتها الوطنية، وترفض التدخلات الغربية في شئونها الداخلية، وتعمل من أجل إصلاح الاختلالات في النظام الدولي الراهن.
 
إن توسع منظمة شنغهاي لتصبح ثماني دول بدلا من ست دول فقط من شأنه أن يضفي وزنا أكبر علي المنظمة ككل، وأن يجعلها منظمة أورو/آسيوية بامتياز، خاصة أن الهند وباكستان تعدان دولتين نوويتين، وكلتاهما دولة كثيفة السكان. وبإضافة إجمالي الناتج القومي لهما إلي إجمالي الناتج القومي لباقي الدول الأعضاء، تصبح دول المنظمة منتجة لما يقرب من ثلث إنتاج العالم أو أكثر قليلا، وتستحوذ علي أكثر من نصف سكان العالم، وتشارك في إجمالي التجارة الدولية بما يزيد علي 30، بما يضفي أهمية كبيرة علي المنظمة ككل، وينظر إليها كآلية من آليات تغيير النظام الدولي الراهن، ومحاصرة الهيمنة الغربية بشكل عام، وتسريع عملية بناء نظام دولي غير أمريكي الهوي، إضافة إلي حسابات عملية أخري تتعلق بالوضع الأمني المحتمل في أفغانستان، في ضوء احتمال انتهاء مهمة قوات "إيساف" التابعة لحلف الناتو، وانتشار الجماعات المؤيدة لتنظيم الدولة "داعش"، وتمدد بعضها في الأراضي الأفغانية، وعودة جماعة طالبان إلي الساحة الأفغانية، وانتشار زراعة المخدرات، واستغلال عوائدها الهائلة في تمويل أنشطة وجماعات إرهابية وانفصالية قد تؤثر مباشرة في أمن دول منظمة شنغهاي. وهو ما يعد تحديا أمنيا كبيرا، قد تساعد عضوية كل من الهند وباكستان في مواجهته علي نحو أفضل.
 
هذه الدلالات وغيرها تتدعم بقوة حين ينظر إلي الرؤية الشاملة التي انتهي إليها قادة المنظمة تجاه قضايا العالم المختلفة في قمة "أوفا" المشار إليها. ووفقا للبيان الختامي للقمة، عبرت الدول الأعضاء عن قلقها البالغ لتنامي أبعاد الإرهاب والتطرف الدوليين، وتوحيد جهود مختلف الجماعات الإرهابية. ودعت إلي "تكثيف الجهود المشتركة للمجتمع الدولي لمكافحة المنظمات الإرهابية، وذلك بمراعاة القرارات ذات الصلة الصادرة عن مجلس الأمن الدولي، وأكدت "ضرورة تسوية الأزمات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا دون تدخل خارجي، وعلي أساس الاحترام المتبادل للمصالح ومبادئ القانون الدولي، وتأييدها لمساعي دول وشعوب العالم العربي إلي تحسين مستوي المعيشة، والحصول علي حقوق سياسية، واقتصادية، واجتماعية واسعة، أخذا في الحسبان الخصائص الحضارية والتاريخية لكل بلد".
 
وفي مجال مكافحة التطرف، أكد الأعضاء بذل جهود أكبر من أجل "منع انتشار الأفكار المتطرفة، لاسيما في أوساط الشباب، وإلي العمل الوقائي لمنع انتشار التطرف الديني، والتعصب العرقي والطائفي، وكراهية الغير،وتنامي نزعات التطرف في المجتمع"، وكذلك "إيلاء اهتمام خاص لتوظيف قدرات المؤسسات التعليمية والعلمية، ووسائل الإعلام، والمنظمات غير الحكومية والدينية، ونقابات العمال لمواجهة أفكار التطرف والتعصب". كما أكد البيان الختامي أن قيام دول بعينها - والمقصود الولايات المتحدة ومشروعها لنشر صواريخ بعيدة المدي في بلدان أوروبا  الشرقية سابقا، وبالقرب من الحدود الروسية-  بزيادة منظومات الدفاع الصاروخي من جانب واحد، وبشكل غير محدود، سيلحق ضررا بالأمن العالمي، وسيؤدي إلي زعزعة الاستقرارفي العالم. وحذر البيان من أن "أمن كل دولة يجب ألا يتحقق علي حساب أمن غيرها من الدول". ودعا إلي تعزيز النظام الدولي لمنع انتشار الأسلحة النووية بما يساعد علي تعزيز السلام والاستقرار في العالم. وأكدت دول المنظمة تأييدها" التعاون الدولي الواسع في مجال تجاوز الهوةفي المجالين التكنولوجي والاقتصادي - الاجتماعي بين الدول علي أساس السماح لكل الدول باستخدام مزايا العولمة الاقتصادية علي أساس المساواة، ودون أي تمييز. وعلي هذا، فإن اللجوء إلي تقييد التعاون الاقتصادي التجاري دون موافقة مجلس الأمن الدولي كوسيلة للضغط علي دولة ما هو أمر غير مقبول".
 
2- تعاون لمواجهة الإرهاب:
 
ووفقا للبيانات والتصريحات الصادرة عن زعماء المنظمة، فقد تم "بحث إنشاء مجموعة عمل خاصة لدي هيئة مكافحة الإرهاب التابعة لمنظمة شنغهاي للتعاون، معنية بمنع تمويل الأنشطة الإرهابية عن طريق تجارة المخدرات، وتعزيز التنسيق بين وزارات الدفاع من أجل زيادة فعالية إجراءات الرقابة علي الوضع، وبتنسيق الخطوات المشتركة لمواجهة المخاطر المحتملة، ومواصلة إجراء التدريبات المشتركة في مجال مكافحة الإرهاب بشكل سنوي. ونظرا للوضع الأمني الخاص الذي تعيشه أفغانستان، وصلته المباشرة بجهود مكافحة التطرف، والتعصب، وجماعات الإرهاب الديني، فقد رئي، وفقا للرئيس الصيني، أن تقوم دول المنظمة بدور أكبر في دعم المصالحة الوطنية والإعمار الاقتصادي".
 
وكذلك، اقترح الرئيس الكازاخي، نور سلطان نزارباييف، بحث مسألة استحداث شبكة عالمية موحدة لمكافحة الإرهاب علي المستوي الأممي، عادَّا أن انخراط مواطنين من دول "شنغهاي" في العمليات القتالية بالشرق الأوسط إلي جانب الإرهابيين يمثل خطرا كبيرا. كما وقع الزعماء بيان "أوفا" واستراتيجية تنمية منظمة شنغهاي للتعاون حتي عام 2025، بالإضافة إلي برنامج التعاون بين أعضاء المنظمة في مكافحة الإرهاب والانفصالية والتطرف في الفترة من 2016 إلي .2018
 
3- دور مجموعة "البريكس":
 
تكتمل أهداف إنشاء منظمة شنغهاي للتعاون علي المدي البعيد المتعلق بمواجهة الهيمنة الغربية علي السياسة الدولية، وتغيير موازين القوي لغير مصلحة الحضارة الغربية، بآلية مؤسسية أخري، هي مجموعة دول البريكس BRICS   التي تشكلت أولا في عام 2009، وتضم كلا من الصين، وروسيا، والهند، والبرازيل، ثم انضمت إليها جنوب إفريقيا عام .2010 وهي دول تمثل أكثر وأسرع الاقتصادات نموا، وتنتمي إلي ثلاث قارات: آسيا، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية. وهي بذلك، تنطلق من أساس اقتصادي بحت، وتسعي إلي حماية مصالحها، وتأمين عمليات النمو الخاصة بكل منها، من خلال التعاون مع القوي المماثلة لها، والساعية إلي عدم الانزلاق تحت ضغوط الغرب، بما يؤدي إلي تعسرها وانكفائها مرة أخري علي ذاتها. وبهذا النوع من التعاون الجماعي، تقدم هذه الدول نموذجا في التنمية المتواصلة مع الحفاظ علي الهوية واستقلال الإرادة السياسية، ونموذجا في بناء حائط صد جماعي ضد أية محاولات غربية معاكسة. وتشكل مساحة هذه الدول ربع مساحة اليابسة، وعدد سكانها يقارب 40  من سكان الأرض. وفي بعض التحليلات الروسية، هناك تأييد لتوسيع مجموعة البريكس لتشمل دولا مثل إندونيسيا ومصر المسلمتين، ولو في غضون عام أو عامين، بما يشكل آنذاك منظمات تنشأ علي أساس اقتصادي حضاري في آن واحد، ودون أية مشاركة غربية. ومن ثم، تتطور لتصبح آلية أخري لتصحيح اختلالات النظام الدولي الراهن.
 
4- تمويل التنمية بدون هيمنة:
 
ومرة ثانية، فإن قمة "أوفا" تقدم خطوة أخري متقدمة علي طريق تعزيز النمو الاقتصادي الذاتي للدول الأعضاء، والدول النامية الأخري، بما يعزز نموذج التنمية بعيدا عن الهيمنة الغربية، ويعزز أيضا عمليات إصلاح الخلل الهيكلي في النظام الدولي الراهن. لقد حرصت دول مجموعة البريكس ومنظمة شنغهاي علي توفير آليات تمويلية بعيدا عن المؤسسات المالية الكبري التي يهيمن عليها الغرب، ومن ثم تم إنشاء بنك تمويل خاص برأس مال قيمته 100 مليار دولار، جاء معظمه من الصين، بهدف تمويل مشروعات التنمية في البلدان النامية، ومشروعات البنية التحتية. كما وقعت المصارف المركزية لدول مجموعة "بريكس" في موسكو اتفاقية حول شروط الدعم المتبادل، في إطار صندوق احتياطي مشترك للعملات، واتفاقية أخري لإنشاء آلية مشتركة للاستثمار في مشاريع البنية التحتية بمشاركة الصندوق الروسي للاستثمارات المباشرة، ومجموعة "آي دي إف سي" الهندية، وشركة "بي تي جي" باكتشول، وصندوق طريق الحرير الصيني، ومصرف التنمية في جنوب إفريقيا. وهو ما يشكل إجمالا آلية دفاع ذاتي اقتصادي تنموي في مواجهة الآليات التي يتحكم الغرب فيها إجمالا.
 
وأخيرا، يمكن القول إن التداخل الحاصل بين منظمة شنغهاي ومجموعة دول "بريكس"، من حيث عضوية أهم الأعضاء فيهما معا، وتحديدا الصين وروسيا، فضلا عن وحدة الهدف المتعلق بتعزيز أدوار هذه الدول في النظام الدولي، عبر تغيير آلياته وسياساته، وتخفيض حدة هيمنة الغرب عليه، والتكامل العضوي بين وظيفتي النمو الاقتصادي، ومكافحة التطرف، والنزعات الانفصالية، وتعزيز الأمن الجماعي، عبر التعاون الشامل والمتدرج، بما ينشئ صورة من صور الأمن الجماعي دون هيمنة خارجية - يدفع إلي استنتاج أننا أمام مرحلة من مراحل تحول النظام الدولي نحو تعددية قطبية، ولكن بصبر ودأب، ودون ضجيج. ويساعد علي ذلك أن الاستعلاء الغربي لا يزال لا يري في هذه التحركات الدءوب أمرا مزعجا، أو يجب التعامل معها بجدية، أو الإقدام علي تغيير الذات، وإنهاء نزعة الغطرسة طوعيا، والتحول إلي صيغة من التعاون الحضاري عبر العالم كله. وبينما يدرك العالم غير الغربي أن العالم بأسره أكبر من أي قوة، وأكبر من الغرب كله، فلا يزال الغرب يتعثر في إدراك العديد من مجريات الأحداث حوله، وهو تجاهل سيكون له ثمنه الكبير في اللحظة المناسبة.

رابط دائم: