مستقبل تنظيم "المرابطون" في شمال أفريقيا
9-8-2015

علي بكر
* مساعد رئيس تحرير السياسة الدولية و خبير الحركات المتطرفة
تاريخ النشر: 9-8-2015
 
يثير التطور الأخير الذى شهده تنظيم "المرابطون" فى شمال إفريقيا، من خلال الإعلان عن تولى "مختار بلمختار" قيادته، وتأكيد تجديد البيعة لتنظيم "القاعدة" وزعيمه أيمن الظواهرى، ورفضه مبايعة تنظيم "الدولة الإسلامية"، الكثير من التساؤلات حول دلالات هذا التطور، وتداعياته المختلفة.
 
 وكان مجلس شورى "كتيبة المرابطون" قد حسم الجدل حول الموقف المتأرجح بين الارتباط بـ"تنظيم الدولة الإسلامية" و "تنظيم القاعدة"، عبر مبايعة "مختار بلمختار" المكنى "بخالد أبو العباس" أميرا جديدا "للتنظيم"، عوضا عن "عدنان أبو الوليد الصحراوي" المؤيد لتنظيم "داعش"، حيث جدد التنظيم بيعته لتنظيم "القاعدة"، معلناً بشكل رسمي عدم مبايعته لتنظيم "داعش". 
 
ولم يتردد البيان "في التبرؤ من تنظيم الدولة الإسلامية، واصفا تصرفاته بالمخالفات الشرعية، قائلاً "نبرأ إلى الله تعالى مما صنعت دولة البغدادي وروافدها من اجتهادات ومخالفات غير شرعية في تفريق صفوف المجاهدين، وسفك دماء المسلمين المعصومة".
 
صراع المرجعيات:
 
عندما أصدر تنظيم "المرابطون" بياناً فى 13 مايو2015 على لسان قائده فى ذلك التوقيت "أبو الوليد الصحراوي"، يعلن فيه مبايعة تنظيم "المرابطون" لتنظيم "الدولة الإسلامية" وزعيمه أبى بكر البغدادي، ويدعو فيه كل الجماعات الجهادية إلى مبايعة "الخليفة" لتوحيد كلمة المسلمين، قابله سريعاً تصريح آخر لـ "مختار بلمختار"، القيادي في التنظيم فى ذلك التوقيت، ينفي فيه الالتحاق بتنظيم "داعش" وأميره البغدادي،  وأن بيان الصحرواى "لا يلزم شورى المرابطين"، وأنه "مخالفة صريحة للبيان التأسيسي الذي حدد منهج التنظيم وسلوكه"، وأكد في بيانه الالتزام والوفاء بما سماه “بيعة أيمن الظواهري على الجهاد في سبيل الله تعالى”. 
 
هذا التجاذب الفكرى فى صفوف "المرابطون" فتح الباب أمام التساؤلات حول ما تعانيه التنظيمات الجهادية الموالية للقاعدة من انقسامات وخلافات، ذلك أن قادة هذه التنظيمات وشبابها توجد بينهم خلافات داخلية ما بين البقاء على الولاء لـ "القاعدة" ورموزها "بن لادن" و"الظواهري"، أو التحول إلى تنظيم "الدولة الإسلامية" بقيادة البغدادي، خاصة بعد انضمام بعض الأفرع القاعدية لـ "داعش". 
 
من ناحية أخرى، فإن انفصال "المرابطون" عن "داعش" و تجديد البيعة "للقاعدة" أثارا التساؤلات حول مدى علاقة هذا التحول بما شهدته مصر أخيرا من الإعلان عن تنظيم جديد تحت مسمى "المرابطون" بقيادة ضابط مصري سابق يدعى أشرف العشماوى، ومبايعة هذا التنظيم  "للقاعدة"، والانفصال عن تنظيم "أنصار بيت المقدس" فرع "داعش" فى مصر، والمعروف بـ "ولاية سيناء"، حيث إن العشماوى كان معروفاً أنه يعمل مع تنظيم "أنصار بيت المقدس". 
 
جاء هذا الإعلان من خلال تسجيل صوتي لأشرف العشماوى يبايع فيه زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، ويدعو فيه إلى خوض ما سماها معركة البيان، من خلال استهداف رجال الجيش والشرطة. وقد أثار هذا البيان التساؤلات حول مدى وجود علاقة بين التنظيمين، وهل التنظيم الجديد فى مصر هو فرع من التنظيم فى شمال إفريقيا، خاصة أن الإعلان عن مبايعة "القاعدة" والانفصال من "داعش"، جاء فى وقت متزامن تقريباً؟.
 
وبرغم وجود معلومات تشير إلى أن "أشرف عشماوى" قد سافر إلى درنة فى شرق ليبيا في 2013، وتدرب في معسكراتها، فإنه لا توجد أدلة على أن العشماوى قد التقى بـ "مختار بلمختار"، أو "أبو الوليد الصحرواى"، أو حتى أى من قيادات تنظيم "المرابطون"، وبالتالى لا يمكن القول إن هناك علاقة بين التنظيمين، وإن اسم "المرابطون" الذى اتخذه أشرف عشماوى كان غالباً من باب التيّمُن به ، دون وجود أى علاقة تنظيمية، كما حدث من قبل فى مصر فى أوئل الثمانينيات، عندما اتخذت "الجماعة الإسلامية" هذا المُّسمى تيمناً باسم "الجماعة الاسلامية" فى باكستان التى أسسسها أبو "الأعلى المودوى"، برغم التباعد الفكرى والجغرافى بين الطرفين.
 
تداعيات تغيير قيادة "المرابطون"
 
ثمة تداعيات محتملة للتغير في قيادة تنظيم " المرابطون" عبر تولي مختار بلمختار زمام الأمور، من أبرزها:
 
1- تصاعد النشاط العملياتى فى شمال إفريقيا: فبعد تولى "مختار بلمختار" قيادة تنظيم "المرابطون"، فمن المحتمل أن تشهد الفترة المقبلة قيام التنظيم بعدد من العمليات الكبيرة، نظراً للطبيعة الشخصية لـ "بلمختار"، والتى تتسم بالعنف والجرأة على عمليات قوية، فالرجل يعد مدبر عملية احتجاز الرهائن في موقع عين أميناس للنفط جنوب الجزائر في يناير 2013. كما أنه تولى، خلال العقدين الأخيرين، قيادة عدة تنظيمات مسلحة، حيث كان أميرا لمنطقة الصحراء في "الجماعة السلفية للدعوة والقتال"، وأميرا لـ"كتيبة الملثمين" في تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، وهو أيضاً مؤسس "كتيبة الموقعين بالدماء".
 
2- استعادة دور القاعدة: حدث تراجع فى نفوذ التنظيم لمصلحة تنظيم "الدولة الإسلامية" فى الفترة الأخيرة، بعد أن كانت منطقة شمال إفريقيا تحت سيطرة الفكر القاعدى، نتيجة وجود تيار كبير في أوساط الشباب الجهادي فى المنطقة للالتحاق بـ "داعش"، وترك "القاعدة" وزعيمها الظواهري، على أساس أن الزمن قد تجاوزهم، وهذا ما دفع بعض التنظيمات إلى مبايعة "داعش"، مثل بعض المجموعات التابعة لـ "أنصار الشريعة" في تونس وليبيا، وعدد من السرايا التنظيمات الليبية المحلية في درنة و بنغازي، كــ"شباب التوحيد"، و "مجلس شورى شباب الإسلام" وغيرهما. وبالتالى، فإن تجديد مختار بلمختار بيعة تنظيم "المرابطون" للقاعدة من جديد يعد بمنزلة استعادة التنظيم لحيويته من جديد فى شمال إفريقيا، وخلق حالة من التوازن مع التمدد الداعشى الأخير فى المنطقة.
 
3- احتدام التنافس الجهادى: بعد انفصال تنظيم "المرابطون" عن "داعش"، وعودته للقاعدة، فإن ذلك الأمر غالبا ما سيؤدى إلى حالة من التنافس بين التنظيمين، والذى يمكن أن يتطور فى إحدى مراحله إلى الصدام المسلح بين التنظيمات القاعدية والداعشية فى منطقة شمال إفريقيا، كما حدث فى سوريا عندما وقعت صدامات بين "داعش" والنصرة. ومن ناحية أخرى، فإن هذا التنافس يمكن أن ينعكس على الحالة الأمنية فى المنطقة، حيث يمكن أن يؤدى إلى مزيد من العمليات الإرهابية، حيث سيحاول كل تيار القيام بأكبر عدد ممكن من العمليات، حتى يثبت للتنظيم الآخر أنه أكثر جهاداً فى سيبل الله، وبالتالى يستطيع أن يرسخ أقدامه فى المنطقة، ويفرض مفاهيمه وأفكاره.
 
4- تراجع النفوذ الداعشى: ربما يؤدى خروج "المرابطون" من بيعة "داعش" إلى تراجع نسبى لتمدده فى شمال إفريقيا، حيث يمكن أن يفتح الباب أمام تنظيمات أخرى للعودة إلى القاعدة من جديد، خاصة أن تنظيم "المرابطون" يعد من أكبر التنظيمات فى المنطقة، فهو يتكون من تنظيم "التوحيد والجهاد" الذى يتميز بأعداد كبيرة من المقاتلين، وتنظيم "الموقعون بالدماء" الذى يتميز أفراده بالخبرة القتالية، وبالتالى فإن عودة "المرابطون" إلى صفوف القاعدة سوف تعزز من موقفها. وفى الوقت نفسه، يمكن أن تؤدى إلى تقليل النفوذ "الداعشى" فى منطقة شمال إفريقيا.
 
وأخيرا، فبرغم أن تولى "بالمختار" قيادة "المرابطون" وتجديده البيعة "للقاعدة" سيساعدان التنظيم على الحفاظ على حضوره فى منطقة شمال إفريقيا فى مواجهة المد الداعشى الذى اجتاح المنطقة فى الفترة الأخيرة، فإنه يمثل في الوقت نفسه تحدياً كبيراً للقاعدة فى المستقبل، حيث إن الرجل معروفاً عنه أنه عصى على الانصياع والانقياد، إضافة إلى كثرة انشقاقاته عن التنظيمات المختلفة. لذا، فمن المحتمل مستقبلياً أن ينشق الرجل عن "القاعدة"، وعندها لن ينشق بمفرده، بل من المحتمل أن يأخذ معه مجموعات كبيرة من أعضاء التنظيم، مما يمكن أن سيؤثر سلباً فى مستقبل "القاعدة" فى منطقة شمال إفريقيا.

رابط دائم: