الاعترافات البرلمانية الأوروبية بدولة فلسطين.. دلالات رمزية
20-1-2015

د. نادية سعد الدين
* صحفية وباحثة من الأردن
شهدت الساحة الأوروبية حراكا مساندًا للقضية الفلسطينية، ومضادا للاحتلال الإسرائيلي، تجسد أخيرا في اعتراف نيابي "متعدد" وحكومي "أحادي" بدولة فلسطين، و"دعم" مشابه من قبل البرلمان الأوروبي، تزامنا مع قرار للمحكمة الأوروبية بشطب حركة "حماس" من لائحة الإرهاب.
 
ورغم أن خطوتي "الاعتراف" و"الدعم" المرهونتين بتطور العملية السلمية تعدان رمزية أخلاقية غير ملزمة رسميا بإجراءات تنفيذية، فإنهما تمثلان في المحصلة رأيًا شعبيا أوروبيا منتصرًا لعدالة القضية الفلسطينية في مواجهة الاحتلال، كما تعكسان طبيعة التغير اللافت الذي أصاب عصب علائق أوروبية-إسرائيلية تقليدية، عقب حالة تململ متراكم من تعنت الأخيرة (إسرائيل) تجاه الاستيطان والمفاوضات، وصلت إلى ذروتها أثناء عدوان غزة الأخير بمقاطعة اقتصادية أكاديمية ثقافية.
 
غير أن حالة الفصام الحاد بين القول والفعل التي تعتري المواقف الأوروبية عمومًا تجاه الاحتلال الإسرائيلي، فضلا عن نشاط اللوبي الصهيوني الحثيث في أوساط القارة الأوروبية، يجعلان من المستبعد اتخاذ ما يحمل سلطات الاحتلال على تغيير مواقفها تجاه ما يتصل بقضايا الصراع العربي-الإسرائيلي.
 
وإزاء الخلاف القائم بين الدول الأوروبية نفسها حول خطوة "الاعتراف"، أو قرار المحكمة الأوروبية بشأن "حماس"، فإنه من الصعب تشكيل موقف موحد مؤيد للمشروع العربي الفلسطيني المطروح أمام مجلس الأمن الدولي لإنهاء الاحتلال، ضمن سقف زمني محدد، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967، وسط خلاف فلسطيني حول الصيغة المعدلة التي طرأت عليه أخيرا تحت ضغط دولي.
 
أبعاد الحراك الأوروبي:
 
اتخذت عدة برلمانات دولٍ أوروبية في الآونة الأخيرة مواقف إيجابية متقدمة تجاه الاعتراف بدولة فلسطين على حدود عام 1967، حيث أقر مجلس العموم البريطاني في 13 أكتوبر الماضي، ضمن سابقة تاريخية مهمة، مذكرةً غير ملزمة تطالب الحكومة البريطانية بدولة فلسطين على حدود يونيو 1967، ومن ثم اعترف البرلمان الإسباني، رمزيا، بالدولة الفلسطينية، في 18 نوفمبر الماضي.
 
وتبع ذلك تصويت النواب الفرنسيين في البرلمان بأغلبية، في 2 ديسمبر الجاري، لمصلحة مقترح يحث الحكومة على الاعتراف بفلسطين كدولة على حدود يونيو1967، في تصويت رمزي غير ملزم، ومن ثم صوّت مجلس العموم الأيرلندي، في 10 ديسمبر الماضي، لمصلحة الاعتراف بدولة فلسطين، وفق حدود عام 1967، وعاصمتها شرقي القدس المحتلة.
 
كما صوت البرلمان البرتغالي، بأغلبية كبيرة، في 12 ديسمبر الجاري، لمصلحة مشروع قانون غير ملزم، يدعو الحكومة إلى الاعتراف بدولة فلسطين، تماثلا مع اعتراف برلمان لوكسمبورج، في 17 من الشهر نفسه، بدولة فلسطين، وحث الحكومة على اتخاذ خطوة مشابهة.
 
في المقابل، اعترفت الحكومة السويدية رسميا بدولة فلسطين، لتصبح بذلك أول دولة في أوروبا الغربية تعترف بفلسطين، والثامنة في الاتحاد الأوروبي، علما بأن الدول الأوروبية السبع الأخرى اعترفت بدولة فلسطين، قبل انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، وهي: التشيك، والمجر، وبولندا، وبلغاريا، ورومانيا، ومالطا، وقبرص.
 
وجاءت الخطوة الأبرز في تصويت البرلمان الأوروبي، في 17 ديسمبر الجاري، لمصلحة مشروع قرار يدعم الاعتراف بدولة فلسطين، بعد تأييد 498 برلمانيا، واعتراض 88، وامتناع 111 عن التصويت. وتضمن مشروع القرار، المقدم من قبل عدة كتل سياسية أوروبية، دعم الاعتراف بدولة فلسطين بشكل مبدئي، وموازاة هذا الاعتراف بتقدم محادثات السلام بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وفق أساس حل الدولتين.
 
وتعدّ تلك المواقف الإيجابية الأوروبية المتلاحقة مكسبا دبلوماسيا فلسطينيا مضافًا إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، في نوفمبر 2012، منح فلسطين صفة "دولة مراقب" غير عضو في الأمم المتحدة، عقب تصويت 138 دولة لمصلحته، من بينها ثلاث من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، وهي فرنسا، وروسيا، والصين، مقابل معارضة تسع دول، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية، وامتناع 41 دولة، من ضمنها بريطانيا، عن التصويت.
 
فعالية المواقف الأوروبية:
 
باستثناء حكومة السويد، تعد قرارات "الاعتراف" بدولة فلسطين، التي اعتمدها "فرادى" برلمانات أوروبية متعددة، خطوة رمزية غير ملزمة حكوميا باتخاذ إجراءات تنفيذية رسمية لنفاذها، بمعنى أنها لن تقود في المدى المنظور على الأقل إلى نتائج عملية تجبر الأجهزة التنفيذية في تلك الدول على اعتماد ما قد يجسد "الاعتراف" إلى آليات ضاغطة على الاحتلال الإسرائيلي للانسحاب من الأراضي المحتلة، تمهيدا لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967، ما لم ينم عن توجهٍ رسمي بذلك.
 
 بينما تلبس موقف البرلمان الأوروبي صيغة "الدعم"، وليس "الاعتراف"، أو "الإلزام" في معرض حديثه عن دولة فلسطين، مما يترك خيار القرار لدول الاتحاد الأوروبي نفسها في اتخاذ ما يناسبها من إجراء وفق سياساتها وتوجهاتها، بما يجعله، مع سابقاته، محاكيًا للأجندة الأممية الممتلئة بجملة القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي، والجمعية العامة، والتي تطالب الاحتلال الإسرائيلي بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولكن من دون اتخاذ إجراءات وضوابط ملزمة لنفاذها فعليًّا.
 
 ومع ذلك، يكتسب الحراك الأوروبي بعدا حيويا معتبرًا يصب في مصلحة الثابت الوطني الفلسطيني للتحرير، وتقرير المصير، وعودة اللاجئين الفلسطينيين، وإقامة الدولة المستقلة، إذا ما تم تطويره وتحسينه، وحشد الطاقات السياسية والدبلوماسية العربية الفلسطينية ليشمل ساحات أوروبية أخرى. 
 
إذ تنسجم خطوات "الاعتراف" البرلماني مع المناخ العام السائد في أغلبية دول القارة الأوروبية المؤيد للتسوية السلمية وفق حل الدولتين، مما من شأنه أن يسفر عن إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 ، وعاصمتها القدس المحتلة، إلى جانب "إسرائيل"، مثلما تعكس مواقف دول صديقة للشعب الفلسطيني.
 
 ورغم "رمزية" التوجه، فإنه قد يُشكل عنصرا ضاغطا على الحكومات لإتخاذ خطوات سياسية جادة مساندة للمسعى الفلسطيني الحثيث لإنجاز الدولة المستقلة، لا سيما أنه جاء معبرا عن القاعدة الشعبية الواسعة المنتصرة لعدالة القضية الفلسطينية في مواجهة الاحتلال، على أساس أن المجالس النيابية الأوروبية تضم نخبة منتخبة شعبيا، انتخابا ديمقراطيا حرا، وبالتالي فإنها تترجم قراراتها ومواقفها تبعًا للمزاج الشعبي العام، مما يجسد المكانة النوعية والمساحة الواسعة التي باتت القضية الفلسطينية تحتلها لدى الرأي العام الأوروبي.
 
يستقيم ذلك الحال مع أجواء التغير اللافت الذي أصاب، منذ فترة، مواقفَ بعض الدول الأوروبية من الجانب الإسرائيلي، حتى تلك التي ترتبط معه بعلاقات تقليدية تاريخية، نتيجة التعنت الإسرائيلي حيال الاستيطان والعملية السلمية، وإجراءاته الأحادية ضد الأراضي المحتلة، بما فيها القدس، مما تسبب في إفشال المفاوضات، واتساع رقعة الغضب والسخط الفلسطيني العربي، وتنامي لغة التبدّل في الخطاب الغربي، عمومًا، إزاء ما يعتقده مخالفًا لرؤيته تجاه إحلال الأمن والسلام في منطقة الشرق الأوسط، عبر بلوغ التسوية السلمية، وفق حل الدولتين، من خلال المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية.
 
وقد صحب ذلك تململ أوروبي تصاعدت حدته مع الحرب الإسرائيلية الأخيرة ضدّ قطاع غزة، جرى التعبير عنه في مواقف الإدانة، وبيانات الشجب والاستنكار، بينما وصل إلى ذروته رسميا، إلى حد استقالة وزيرة في الحكومة البريطانية بسبب موقفها المناهض لعدوان الاحتلال في قطاع غزة، تزامنًا مع تنظيم تظاهرات شعبية تضامنية واسعة عمّت ساحات أوروبية مختلفة لنصرة الشعب الفلسطيني، والتنديد بجرائم الاحتلال التي أسهمت وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي في الكشف عنها، مقابل دفع القضية الفلسطينية العادلة إلى واجهة المشهد، مما أوجد حركة تضامن دولي عريضة لم تقتصر على تيارات الوسط واليسار، المتضامنة تقليديا مع قضية الشعب الفلسطيني، وإنما عززت تحالفات أخرى جديدة، بموازاة اتساع رقعة مقاطعة منتجات المستوطنات، والمقاطعة الأكاديمية والثقافية للجانب الإسرائيلي، التي أحكمت طوْق عزلته الدولية.
 
 تباين المواقف الأوروبية:
 
غير أن تباين المواقف الأوروبية، عمومًا، من القضية الفلسطينية، ومن الاحتلال الإسرائيلي، عدا نشاط اللوبي الصهيوني الكثيف في أوساط الساحات الأوروبية، يجعل من المستبعد اتخاذ موقف أوروبي موحد، أو الضغط على الاحتلال لجهة انسحابه من الأراضي المحتلة، والالتزام بالعملية السلمية.
 
بينما لا تزال غالبية الدول الأوروبية تدور في فلك الإدارة الأمريكية المنحازة للاحتلال الإسرائيلي، مما جعلها ترتضي، منذ اتفاق "أوسلو"، بالاكتفاء بلقب المانح الاقتصادي للجانب الفلسطيني، إزاء محاولات واشنطن المحمومة لإبعاد الدورين الأممي والأوروبي عن واجهة مشهد العملية السلمية في منطقة الشرق الأوسط، مقابل الاستئثار بملفها.
 
ورغم خروج فرنسا عن السرب عند تصويتها لمصلحة قرار منح فلسطين صفة "دولة مراقب" غير عضو في الأمم المتحدة عام 2012، فإنها لم تتخذ ما قد يجسد مكاسبه القانونية والسياسية فعليًّا في الأراضي المحتلة، بينما حملت البصمة الفرنسية، مع أطراف دولية أخرى، بنود المشروع الفلسطيني العربي المعدل المطروح أمام مجلس الأمن، والذي جوبه بمعارضة القوى والفصائل الفلسطينية بسبب مساسه بالثوابت الوطنية المتعلقة بقضايا القدس، واللاجئين، والاستيطان، مقابل تأسيسه قاعدة لاستئناف المفاوضات بعيدًا عنها.
 
ويدخل العنصرُ الخلافي الأوروبي عائقًا قويًّا أمام الدفع صوب ما قد يفتح منافذ رسمية فعلية للتوجهات البرلمانية في الدول الأوروبية، نظير من يرى مسألة "الاعتراف" خطوة لاحقة، وليست سابقة لنتائج المفاوضات السياسية، مثلما يجعل مصير قرار محكمة العدل الأوروبية بشطب "حماس" من لائحة الإرهاب في المجهول.
 
ويجد مختصون قانونيون أن إقرار المحكمة الاستناد في تصنيف "حماس" إلى "عناصر واقعية مستمدة من الصحافة والإنترنت"، وليس قرائن صلبة، لا يعني الكثير إلا من الناحية الشكلية في الدعوة، حيث ترجع القضية إلى تعديل المحكمة، خلال شهر أكتوبر الماضي، للقواعد القانونية المطلوبة بالنسبة إلى قائمة الإرهاب. وقد استفادت "حماس"، كما غيرها من المنظمات والحركات المدرجة على قائمة الإرهاب، من هذا التعديل في متطلبات الإدراج، عبر تقديم دعاوى تُطالب بالإزالة من القائمة، مستخدمة حجة ضعف الأدلة.
 
إلا أن إعطاء المحكمة للمجموعة الأوروبية مهلة ثلاثة أشهر لاستئناف الحكم، إذا رغبت في ذلك، بحيث تبقى العقوبات وحظر الأرصدة ساريين طوال الفترة المحددة، قد يفتح المجال أمام مناورات سياسية في وقت تنشط فيه الجهود الأمريكية لإحياء مفاوضات السلام مجددًا، بينما يترك العنان للتباين الأوروبي الخلافي حيال تلك المسألة، والذي عبّرت عنه الناطقة باسم المفوضية الأوروبية المكلفة بالشئون الخارجية عند تأكيد أن "الاتحاد الأوروبي لا يزال يُعد "حماس" تنظيمًا إرهابيًّا"، بما استهدف، أيضًا، امتصاص غضب الحكومة الإسرائيلية وتطمينها بأن المسألة تقنية إجرائية فقط. 
 
ولا يعدّ قرار المحكمة بشأن "حماس" المثار الوحيد للمخاوف الإسرائيلية، في ظل حملة تل أبيب الدبلوماسية المضادّة أوروبيًّا لإجهاضه، وإنما يتأتى من حركة "الاعترافات" البرلمانية الأوروبية المتزايدة بدولة فلسطين. ورغم أنها لن تلزم الاحتلال بنواتجها التي لن تغير موازين القوى، ولا الوقائع المغايرة على الأرض، فإن موقفه منها يدخل في باب درء المخاطر، والتشبث بالراهن الذي يستطيع تغييره تبعًا لمصالحه بدون ضجة إعلامية، إضافةً إلى النظرة العنصرية الإسرائيلية التي لا تُريد للفلسطينيين تسجيل أي تقدم، حتى لو كان معنويًّا.
 
بيد أن محاولة تبديل "البوصلة" تجاه قوة الحق الفلسطيني، وتغيير "الرمزي" الأوروبي إلى إجراءات فعلية، تقتضي تفعيل النشاط الدبلوماسي العربي الفلسطيني لحشد التأييد الواسع للقضية الفلسطينية، والذي يتأتى من خلال وحدة وطنية فلسطينية، واستراتيجية موحدة في مواجهة عدوان الاحتلال.

رابط دائم: