"ندوة":مسارات الخروج من الأزمة الليبية الراهنة
24-8-2014

أميرة البربري
* باحثة ماجستير بكلية الإعلام، جامعة القاهرة.
يزداد الوضع الليبي تأزمًا يومًا بعد يوم، حيث يسير الاقتتال الداخلي بوتيرة متسارعة، ويخيم على الوضع مشهد من الضبابية حول ماهية الأطراف المتصارعة داخل ليبيا وأهدافها، ودور القوى الخارجية في تعقيد الوضع وقيادته نحو مزيد من العنف بما يخدم مصالحها في المنطقة، الأمر الذي بات يشكل تهديدًا مباشرًا وبالغ الخطورة لمستقبل الدولة الوطنية الموحدة، والأمن القومي لدول الجوار، خاصة مصر، حيث تعد ليبيا المنفذ الرئيسي للسلاح الذي يتدفق إليها من خلال حدودها الغربية، ويتم استخدامه في أعمال تخريبية تهدد أمن واستقرار الدولة لمصلحة مشاريع التقسيم في المنطقة.
 
في هذا الإطار، عقدت لجنة العلاقات الخارجية بنقابة الصحفيين ندوة  حول تطورات الوضع في ليبيا، بمشاركة مركز البحوث العربية والإفريقية، برئاسة الدكتورة شهيدة الباز، مدير المركز، والدكتور محمود جبريل، رئيس الوزراء الليبي السابق، رئيس تحالف القوى الوطنية الليبية.
 
حدود الدور الخارجي في الأزمة الليبية:
 
في بداية حديثه، أكد الدكتور محمود جبريل أن المشهد الليبي مشتعل بكل المقاييس، بحيث تتضاءل الكلمات أمام أنات وآلام النساء والأطفال، جراء الصواريخ التي تسقط على رءوسهم ليلًا نهارًا. وباتت ليبيا مهددة بشكل كبير نتيجة الاقتتال الداخلي في مختلف الساحات، مشيرًا إلى وجود محاولات حثيثة من جانب أطراف عدة للتوصل إلى هدنة أو اتفاق لوقف إطلاق النار.
 
وأوضح جبريل أنه لفهم المشهد الليبي بطريقة صحيحة، لابد أن يتم تناوله من خلال إطار أوسع، هو انتفاضات الربيع العربي عامة، معتبرًا أن وجهة النظر السائدة لدى البعض بأن الانتفاضات العربية هي مؤامرة غربية لتقسيم دول المنطقة أمر غير صحيح، موضحًا أنه عندما انطلقت هذه الانتفاضات، خاصة في ميدان التحرير، كانت هناك وفود أجنبية متداخلة بين المتظاهرين لمعرفة ما يجري، وهو ما يعني أن الانتفاضات كانت مفاجئة بالنسبة للدول الغربية، موضحًا أنه في لقائه بهيلاري كلينتون في 14 مارس 2011 ، كانت تسأل المجلس الوطني الانتقالي "من أنتم؟، ومن تمثلون؟". 
 
واستكمل جبريل قائلاً إنه كانت هناك بالفعل مشاريع غربية في المنطقة وجدت فى الانتفاضات فرصة سانحة لتنفيذها، خاصة في ظل جموع شابة لا تملك مشروعًا، أو تنظيمًا واضحًا، أو قيادة، وإنما تملك أحلامًا، وهو ما استغلته أكثر التنظيمات جاهزية – تيار الإسلام السياسي - لتحويل حالة السيولة الثورية إلى صورة صلبة لخدمة مشاريع محددة، فتزامن المشروعان، ومثل الربيع حالة سيولة لخدمة مشروع آخر. وبالتالي، فالانتفاضات العربية هي انتفاضات أصيلة قامت من أجل البحث عن مستقبل أفضل، وليس عيبًا عدم امتلاكها لمشروع محدد.
 
وأشار جبريل إلى أن القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين مثلا حالة يقظة عربية فكرية، قادها أعلام الفكر مثل رفاعة الطهطاوي، وعبد الرحمن الكواكبي، ومحمد عبده، لكنها لم تتحول لحركة شعبية إلا بعد فترة طويلة من الزمن، وهو ما يعني أن الفكر سبق الحركة. وعلى العكس تمامًا، فالحراك الحالي بدأ بانتفاضة شعبية تقود إلى تحول فكري، أي أن الحركة سبقت الفعل، والشارع سبق النخبة بمراحل، فكانت حركة غير مؤطرة فكريًا، أدت إلى وقوعنا في "مطب" نظرية رد الفعل، وتحول دور القوى الثورية من التنظير للمستقبل بمشروع نهضوي – الرسالة الحقيقية للنخب الفكرية - إلى الرد على تيارات الإسلام السياسي. ولجأت النخبة في أحايين كثيرة إلى توثيق الظاهرة من خلال صبها في أنماط جامدة، مما أفقدها الكثير من جوانبها.
 
الأزمة من الداخل:
 
وفي تشخيصه للأزمة الليبية، قال جبريل إن ليبيا شهدت تصحرًا سياسيًا على مدى 42 عامًا، وترك القذافي العديد من الموارد النفطية التي لم تسخر لتنمية المواطن الليبي الذي عانى حرمانًا حقيقيًا، وقمعًا سياسيًا وفكريًا، وبدت مظاهر التوريث واضحة، فكانت الانتفاضتان المصرية والتونسية عاملًا محفزًا في الشارع الليبي لتحقيق ما حققته الثورات في هذه الدول. لكن الطابع الدموي غلب على الانتفاضة الليبية، فكانت السلطة بالنسبة للقذافي جزءًا من جلدته، والخروج عليه ضربة قاصمة لكبريائه، فأرغم الليبيين على حمل السلام لمواجهة آلة القتل الجماعي. 
 
ونوه جبريل إلى أن القذافي أمعن في قتل المتظاهرين لإجبار المجتمع الدولي على التدخل، ظنًا منه أن ذلك يكسب حربه طابعًا وطنيًا، بحسبانها حربا ضد الإمبريالية الغربية، ويتحول بذلك إلى بطل قومي. لكن هذه الحيلة لم تنجح، لأن الجموع كانت قد انطلقت في كل المناطق، وكان إسقاط القذافي عاملًا موحدًا لليبيين، لأنه لم يكن هناك مشروع للثورة. لكن بعد سقوطه، نشأ السؤال الأكبر، سؤال الفتنة الكبرى "لمن الحكم؟!". فكل شخص في المتر المكعب الواحد يعتقد أنه الثائر الذي يحتكر ملكية الثورة، وشرعية تحديد نظام  الحكم. وأوضح أن حقيقة ما يجري في ليبيا حاليًا ليس كما يصوره تيار الإسلام السياسي على أنه صراع بين الإسلام والعلمانية، وإنما الحقيقة أن هناك صداما بين تيارين، أحدهما يدعو لتداول سلمي لسلطة مدنية، والآخر يستهدف الإقصاء والاستئثار بالسلطة. 
 
وشخص جبريل الأزمة بأنها تكمن في الافتقار للهندسة السياسية العبقرية التي تنظر لمشروع نهضوي ينسجم مع حجم الانتفاضات، مؤكدًا أن أكثر ما يخيفه في الوضع الحالي أن يتحول عمل النخب والمفكرين العرب إلى ما بعد الظاهرة، معتبرًا أن الوظيفة الأساسية للنخب هي التبشير وطرح الرؤي. فالحركة بدون فكر لا تعرف المسار. ومن هنا، أكد ضرورة تبني مراكز البحث العربي دعوة حقيقية لمشروع عربي.
 
ولخص جبريل المشهد الليبي الحالي في النقاط التالية:
 
- انعدام مشروع موحد، في وجود تركيبة قبلية، و22 مليون قطعة سلاح منتشرة في الشوراع، وهي كمية كافية لتسليح أكثر من سبع دول إفريقية.
 
- تراجع الحس الوطني لمصلحة الحس الجهوي، والقبلي، مما يجعل التقسيم سهلا، خاصة في وجود السلاح.
 
- استنزاف حقيقي لثروات وموارد الشعب الليبي في ممارسات دموية غير مسبوقة.
 
- امتداد الحدود لأكثر من 700 كيلو متر بدون حماية يجعل الأراضي الليبية ملاذًا آمنًا للجماعات المسلحة التي انتشرت تحت مرأى ومسمع المجتمع الدولي، وربما بموافقة ضمنية.
 
الدور العربي في الأزمة: 
 
طرحت الدكتورة شهيدة الباز، مدير مركز البحوث العربية والإفريقية، تساؤلًا حول ماهية الدور العربي في حل الأزمة الليبية. وأجاب جبريل قائلًا: إن غياب دور الدول الأقطاب في شمال إفريقيا، خاصة مصر والجزائر، في حل الأزمة الليبية ترك المجال لدول صغيرة وناشئة، مثل قطر وتركيا، لتصدر المشهد السياسي، والتحكم في مصائر دول، مؤكدًا أن سيل الدماء التي تراق اليوم من الليبيين، وانتشار الجماعات المسلحة في ليبيا، يُسأل عنها أمير قطر شخصيًا الذي تصدى لتفكيك الميليشيات في مؤتمر باريس، وسانده في ذلك رئيس المجلس الوطني الانتقالي. وقال إن باستطاعته جمع السلاح من مصراتة، وطرابلس في 24 ساعة، والوضع حالياً وجود أكثر من 1600 ميليشيا مسلحة، والاقتتال يزداد شراسة يومًا بعد يوم. وترتب على تدخل الأطراف الخارجية اختلال ميزان القوة عل الأرض، معربًا عن أمله في أن يتخذ تيار الإسلام السياسي من النموذج التونسي نموذجا يحتذى به، لكنه للأسف اختار تطبيق نموذج تيار الإسلام السياسي المصري.
 
وحول مسارات الخروج من الأزمة الحالية، تحدث جبريل عن كثرة الصيحات والدعوات في الآونة الأخيرة لإمكانية تدخل عسكري في ليبيا لمواجهة التطرف أو وقف الاقتتال، معتبرًا أن هذا الأمر خاطئ تمامًا، وأثبت فشله في نماذج سابقة كثيرة، أبرزها الفشل الأمريكي في العراق، وأفغانستان، والصومال. وأوضح أن الوضع الحالي في ليبيا لا تصلح معه الجيوش النظامية في مواجهة "أشباح" يتمترسون داخل الأحياء السكنية. كما أن البعد الخارجي زاد الأمور تعقيدًا في غياب الدولة، وأصبحت الأراضي الليبية مخترقة، ومسرحًا لمخابرات كل الدول، حتى إن المخابرات الجيبوتية والصومالية تعمل في ليبيا.
 
وأكد جبريل أنه لن يعود الاستقرار لشمال إفريقيا ما لم تستقر ليبيا، لأن هذه الجماعات المسلحة سائلة لا تعترف بالحدود والأوطان، وبالتالي فالتحرك بشأنها لابد أن يكون مختلفًا في منهجيته وأدواته، وإلا فإن أمد الصراع سيطول، وتطال شظاياه دولا عدة من الجوار والشمال. وأوصى المجتمع الدولي بحسبان المسألة الليبية قضية أمن قومي، وإلغاء المعادلة الصفرية عند اللجوء لمائدة الحوار، مع البحث عن صيغة لطمأنة الجميع، وجعلهم يشعرون بأنهم شركاء في الوطن، واصفًا ما يحدث اليوم في ليبيا بالصراع بين قوة الحق وحق القوة.
 
كما أوصى بضرورة عدم التعويل على النخب في حل الأزمة التي دائمًا ما تكون لها طموحاتها ومصالحها، وعدم انتظار القائد الملهم أو المنقذ، معتبرًا أن حل الأزمة يكون عند الذين بدأوا هذه الثورات من الشباب المخلصين. 
 
وفي مداخلة للدكتور عبد الغفار شكر، رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكى، أوضح خلالها أن ما يجري في ليبيا لا يمكن حله إلا باستعادة الدولة، بحيث تكون قادرة على احتكار القوة، وحرمان أي طرف آخر من استخدامها، مؤكدًا أن القضية الليبية هي قضية مصرية. فبالرغم من أن مصر هي الدولة الوحيدة التي نجحت في محاربة خطط تفتيت الدولة الوطنية، فإن ما يجري في ليبيا حاليًا يهدد الاستقرار في مصر، خاصة في وجود كمية السلاح الكبيرة التي دخلت إليها، علاوة على أن كثيرا من الجماعات المسلحة توجهت إلى ليبيا لتكون بمنزلة نقطة انطلاق إلى مصر. وأكد ضرورة أن تكون مصر شريكًا أساسيًا في بناء التوافق الوطني الليبي.
 
وفي ختام أعمال الندوة، نوه الدكتور محمود جبريل إلى أنه ليس من الغريب أن تسعى الدول لتحقيق مصالحها، لكن العيب فيمن جعلوا من أنفسهم مطية لهذه الدول، متمنيًا أن تلعب الدول الكبيرة – مصر والجزائر – دورًا أكثر فاعلية، حفاظًا على أمنها القومي، مؤكدًا أن مصر تستطيع أن تمارس ضغوطًا على أطراف بعينها داخل ليبيا للجلوس على مائدة المفاوضات. وأوضح أن من يقبل التداول السلمي للسلطة يعد شريكًا في الوطن، حتى لو كان من الجماعات المسلحة، بشرط ترك السلاح.

رابط دائم: