توتر متصاعد:| دلالات حكم القضاء المصرى بالحظر المؤقت لأنشطة حماس
30-3-2014

محمد جمعة
* خبير في الشئون الفلسطينية، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.

16 مارس 2014

لم يفاجئ قرار محكمة القاهرة للأمور المستعجلة، في الرابع من مارس 2014، بالحظر المؤقت لأنشطة حركة "حماس" داخل مصر إلى حين الفصل في الدعوى الجنائية التي تقوم على اتهامها باقتحام السجون) أيا من المراقبين للعلاقات المصرية– الحمساوية، ولا حتى أولئك المخاطبين بهذا الحكم القضائي المؤقت، بمن في ذلك قادة حماس أنفسهم.

لقد كانت الشواهد تُنذر بما هو أفدح من إغلاق مقار لا وجود لها، وحظر أموال غير مودعة في بنوك ممنوعة أصلاً من التعامل مع قطاع غزة، خاصة أن القطيعة بين السلطات المصرية والحركة (التي تعرف نفسها بأنها فرع التنظيم الدولي للإخوان المسلمين في فلسطين) كانت تتفاقم باطراد، وتشي بأن "ديناميات" الأزمة ومساراتها تنتقلان من طور إلى طور أعلى بوتيرة أسرع.

في الوقت نفسه، حالت تعقيدات المرحلة الانتقالية في مصر، والحسابات السياسية المعقدة للدولة المصرية، دون حدوث هذه الانعطافة المفصلية في وقت مبكر، فضلا عن تخفيضها إلى درجة أدنى من وصم "حماس" بأنها منظمة إرهابية.

توتر متزايد

لقد شكل قرار المحكمة المصرية رأس جبل جليديا للمأزق الذي أوقعت حماس نفسها فيه، لجهة إدارة علاقاتها مع الدولة المصرية، خاصة أن تبعات هذا القرار الإجرائي ليست بالقليلة. فاليوم، تعدى الأمر مسألة حملة إعلامية مغرضة (وفق خطاب حماس الرائج)، وتجاوز حدود "التحريض" لرأي عام مصري عاتب، استفزه التدخل الخارجي في شئون بيته الداخلية، وذلك بعد أن انتقلت الاتهامات من فضاء الإعلام، ومداخلات محللين وضباط متقاعدين إلى حيز القضاء الذي باشر التحقيق، والاستماع للشهود، والاطلاع على وثائق استخبارية، تشير إلى ما هو أكثر من شبهة واحدة بوقوع تجاوزات بحق مقتضيات الأمن والسيادة المصريين.

وإذا كان الطابع "المؤقت" للقرار هو كناية عن الطابع الاحترازي، فإن صفة الاستعجال هنا ليس لها إلا معنى واحد، هو أن الخطر داهم إلى الدرجة التي أصبح معها البت المستعجل (من دون انتظار القرائن والأدلة ) واجبا قانونيا، وذلك بالنظر إلى درجة الخطورة . وهذا يعنى، في الحاصل الأخير، أن المسألة مرشحة فقط لمزيد من استحكام العداوة، وذلك في ضوء الأدلة والقرائن التي تتعلق بقضيتي اقتحام السجون والتخابر، والتي في حالة ثبوتهما للمحكمة سيتم الانتقال إلى مرحلة أخرى من الملاحقة القضائية لمؤسسات على وجه التحديد، ولأشخاص بعينهم، وعلى جرائم معينة، وعقوبات محددة.

حماس .. "تسييس الحكم"

في ضوء كل ذلك، فإن حديث بعض قيادات حركة حماس أو المتحدثين باسمها عن الطابع "السياسي" للقضية لا يجدي نفعا، لأن المسألة أُدرجت موضوعياً في المسار القانوني والقضائي، وأصبح المسار القانوني والقضائي هو القناة الوحيدة الممكنة للمعالجة، ولم يعد ممكنا أن يتم تسييس المعالجة، حتى ولو سلمنا جدلا(بمنطق حماس) بأن "شُبهة" السياسة متوافرة في خلفية المشهد.

باختصار، " حماس" اليوم أمام مشهد تقف فيه وحيدة مجردة من كل أوراقها الصالحة للمرافعة أمام هذه الضائقة الشديدة، سوى هذا الخطاب الانفعالي القائم على الخلط التعسفي بين حكومتها المقالة و قطاع غزة، والشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية. فيما تبدي القاهرة، أكثر من ذي قبل، تمييزا بين "حماس" كمكون إخواني معاد لها، وكل من تدعي الحركة أن الحكم القضائي يجور عليهم، ويقدم خدمة مجانية لأعدائهم.

وإذا كان القيادي البارز في حماس محمود الزهار قد صرح لـــ "قناة العربية"، في سياق التعليق على قرار القضاء المصري، بأن: " تصنيف حماس كحركة إرهابية ينسجم مع التصنيف الصهيوني- الأمريكي،على خلفية تمسك الحركة بالمقاومة الباسلة التي نفتخر بها"، فإن ذلك لا يعكس فقط قصورا في فهم طبيعة ما جرى، وإنما محاولة يائسة لخلط الأوراق، في لحظة ليست هي لحظة "حماس" السياسية المواتية لقلب الطاولة في وجه الأعداء أو الخصوم.

فمن جهة، لم يصنّف قرار المحكمة الحركة بأنّها إرهابية، كما سبقت الإشارة. ومن جهة أخرى، لا يجدر وصف ما يجري بالمؤامرة الصهيو-أميركية، لأن الموقف الأمريكي المعارض لاستهداف الإخوان المسلمين معروف للكافة. أما الخطاب المتدثر بمقاومة لم تعد تقاوم، فقد استحال عمليا إلى وسيلة (تفقد مصداقيتها يوما بعد الآخر) للحفاظ على السلطة.

وليس بلا مغزى تلك التصريحات التي أدلى بها (في سبتمبر الماضي )القائد الجديد لقيادة الكتيبة الإسرائيلية الجنوبية (التي تغطي الحدود مع غزة ومصر) للقناة الثانية الإسرائيلية بأنه " لا يوجد بديل غير حماس لتعزيز الهدوء والأمن في قطاع غزة " ، فضلا عن أن الشريط العازل الذي تحتله إسرائيل بطول حدودها مع غزة  قد تم توسعته، في ظل سلطة حماس، ليصل إلى 1500 متر داخل غزة ، بدلا من 500 متر فقط عام 2007، وهذا يعنى عمليا السيطرة المباشرة لجيش الاحتلال على 15% من مساحة القطاع كلل، و 30% من أراضيه المخصصة للزراعة.

أما تصريحات يحيى موسى، عضو المجلس التشريعي الفلسطيني عن "حماس"، والتي أدلى بها لصحيفة القدس العربي (التي اشترتها قطر أخيرا) بأن "مصر بعد قرار المحكمة باتت غير مؤهلة لمواصلة رعايتها لملف المصالحة الفلسطينية"، فلا تعكس فقط المضامين ذاتها التي تعكسها تصريحات الزهار، وإنما تسلط الضوء أيضا على آلية صناعة القرار داخل حماس، في ظل مؤشرات مقلقة للغاية تتعلق بتلك الآلية، بعد أن غابت أسماء كبيرة عن "السمع" و"البصر" منذ عدة أشهر، وصعدت أسماء ووجوه أخرى محسوبة على التيار الأكثر راديكالية في الحركة. ذلك أن تراجع مصر عن رعاية المصالحة هو عقاب إضافي لحماس، وليس ميزة لدى القاهرة، يمكن لحماس سحبها، خاصة أنّ أحدا لن يقبل القيام بهذه الرعاية الآن.

أبواب مغلقة 

فالمأزق الحمساوي الراهن يتمثل في أنّ الأبواب باتت مغلقة في أغلب دول الإقليم( بما فيها إيران). وحتى إن فُتحت في بلد مثل( تركيا- أردوغان)، فإنّ فتحها هناك يتسبب فى مشكلات أكبر للحركة في أماكن أخرى، أهمها القاهرة، إذ لم يحدث من قبل أن استطاع أي نظام سياسي البقاء على قيد الحياة والاستمرار في قطاع غزة، من دون " الحاضنة المصرية"، كما لم يحدث أبداً أن استطاع أي حكم سياسي في القطاع معاداة تلك "الحاضنة"، والعمل ضدها إلا وانتهى بأسرع مما يعتقد.

قد تتمنى بعض القيادات فى "حماس" حدوث "تهور" عسكري مصري( بل وقد تسعى هي لاستفزاز الجيش) يرد لها مظلوميتها، ويعيد إنتاجها في صورة الضحية. وقد تسعى الحركة للهروب إلى الأمام، عبر إشعال الحريق باتجاه إسرائيل، أو افتعال مواجهة محسوبة معها لاستعادة تعاطف مفتقد.

بيد أن هذه البدائل لم تعد تصلح كمخرج لأزمة حركة أوقعت نفسها بها، بلا آفاق، أو "أنفاق"، ولا حلفاء إقليميين، ولا أي من عوامل الرفع الذاتية. ولهذا، ربما لا يعد من قبيل المبالغة القول إن نمط الاستجابات الحمساوية في إدارة أزمة العلاقة مع مصر يعيد إنتاج بعض فصول المشهد المصري ، وتحديدا ما فعلته قيادات جماعة الإخوان في مصر، لحظة وصول درجة استعصاء علاقتهم بالأغلبية الكاسحة من الشعب المصري، وبمؤسسات الدولة المصرية، إلى الذروة قبل أيام من ثورة 30 يونيو، ويؤكد في الوقت نفسه أن "الطبعة الفلسطينية" للإخوان المسلمين تشاطر " الطبعة المصرية " بؤس القراءة لتطورات الأحداث، والتعاطي معها.

وعلى ذلك، ليس بمستغرب أبدا ألا تفهم  "حماس" أن التصرف كفصيل وطني فلسطيني، وليس كفرع لجماعة الإخوان المسلمين، كان هو الحل الأوحد الذي أمامها للتعامل مع " مصر ما بعد 3 يوليو"، تحديدا ، والخيار الأمثل لإدارة علاقاتها، في ظل واقع إقليمي جديد. 


رابط دائم: