المكسيك والإمارات: نحو تجديد صداقة قديمة
2-3-2014

خوسيه أنطونيو مييد
* وزير الخارجية المكسيكي
أقامت المكسيك ودولة الإمارات العربية المتحدة علاقات دبلوماسية بينهما قبل نحو أربعة عقود، وذلك في عام 1975. وفي ذلك الوقت، مثّلت تلك الخطوة الأولى اعترافاً رسمياً بالاهتمام المشترك أكثر منه نقطة البداية الحقيقية لقدر أكبر من التبادل بين بلدينا؛ حيث كانت تعكس تعبيراً عن رغبة مشتركة في نسج علاقة جديدة لشعبينا.
 
والواقع أنه ليس صعباً فهم اهتمام المكسيك بالإمارات؛ ذلك أنه من خلال اتحادها لتشكل دولة اتحادية في مطلع السبعينيات، أصبحت الإمارات لاعباً دولياً ذا أهمية متزايدة. واليوم، أضحى البلد مشهوراً باستقراره السياسي، وتلاحمه الداخلي، ونجاحه الاقتصادي. فبفضل عائداتها النفطية المهمة، طوَّرت دولة الإمارات اقتصاداً مزدهراً يقوم على مبادئ السوق، ويشجع العلوم والتكنولوجيا باعتبارهما السبيل إلى الرخاء والازدهار. وتدريجياً، أصبحت لاعباً مهماً، إقليمياً ودولياً.
 
والواقع أن المكسيك أيضاً شهدت تحولا لافتاً خلال الأربعين عاماً الماضية. فقد أضحت لاعباً مهماً في الاقتصاد العالمي، حيث يصل الناتج المحلي الإجمالي للبلاد إلى 1٫2 تريليون دولار (4٫4 تريليون درهم)، وهو ما يجعل منها ثاني أكبر اقتصاد في أميركا اللاتينية، والرابع في القارة الأميركية، والرابع عشر على مستوى العالم. وإلى جانب ألمانيا والمملكة المتحدة، تُعتبر المكسيك أكثر الاقتصادات انفتاحاً بين أعضاء مجموعة العشرين، حيث تربطها عشر اتفاقيات تجارة حرة بـ45 بلداً، منها الولايات المتحدة وكندا ودول الاتحاد الأوروبي واليابان؛ وهي ملتزمة التزاماً قوياً بالتجارة الحرة، وحركة رأس المال، والتكامل الإنتاجي.
وعلاوة على ذلك، فإن البنية التحتية المتطورة للمكسيك وموقعها الاستراتيجي بين أميركا الشمالية وأميركا اللاتينية، وبين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ، يتيحان لها إمكانية الوصول المباشر إلى أكثر الأسواق دينامية في العالم. وهذا ما ساعد البلاد، إلى جانب عوامل أخرى، على أن تصبح واحدة من القوى التصديرية الأولى في العالم من حيث الصناعات التكنولوجية المتوسطة وعالية المستوى.
 
كل هذه الإنجازات الاقتصادية تدعمها وتقويها ماليةٌ عامة صحية، وسياسةٌ نقدية مستقلة، ومعدلُ صرف مرن، ونظام مالي قوي؛ وكلها أمور تشكِّل أساس استقرارها الماكرواقتصادي المستمر.
 
وقد صاحبت ذلك التحول الاقتصادي في المكسيك مؤسساتٌ سياسيةٌ ما فتئت تزداد قوة. فاليوم، تُعتبر المكسيك ديمقراطية تعددية مستقرة. وقد سمحت لها قوة مؤسساتها ونضجها السياسي بتمرير إصلاحات هيكلية مهمة من شأنها أن تدفع بعملية التحديث والعصرنة قُدماً إلى الأمام وأن ترفع الحواجز التي كانت تعيق إمكانيات النمو. وتشمل هذه الإصلاحات تطويرا مهما للإطار القانوني الذي يحكم سوق العمل، والتعليم، والاتصالات، والمنافسة الاقتصادية، والقطاع المالي، والسياسة الضريبية، والضمان الاجتماعي، والقوانين السياسية والانتخابية، ومحاربة الفساد، وقطاع الطاقة بشكل عام.
 
كما سعت المكسيك إلى لعب دور نشط وبنَّاء على صعيد الشؤون الدولية، حيث شجعت على مزيد من الحوار مع الأصدقاء والشركاء إقليمياً ودولياً، ودعمت الاندماج الاقتصادي، وعززت التعاون من أجل تحقيق التنمية، وسعت إلى نظام دولي أكثر سلاماً وأمناً واستقراراً.
 
وهكذا، فإن المكسيك، وعلى غرار دولة الإمارات العربية المتحدة، تُعتبر اقتصاداً مزدهراً، وكياناً سياسياً مستقراً، ولاعباً دولياً مهماً. لكنها أيضاً، وأكثر من ذلك بكثير، وعلى غرار دولة الإمارات العربية المتحدة أيضاً، وريثة حضارات عريقة، وشعب يعتز بتاريخه، ومجتمع يتوق إلى الانخراط مع بلدان وثقافات أخرى في وقت يسعى فيه إلى تنمية نفسه.
 
ورغم أنه لم يكن يُعترف بهذا دائماً، إلا أن للثقافة العربية مكانة خاصة في التاريخ المكسيكي. وفي هذا الصدد، يلفت الكاتب والشاعر المكسيكي الشهير ألبيرتو ري سانشيز إلى أن ثمة «بصمة عربية كبيرة في المكسيك لا يدركها كثير من الناس. وهذه العناصر العربية تعتبر نماذج مكسيكية». واللغة أحد الأمثلة على ذلك؛ إذ بالكاد يمر يوم بدون تردد كلمة من اللغة العربية في المكسيك، وذلك بفضل التركة اللغوية الزاخرة التي تركتها الثقافة العربية في إسبانيا، والتي نقلت إلى كل البلدان الناطقة بالإسبانية حالياً. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فحين يريدون التعبير عن أمنية، يقول المكسيكيون من كل أرجاء البلاد: «أوخالا»، وهي مشتقة من العبارة العربية «إن شاء الله» (لكنه تم تحويرها وصارت تُنطق «أوخالا»). وتشير التقديرات إلى أن قرابة ثلث كل الكلمات الإسبانية يعود أصلها إلى اللغة العربية.
 
وعليه، فإن المكسيك أقرب إلى الدول الخليجية مما قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة. ذلك أننا نتقاسم التطلعات إلى السلام والاستقرار، ولدينا أهداف مشتركة بخصوص التنمية والرخاء، ولدينا إرث ثقافي يجمع بينا. صحيح أن التواصل المباشر كان محدوداً على مر السنين؛ غير أن ثمة الكثير مما نتقاسمه، والكثير مما نستطيع أن نقوم به في المستقبل لتقريب شعبينا وثقافتينا أكثر بما يعود علينا بالنفع والخير المتبادلين. وبينما ننكب على مهمة بناء هذه العلاقة الجديدة بين بلدينا، أقول: «أوخالا».
 
---------------------
نقلا عن الاتحاد الإماراتية، الأحد، 2/3/2014.

رابط دائم: