تحديات مرحلية:| "مؤتمر" معوقات الانتقال الديمقراطي في مصر بعد ثورة 30 يونيو
22-9-2013

أميرة البربري
* باحثة ماجستير بكلية الإعلام، جامعة القاهرة.
يُظهر المشهد المصري بعد ثورة 30 يونيو العديد من التحديات التي تتطلب من القائمين على النظام السياسي المصري سرعة تنفيذ خريطة الطريق المعلن عنها في 3 يوليو 2013 ، وذلك حتى يمكن إزالة كافة العراقيل السياسية والمجتمعية التي يمكن أن تعيق عملية الانتقال الديمقراطي. في هذا الإطار، عقد مركز بحوث دراسات الشرق الأوسط والدراسات المستقبلية مؤتمراً بعنوان: "مستقبل الحياة السياسية في مصر بعد 30 يونيو"، بمشاركة عدد من الخبراء والمتخصصين وتحت رعاية دكتور حسين عيسى، رئيس جامعة عين شمس، بهدف استشراف مستقبل الحياة السياسية في مصر بعد الأحداث الأخيرة.
 
أهداف المؤتمر:
 
افتتح دكتور جمال شقرة ، رئيس المركز، المؤتمر بتأكيد وجود عدد من التحديات والمؤامرات التي تواجهها مصر عقب انتصار إرادة الشعب المصري مرتين: الأولى في 25 يناير 2011 عندما قهر الاستبداد السياسي والفساد الناجم عن الزواج غير الشرعي بين السطة والثروة. هذا الزواج – كما وصفه – الذي أوشك أن ينجب لنا مسخاً يشوه حياتنا السياسية بتوريث الحكم. والأخرى في 30 يونيو، عندما قهر الفاشية في أسوأ صورها، وهي الفاشية الدينية التي تمترست زوراً وبهتاناً خلف الدين الإسلامي، وهو منها براء. فخرج الشعب في مشهد لم يعرفه تاريخ البشرية من قبل، معلناً رفضه الاستبداد باسم الدين. وهو ما جعله يستحق اللقب الذي أطلقه عليه الزعيم الراحل، جمال عبد الناصر، وهو "الشعب المعلم".
 
وأكد شقرة أنه بالرغم من أن الشعب المصري قد أسقط السلطة الفاشلة، والمخطط الصهيو – أمريكي، وبدد أحلام الخونة والمرتزقة ورجال ونساء الطابور الخامس الذين راهنوا على مشروع الشرق الأوسط الجديد، فإن المعركة لا تزال قائمة، وقد تمتد لفترة. من هنا، حرص المركز على عقد المؤتمر الحالي في محاولة للإجابة على أسئلة تطرحها اللحظة الراهنة وهي: ما طبيعة الوضع السياسي الراهن؟، وكيف سيتم التحول الديمقراطي ومراحل خريطة الطريق؟، وما أهم التحديات التي تعترض هذه المسيرة؟.
 
وفي كلمته، أكد دكتور حسين عيسى، رئيس الجامعة، أن عظمة ما حدث في 30 يونيو ليس فقط المعاني التي نسمعها، ولكن أن يقول الشعب كلمته، فتصطدم بإرادة ومخطط دولي، واتجاهات يتم الرسم لها منذ عام 2003 تنظر للعالم - وبخاصة منطقة الشرق الأوسط -كمناطق نفوذ طويلة الأمد. ووقع الاختيار على تيار الإسلام السياسي ليكون بمثابة رأس الحربة لتنفيذ مخططات هذه القوى في المنطقة. وبالتالي، يمكن تفسير ما يحدث في سوريا حالياً في ضوء اكتشاف أن منطقة شرق المتوسط تحتوي على احتياطي من الغاز الطبيعي يساوي أضعاف احتياطيه في الخليج العربي، وأن سوريا هي صاحبة النصيب الأكبر من هذا الغاز. 
 
وأشار د. عيسى إلى  أن 30 يونيو قد أفشل هذه المخططات التي تم الإعداد لها في سنوات، و كان علامة على خوض معركة الاستقلال على كافة المستويات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية.  لذا، لا بد من تنفيذ خريطة الطريق للوصول بمصر إلى دولة ديمقراطية ليس سياسياً فقط، وإنما اقتصادى أيضاً، من خلال المشاركة الشعبية في صنع القرار الاقتصادي، حيث إن هناك دولا خاضت الديمقراطية الاقتصادية كمدخل لتحقيق ديمقراطية سياسية، ومصر مؤهلة حالياً لتطبيق هذا المسار.
 
ملامح المشهد السياسي بعد 30 يونيو:
 
أكدت المستشارة تهاني الجبالي،  نائب رئيس المحكمة الدستورية السابق، أن الوطن دائماً ما كان يمتلك شعباً وجيشاً بإرادة الصمود، حيث حول الهزيمة في 1967 بإعادة البناء، وتمسك بالقائد المهزوم ، الزعيم الراحل جمال عبد الناصر ، لإيمانه بوطنيته، وأعاد بناء جيشه بتضحيات أبنائه. والشعب نفسه هو الذي قام بثورتين، أذهلتا العالم، وأزاح نظامين أصعب من بعضهما بعضا. فالأول: نظام فاسد ومستبد نال من العدالة تجاه الوطن، والآخر: انتهك حرمة مقومات الدولة والأمن القومي، وحقوق وحريات الشعب، وأن يزيف وعيه وضميره الجمعي باسم الدين، والتحالف مع الأعداء التاريخيين للأمة العربية والوطن ليصبح طرفاً في مشروع الشرق الأوسط الجديد، والذي لا يتحقق إلا بتفتيت المنطقة على أسس عرقية ومذهبية. وكان الدرس البليغ من الشعب في إسقاط هذين النظامين في فترة وجيزة، مما دعى أعداءه في دوائر الأمن القومي الأمريكي إلى أن يلقبوه – الشعب المصري - بالصخرة.
 
ولتشريح الوضع السياسي في مصر بعد 30 يونيو، أشارت المستشارة تهاني الجبالي إلى أنه ينبغي معرفة أن الأصل في هذا المشهد أننا نواجه حالة حرب، هي الجيل الرابع من الحروب تقوم على عدد من الأركان، هي:
 
1- اختيار حليف محلي: وقد كان من الوضوح أن الاختيار قد وقع على تنظيم الإخوان المسلمين وفروعه في المنطقة للقيام بهذا الدور، وذلك من خلال تسهيل وصوله إلى السلطة بعد الثورات الحادثة في المنطقة. والشواهد على ذلك عديدة منها:
 
-  الإرهاب الأسود الذي تواجهه مصر في سيناء، وخروجها عن السيطرة الوطنية، ومشروع تطوير إقليم قناة السويس، كي يصبح عازلاً لسيناء إلى الأبد.
 
- الهجوم على القضاء المصري وأركانه، ومحاولة إدخال المؤسسة المرجعية للدولة القانونية – المحكمة الدستورية العليا – في بيت الطاعة الإخواني لعرقلة قيامها بدورها في محاكمة الدولة عند خروجها عن الأسس الدستورية والقانونية، بالإضافة إلى استهداف القضاء بشكل عام من خلال التهديد بخروج 5000 قاض من منصة القضاء.
 
- رسم استراتيجية متكاملة للتحرش بالجيش، وهدم جهاز الشرطة، واستهداف الدبلوماسية المصرية العريقة بدبلوماسية بديلة، والتغول في أجهزة الأمن الوطني، وأخيراً إهانة المؤسسة الوطنية الدينية الممثلة في الأزهر الشريف.  وكل هذا لا يصب إلا تحت عنوان "هدم الدولة الوطنية".
 
وتتساءل الجبالي: ما الذي جمع المشروع الإخواني والأمريكي؟، مجيبة أن المشروع الإخواني يتعدى فكرة الدولة الوطنية التي تقف عائقاً أمام تحقيق أهدافه. وفي الوقت نفسه، تشكل هذه الدولة الوطنية عائقاً أيضاً أمام الولايات المتحدة، لأنها إذا ما ظلت متماسكة، فهذا يعني فشل مشروعها في تفتيت المنطقة.
 
2- الإعلام الممنهج والموجه والمزيف: ويمثله عدد من القنوات الفضائية، أبرزها الجزيرة، و CNN ، والذي يهدف إلى تحريف كل ما حدث في مصر، وقلب الحقائق وتزييفها، ليس عن جهل بالمعلومات، بل العكس.
 
3- اصطياد الدول دبلوماسياً: مثلما يحدث في الأمم المتحدة من ادعاءات ضد دول بعينها وسلطتها، وتأليب العالم عليها تمهيداً لفرض عقوبات اقتصادية وعسكرية.
 
لكن القضية الأخطر في مصر الآن هي ضرورة معرفة أن الديمقراطية ليست انتخابا وترشيحا، وإنما بناء البيئة الحاضنة للتجربة الديمقراطية التي لا تنطوي على تزوير مادي أو معنوي، وأن أنصاف الحلول هي ضياع للوطن والأمة. 
 
وأكدت أنه لا بد من تحصين مصر ضد قيام أحزاب دينية، لأنها المدخل إلى التقسيم الطائفي، كما ينبغي تحصين نظام الحكم من كل ما يمكن أن يسبب استبداداً، أو فساداً، وعلينا أن نخاطب بعضنا بعضا في إطار خال من المزايدة لبناء قاسم مشترك للشعب يقوده إلى المستقبل.
 
وفي النهاية، لا بد من مخاطبة عقل الأمة، لأن النخب لم تقم بدورها بعد،  ولا تزال أقل قدرة من أن تتحمل مسئولياتها التاريخية، في الوقت الذي يتحمل فيه الجيش الوطني العبء بأكمله. وعلى الرغم من أن العلاقة بين الشعب المصري وجيشه لا تتوافر لآخر في العالم، فإنه لا يمكن استمرار الشعب المصري بلا عقل حاكم للعمل الثوري. فالشارع قد سبق النخبة، وعليها أن تحاول اللحاق به، وعلى مصر أن تستفيد من إعادة ترتيب التوازنات في العلاقات الدولية، وبالتالي فهي مطالبة بإبداع يتواكب مع اللحظة الراهنة.
 
بينما أكدت سامية زين العابدين،  نائب رئيس تحرير جريدة المساء والمحرر العسكري، وطنية الجيش المصري، ومن غير اللائق إطلاق البعض كلمة "عسكر"عليه، لأنها كلمة تشير إلى المماليك. وأفادت بأن هناك قوى للأسف مثل الأولتراس، وجبهة أحمد ماهر بحركة 6 أبريل تستخدمها الإخوان في تشويه صورة الجيش المصري، وتنفيذ السيناريو الثاني من الحروب، وهو دمر نفسك بنفسك. وقالت إن الأيام القادمة ستكشف كيف كان هناك تآمر على الوطن من جانب شخصيات وصفت بأنها نخبة وطنية.
 
وأضافت أن ما يحدث في سيناء ليس بمنأى عن الولايات المتحدة الأمريكية، لأن الهدف إيجاد وطن بديل للفلسطينيين في سيناء برعاية حماس والإخوان، وتصفية القضية الفلسطينية، وإقامة وطن يهودي في فلسطين. كما أن المحاولات الفاشلة من جانب الولايات المتحدة لتفتيت الجيش المصري، خلال السنوات السابقة، جعلتها تفكر في بديل آخر هو تمكين التيارات الدينية من الوصول لسدة الحكم لتفتيت وهدم الوطن والجيش. 
 
وقالت إننا نواجه معركة أخطر من 1967و 1973 لأن العدو حالياً غير ظاهر، ويحاول تجنيد أبناء الوطن لضرب إخوانهم، وللأسف فإنها معركة طويلة وممتدة. لكن ما يبعث على الأمل أن تطهير سيناء من البؤر الإجرامية وعودتها تحت السيادة الوطنية بات قريباً جداً.
 
آليات التحول الديمقراطي:
 
في كلمته، أشار دكتور أيمن سلامة، أستاذ القانون الدولي العام، إلى أن المعضلة الأساسية لما يحدث في مصر منذ 25 يناير حتى الآن هي غياب آليات التحول الديمقراطي، وهو ما قد يجعل مصر من أطول الثورات في مخاض الانتقال، والسبب في ذلك عدم التعلم من خبرات أكبر من 70 دولة كلها خاضت عملية الانتقال الديمقراطي في التاريخ الحديث إلا مصر.
 
فمنذ 11 فبراير 2011 حتى الآن، دونما علمية أو موضوعية، لم نتشبث بالآليات التي أصبحت علما يدرس في كل الدول التي خاضت تجارب التحول الديمقراطي. وهذه الآليات هي:
 
1- كشف الحقيقة:  فواجب على الدولة ذات السيادة وحق للمواطن كشف الحقيقة عن الحقبة أو العام المنصرم. فمثلاً، نجد أن أول رئيس دستوري منتخب يصدر إعلاناً دستورياً في العالم هو الرئيس السابق محمد مرسي. وأيضاً، نجد أن الرئيس الذي يعد الموظف التنفيذي الأول والمطالب بتنفيذ أحكام القضاء يضع مادة في الدستور بأنه الحكم بين السلطات. وفي الوقت الذي تساوي فيه دساتير 80 دولة في العالم ما بين جريمة التآمر أو التخابر، وبين تعطيل المؤسسات الدستورية، نجد أنه في يوليو 2012 تم إلغاء مؤسسة القضاء في مصر من خلال حصار المحكمة الدستورية العليا دون أي إجراء رسمي حيال ذلك. كل هذا يقودنا إلى ضرورة كشف ما جرى في مصر، خلال الحقبة السابقة، من خلال تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، إذ إنه لا يمكن إجراء مصالحة دون كشف الحقيقة.
 
2- المحاكمات: ينبغي إقامة محاكمات يحكم فيها القاضي بالقانون، ولكن ليس من أجل القانون، وإنما لتحقيق العدالة، مع الحرص على عدم كونها محاكمات انتقامية أو للتشفي، وتوفير ضمانات المحاكمات العادلة، والتي لا تعني فقط ضمانات المتهم، بينما تراعي أيضاً متطلبات المجتمع، مع ضرورة الأخذ في الحسبان أن القاضي ليس مضطراً لأن يحكم وفقاً لتشريع فاسد. 
 
3- الإصلاح المؤسسي: وهو يطال هياكل، والبنى، والتشريعات، والتنظيمات، والهيئات، كما يطال الأشخاص أيضاً. والتطهير عادة ما يطال مؤسسات أربعا في كل دول العالم، هي: القضاء، والإعلام، والشرطة، والاستخبارات.
 
4- جبر الضحايا: فعلى الرغم من تعدد أشكال التعويض، فإنها تسمى جبراً لكسر، أو لعيب، أو لضرر. وهي آلية مهمة لمداواة المجتمع والضحايا لتحقيق حالة من السلم الأهلي واللحمة الوطنية، والنظر إلى المستقبل.
 
5- المصالحة: والمصالحة دون كشف الحقائق تنميق زائف. كما أنه لا يمكن إجراء المصالحة دون محاكمات. ولأول مرة، يتم تعريف جريمة الإرهاب منذ ثلاثة أعوام من جانب المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بلبنان، وجاء في التعريف أن الباعث للجريمة الإرهابية ليس فقط الترويع، والترهيب للعزل؛ وإنما لإجبار وإذعان سلطات الدولة لتحقيق مآرب سياسية للإرهابيين.
 
وفيما يتعلق بأهم آليات الديمقراطية، وهي الانتخابات، أشار د. عبد الله المغازي، عضو حركة الدفاع عن الديمقراطية، إلى أنه على الرغم من أهمية الانتخابات، فإنه لا بد من التركيز على آلياتها، حتى لا تصبح مجرد شكل بلا مضمون، حيث إن اختزال التيارات الدينية لمفهوم الديمقراطية في الصندوق جعل البعض يطلق عليهم عبدة الصندوق. 
 
وإذا نظرنا إلى آليات الانتخابات في مصر حالياً، فسنجد أننا لدينا قاعدة بيانات مدمرة، وماكينات رقم قومي مهربة، وسلبيات أخرى تشوب عملية الانتخابات. 
 
ودعا المغازي إلى أهمية عملية التصويت الإلكتروني في المرحلة القادمة لضمان حقيقة الأصوات، والتي ثبت نجاحها في دول تعاني نسبة عالية من الأمية مثل الهند، وذلك عن طريق التصويت ببصمة اليد أو العين. كما أن هذا النظام سوف يوفر- إذا ما تم تطبيقه- أكثر من مليار جنيه، ويمكن استعماله لإجراء نحو 10 انتخابات. وثبت علمياً أن الشخص الأمي أسرع من المتعلم في نظام التصويت الإلكتروني. أيضاً، أكد أهمية كاميرات المراقبة التي تعطي نوعاً من الرقابة الشعبية، وتوفر جهد المراقبين.
 
التحديات الجيوسياسية: 
 
في بداية حديثه، أراد اللواء أحمد عبد الحليم، الخبير الاستراتيجي وعضو المجلس المصري للشئون الخارجية، تعريف مصطلح جيوسياسي، قائلاً إنه تأثير الجغرافيا فى قوة الدولة السياسية بكل ما تحويه من معاني الموقع الجغرافي، والموارد، والمناخ. وتقاس قوة الدولة السياسية بمدى قدرتها على التأثير في الأوساط العالمية والإقليمية. أما مصطلح جيوستراتيجي، فيشير إلى مدى قدرة الدولة على الاستعانة بها في العمليات العسكرية، استناداً إلى قدراتها في هذا المجال. وأشار إلى أن التغيرات التي حدثت منذ الربيع العربي حتى الآن وما يحدث في سوريا هو نتاج عدد من العوامل، هي:
 
أولاً- على المستوى العالمي:
 
نجد أن الدول الكبرى لا تزال كما هي، لكن موازين القوى قد تغيرت، فنجد الولايات المتحدة تحتل القمة، لكنها ليست بالقوة نفسها، كما كانت في الخمسينيات والستينيات، لما تمر به من أزمات اقتصادية وتوترات سياسية مع دول أوروبا التي لم تستجب لدعوتها لتوجيه ضربة عسكرية لسوريا. وعلى الجانب الآخر، نجد أن روسيا لا تزال موجودة على القمة، لكنها ليست الاتحاد السوفيتي. كما نجد قوة أخرى هي الاتحاد الأوروبي، لكنه قوة اقتصادية بالدرجة الأولى، وليس له رأي سياسي موحد. وأيضا هناك قوى جديدة بازغة هي الصين، والهند، واليابان، ومجموعة دول إقليمية مثل البرازيل.
 
ثانياً- على المستوى الإقليمي:
 
إن ما أطلق عليه الربيع العربي أدى إلى وجود دول تحكمها التيارات الدينية، وكان لسقوط هذه التيارات أثر على التوازنات الإقليمية والجيوسياسي في المنطقة بأكملها، وعلى التوازنات بين دول المجموعة الواحدة.
 
وأشار إلى أن هناك أحداثا رئيسية أدت إلى مجموعة من التغيرات التي قادت للوضع الحالي، أهمها غزو العراق. ومن الجدير بالذكر أن الإعلان الأول لضرب العراق أطلق من أسطنبول في يناير عام 2002، أي قبل الغزو بعام. ومثلت هذه الحرب بداية عملية التفتيت للشرق الأوسط، من خلال ما سمته كونداليزا رايس "الفوضى الخلاقة"، ومعناها أنه حينما تصل الأمور في منطقة ما إلى حالة من الجمود، فيجب على الدول تفجير الوضع في الإقليم لإعادة بنائه بعد السقوط، وفقاً للأهداف الدولية والإقليمية.
 
وتأتي الأزمة السورية الحالية في إطار هذا المشروع الأمريكي، لكن المتغيرات الجديدة تشير إلى صعوبة توجيه ضربة عسكرية ضد سوريا. ويرجع ذلك لعدد من العوامل، أهمها:
 
- إن الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت بمفردها بعد قرار البرلمان الأوروبي برفض الاشتراك في هذه الضربة، ويأتي ذلك تزامناً مع الموقف الضعيف للرئيس الأمريكي باراك أوباما في إقناع الكونجرس بالتصويت لصالح توجيه ضربة عسكرية، في الوقت الذي يواجه فيه خلافات مع حزبه، بالإضافة إلى المناورات السياسية بين الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري. كل هذا إدى إلى ضعف الموقف الأمريكي، وارتباكه.
 
- بروز روسيا كقوة فاعلة في المشهد الدولي، ومحاولتها الحفاظ على مصالحها من خلال استعادة مكانتها في المنطقة كما كانت عليه من قبل.
 
- تهديد إيران بضرب إسرائيل، إذا ما تم توجيه ضربة عسكرية ضد سوريا، ينذر باشتعال المنطقة بأكملها، خاصة أن إيران قد أمدت حزب الله بصواريخ طويلة ومتوسطة وقصيرة المدى.
 
- عدم رغبة إسرائيل في توجيه الضربة خوفاً مما قد يترتب عليها من تدخلات إقليمية كثيرة قد تحدث أضراراً بأمنها، خاصة أن إسرائيل دولة صغيرة جغرافياً، وتتمركز التجمعات الصناعية والسكانية بها في مكان واحد، وهو ما يعني انكشافا استراتيجيا لأرضها، في الوقت الذي لا تستطيع فيه تحديد حجم المخاطر التي قد تتعرض لها نتيجة الضربة. وفي ضوء العوامل السابقة، رأت الولايات المتحدة في المبادرة الروسية حجة مناسبة لإنهاء الأزمة. 
 
- عدم قدرة دول الخليج منفردة أو مجلس التعاون الخليجي على حسم موقفها من الضربة العسكرية المحتملة، نظراً لصعوبة تقدير حجم التغيرات التي قد تطرأ على المنطقة بعد الضربة.
وفي نهاية كلمته، أكد اللواء أحمد عبد الحليم أن كل هذه المتغيرات الجديدة تمنح بقوة الدول العربية الفرصة لعرض طلباتها على المائدة الدولية، وهو ما يدعونا للانتهاء سريعاً من الاضطرابات الداخلية، لأن ما يمكن تحقيقه حالياً قد لا تتاح الفرصة لتحقيقه، إذا ما انتظرنا أكثر من هذا.
 
التحديات الثقافية بعد 30 يونيو:
 
وفيما يتعلق بالتحديات الثقافية، أشارت د. عايدة نصيف، عضو حركة الدفاع عن الجمهورية، إلى أن ثورة 25 يناير وتداعياتها أحدثت تغييراً حقيقياً في الفكر السياسي العالمي، ومصر منوطة الآن بتقديم إبداع مماثل في الاستجابة لتحديات ما بعد الثورة، وهي:
 
- الصراع بين الثقافات المتغايرة، حيث تشهد مصر حالياً حالة من الصراع بين التيارات السياسية المختلفة حول مفهوم هوية الدولة المصرية. وهذه الأزمة نشأت منذ بدايات القرن العشرين، ولم تحل حتى الآن، وهي تمثل تحدياً للثورة المصرية لما لها من بعد اجتماعي تحول إلى صراع سياسي. ومن الواجب في المرحلة القادمة تعبئة أجواء مناسبة تخلق تطورات فكرية وثقافية وحضارية لحل الأزمة، من خلال ترسيخ أدوات مناسبة لحوار حضاري حولها بعيداً عن الإرهاب الفكري، وتقوم على أساس من المساواة والاستناد إلى العقل والمنطق.
 
- الصراع بين قوى الثورة الحقيقية والقوى القديمة وقوى الإسلام السياسي.
 
- الصراع على فرض مفاهيم ما بعد 30 يونيو كمفهوم "الانقلاب العسكري" كبديل عن "الثورة الشعبية" في ظل جهل العامة من الشعب بهذا المفهوم. أيضاً عدم التفرقة بين كلمة "العسكر" و"الجيش الوطني"، وهو ما ينم عن محاولة طرف فرض رؤية سياسية، أو عقائدية، أو فكرية على الأطراف الأخرى دون وجود آلية محددة لتحديد المفاهيم في الواقع الذي نعيشه حالياً.
 
وهذا يوضح صلة الفكر بالواقع والمجتمع، وبالتالي علينا الربط بين الثقافة والمثقف، وبين المفاهيم الجوهرية بالمشهد المجتمعي ككل. ومن ثم، فإن على الثقافة والمثقفين دوراً مهماً في اللحظة التاريخية التي يعيشها الوطن، وهو توظيف العديد من الأفكار والمفاهيم والثقافات لهدفين رئيسيين هما: الحفاظ على الثورة الشعبية ومكتسباتها، وتأصيل الأفكار والأيديولوجيات المصرية والتنويرية للقضاء على ثقافة الظلام، عن طريق ربط الأبعاد النظرية بالمجالات والميادين العملية في المجتمع. ومن هنا، يأتي دور المثقف في:
 
- التصميم على التغيير، وتصحيح المفاهيم، والحفاظ على مفاهيم الثورة الحقيقية.
 
- التوافق على المفاهيم الوطنية، ونشر ثقافة المواطنة والاختلاف مع الآخر.
 
- التحرك بقاعدة شعبية من خلال مفاهيم ثقافية تحكي عن التاريخ، والعادات، والتقاليد، ورموز المفكرين والمبدعين المصريين. فمثلما كانت القاعدة الشعبية هي سبب نجاح الثورة المصرية، فنحن بحاجة إلى ثورة ثقافية لن تنجح إلا من خلال قاعدة شعبية في القرى والنجوع ومحافظات مصر.
 
توصيات المؤتمر:
 
خرج المؤتمر بعدد من التوصيات، أهمها:
 
- حث الحكومة الحالية على الإسراع بعلاج مشاكل الانفلات الأمني، حتى تلتفت إلى تنشيط القطاعات الاقتصادية المختلفة.
 
- حث الحكومة ومؤسسات الدولة على الاهتمام بمراكز الفكر، والاستفادة من مخرجاتها.
 
- لفت الأنظار من خلال وسائل الإعلام إلى أهمية إحداث ثورة ثقافية، والانتقال بندوات مراكز الفكر إلى المناطق العشوائية.
 
- حث الحكومة على تنمية جداول الانتخابات، وإشاعة ثقافة التصويت الإلكتروني، وتخفيف الأعباء على الفقراء، حتى لا يتم التأثير فيهم من جانب أطراف معينة باستخدام المال السياسي، أثناء الانتخابات.
 
- ضرورة تضمين الدستور نصاً يمنع قيام أحزاب ذات مرجعية دينية لما تنطوي عليه من تفتيت لللحمة الوطنية، وتشجيع الانقسام الطائفي.

رابط دائم: