شتاء ساخن:|رؤى إسرائيلية للتدخل الأمريكي المحتمل في سوريا
3-9-2013

عرض: د. أحمد فؤاد أنور
* مدرس العبري الحديث بجامعة الإسكندرية

3 سبتمبر 2013

مع تصاعد الحديث عن استخدام الرئيس السوري "بشار الأسد" للسلاح الكيماوي ضد المدنيين العزل، بدأت الدول الغربية، في مقدمتها الولايات المتحدة، بحث خيارات التدخل العسكري في سوريا، وما يصاحب ذلك من احتمال استهداف بشار إسرائيل، وتدخل إيران وروسيا بشكل مباشر، وهو الأمر الذي يثير جملة من التساؤلات من قبيل: هل سيدخل النظام والمعارضة السورية في مفاوضات في اللحظة الأخيرة؟، هل الحرب ستكون شاملة على سوريا، أم مجرد ضربات من على بعد وفقط؟ وهل ستشهد الجبهة مع إسرائيل شتاء ساخنا؟.

هذا التقرير سيحاول استخلاص الإجابة على تلك التساؤلات من آراء خبراء إسرائيليين، وتشخيصهم للمشهد بعد قرار مجلس الوزراء المصغر في إسرائيل القاضي باستدعاء بعض وحدات الاحتياط الحيوية، وتحريك بطاريات لإسقاط الصواريخ نحو الشمال، ومرور ثلاثة أيام كاملة تشهد فيها المدن الإسرائيلية طوابير تمتد لخمس ساعات أو أكثر، وسرقات، ومشاحنات أمام مراكز توزيع معدات الوقاية من هجمات كيماوية محتملة.

مؤشرات التدخل الأمريكي في سوريا

عرضت الصحافة الإسرائيلية مؤشرات للتدخل العسكري الأمريكي في العراق. ففي مقاله بصحيفة معاريف، أكد المؤرخ وخبير الأمن، القومي الدكتور "شلو روزنبرج"، أن كل شيء بات معدا للحرب على سوريا، مشيرا إلى أن القوات الأمريكية انطلقت، وبشار يهدد، وأوباما يهييء الرأي العام بنشر تقرير يؤكد حدوث هجمات كيميائية، وهو ما يؤثر ويصدم بالفعل الرأي العام الأمريكي والعالمي.

عبر شلو روزنبرج عن دهشته لعدم شعور العالم بالصدمة من قبل، في حين تراوحت تقديرات القتلى في سوريا ما بين مائة ألف ومئات الآلاف من الضحايا، موضحا أنه يبرر ذلك بكون الولايات المتحدة وإسرائيل تخشيان من مغبة وصول السلاح الكيماوي الموجود في سوريا لأيدي منظمات إرهابية أو دول أخرى.

ووفقا للكاتب الإسرائيلي، فإن الأوضاع الجيوبوليتيكية والاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط مريحة للغاية ومهيأة لنجاح تلك العملية الأمريكية. فبشار وجيشه في حالة ضعف، كما أن إيران، الحليف الأكبر لسوريا، تمر بوضع اقتصادي صعب للغاية، وحزب الله في أضعف حالاته، ووضعه آخذ في التدهور.

وفيما يتعلق بالموقف الروسي، يقول الكاتب إن روسيا تتطلع للسيطرة على أوروبا كلها، والمعركة على سوريا جزء من الحرب الباردة بين بوتين وأوباما. ويؤكد صحة هذا الرأي التصريحات النارية التي أطلقها "الكسندر دوجين" المقرب للغاية من الرئيس بوتين، حيث قال إن "أوروبا لا تمنحنا من التكنولوجيا المتقدمة سوى الفتات، وكأن روسيا كلب تلقى له أوروبا بين الحين والآخر بـ"عظمة". وإذا قمنا باحتلال أوروبا، واستعادة روسيا القيصرية، فسنحصل على التكنولوجيا بالكامل، خاصة أن الاتحاد الأوروبي يتفكك".

اهتزاز الصورة الأمريكية

وبشكل أكثر عمقا، يلفت "نداف هعتصاني"، وهو إعلامي وباحث في القضايا السياسية، الضوء على اهتزاز صورة الولايات المتحدة والغرب بشدة أمام الرأي العام العالمي، بعد فضح معاييرها المزدوجة، وانحيازها للمصالح وليس للقيم والأخلاق بشكل فج لا يمكن تفسيره. على سبيل المثال، "تساند الولايات المتحدة الإخوان المسلمين في كل أرجاء العالم، على الرغم من ارتباطهم بأعمال القتل وثقافتهم التي تنتمي للعصر الحجري".

ويضيف أن الولايات المتحدة انتفضت لنصر الديمقراطية في مصر، وعارضت العنف ضد المتظاهرين، لكنها وقفت ساكنة أمام سحق إيران للمتظاهرين المنادين بالديمقراطية في إيران منذ عامين فقط، ولم تحتج أمريكا على قمع الصحافة في تركيا.

الخطط المستقبلية

يرصد ايتان بن الياهو محطات رئيسية، يجب على الإدارة الأمريكية الوقوف فيها، ومراعاتها في خططها المستقبلية، فكتب في يديعوت أحرونوت قائلا: يجب قبل شن أي هجوم عسكري أن يُحدد أولا ما هو الإنجاز المطلوب؟، ويجب بعد ذلك التحقق من أن الجيش يملك معلومات كاملة عن مكان الأهداف وتحصينها، واستعدادات العدو (الجيش السوري)، مع مراعاة احتمالات النجاح مقابل الأخطار، كما أن الإنجاز المطلوب هو الأهم.

ويضيف إذا استقر رأي الرئيس أوباما على أن يهاجم سوريا، فسيضطر إلى أن يحسم الاختيار بين خيارات رئيسية وهي: القضاء على نظام الأسد، والتوصل إلى هزيمته المطلقة، أو توجيه ضربة قوية لمخزونات السلاح الكيميائي لعقاب الأسد وردعه، وردع نظم حكم أخرى أيضا، حتى لا تستخدم هي أيضا سلاح الإبادة الجماعية، أو الاكتفاء برد محدود لإرضاء الساسة والرأي العام، أي عملية للاستهلاك المحلي؛ لأن القضاء على نظام الأسد يوجب وجودا عسكريا على الأرض، إلى أن تنشأ حكومة جديدة.وهناك احتمال كبير لانتقال المواجهة العسكرية إلى داخل إسرائيل، وإلى داخل دول مجاورة أخرى، وأن تزداد حدة المواجهة مع روسيا، والصين، وايران.

تهديدات أمام أمريكا

ومن جانبه، كتب د. مردخاي كيدار، الباحث في جامعة بار إيلان الدينية في إسرائيل في معاريف، مقالا بعنوان "السفاح ابن السفاح يذبح مواطنيه" قائلا: "هذه المرة، لم يكن بوسع الأمريكيين أن يغمضوا أعينهم .. لكن في الخلفية، يوجد تهديدان: تهديد إيران، وتهديد روسيا".

فيرى أن إيران تعد التهديد الأقرب، وذلك لأن كل صناعة النفط في الخليج تقع في مرمى الصواريخ الإيرانية، ناهيك عن تهديد طهران، وتدربها على إغلاق مضيق هرمز، لكن إيران ليست دولة انتحارية، وحكامها يعرفون أنهم إذا بدأوا بأعمال عدائية في الخليج، فقد يتحملون كل إحباطات الولايات المتحدة لفشلها في منع برنامجهم النووي العسكري، ولهذا فثمة احتمال منخفض في أن يقوموا بأعمال عسكرية في منطقة الخليج. ويضيف أن إسرائيل أيضا سيكون حذرة، لأنها تخاف من سلوك "غير عقلاني" لزعمائها.

مخاوف إسرائيلية

مانشيتات الصحف الإسرائيلية اعترفت بأن حالة من الهلع تسيطر على الشارع الإسرائيلي، تمت ترجمتها إلى طوابير ممتدة لساعات أمام مراكز توزيع معدات الوقاية من هجمات كيماوية محتملة، وما صاحبها من مشاحنات وسرقات.ونقلت عن الخبراء أن حالة الهلع تلك مبالغ فيها، ومضرة إلى حد كبير، مما اضطر كبار المسئولين في الجيش لتأكيد أن هناك بالفعل ضربة أمريكية، إلا أن احتمال تعرض إسرائيل على أثرها لهجوم يعد احتمالا "ضعيفا".

عبر الكاريكاتير الإسرائيلي بدوره عن مخاوف الإسرائيليين بشكل مكثف، حيث صور رسام معاريف أوباما وهو يمسك وحيدا بصنارة في مركب صغير، بينما اشتبك طرف صنارته بفم حوت ضخم غاضب يمثل الشرق الأوسط، ولسان حاله: من سيصطاد من؟ متوقعا وقوع الولايات المتحدة وحلفائها في ورطة حقيقية.

رسام هآرتس عبر عن الأزمة بتصوير الجندي الأمريكي يخرج من العراق وأفغانستان، بينما الدخان لا يزال يتصاعد منها – دلالة على استمرار العنف- ويتصاعد أيضا من مصر ولبنان، إلا أنه يتجه لسوريا التي يطل منها بشار، بينما يقول أوباما لوزير دفاعه: "كلما قلت سأخرج من الشرق الأوسط، يجروني مجددا لداخله".

نخلص من كل ما سبق إلى أن حسابات الولايات المتحدة ستكون مجددا خاطئة، وستغرق في مستنقع جديد من الخسائر والجرائم والكراهية. هناك اتجاه في إسرائيل للتقليل من احتمالية وقوع حرب عالمية ثالثة بسبب الموقف الأمريكي من سوريا، بجانب استبعاد توجيه بشار الأسد لصواريخه لقلب إسرائيل، علاوة على استبعاد تدخل إيران لصالح سوريا بشكل مباشر، سواء في الخليج، أو ضد إسرائيل.كما يمكن بالمتابعة المباشرة لأطراف الصراع في سوريا إدراك أنه لا توجد معارضة وطنية أو شخصيات داخل النظام يمكن أن تبادر في اللحظة الأخيرة لإحباط العدوان الغربي، واستبداله بمفاوضات جادة لإنقاذ ما يمكن انقاذه من أرضية مشتركة، وتقليل للخسائر.

ويمكن ملاحظة أن الإعلام الإسرائيلي يستغل فرصة تفاقم الأزمة في سوريا للي الحقائق، واتهام الجيش المصري بفض اعتصام رابعة الذي حرصت الصحافة الإسرائيلية على تصويره على أنه سلمي، رغم أنه من المعروف أن الشرطة والأهالي هي التي تعاملت مع الإخوان المسلحين، وليس الجيش، باستثناء التعامل مع المعتدين على الحرس الجمهوري.

وفي هذا الإطار، يمكن القول إن الإعلام الإسرائيلي يشارك في أغلبه الأعم في عملية مقارنة خبيثة بين سوريا ومصر، منحازا لجانب الإخوان المسلمين في مصر، وفرعهم أيضا في سوريا، باستثناء أصوات قليلة للغاية تحذر على استحياء من تطرف الإخوان وعنفهم، وهو موقف يذكرنا بموقف إسرائيل من نظام مبارك، حيث كانت الأغلبية تعده كنزا استراتيجيا، وتغض الطرف عن فساده، بينما أصوات محدودة تحذر من تأييد الديكتاتورية، وإدارة الظهر لجموع الشعب المصري.


رابط دائم: