خارج الكنيسة:|علاقة الأقباط بالحياة السياسية المصرية بعد ثورة يناير
21-3-2012

د.مي مجيب
* مدرس العلوم السياسية - كلية الاقتصاد والعلوم السياسية - جامعة القاهرة

أسهمت ثورة الخامس والعشرين من يناير فى خروج جموع الشعب المصرى عن صمته بعد قمع نظام استمر لثلاثين عاما بنى فيها شرعيته على غير إرادة الشعب الذى انتفض من أجل حريته وكرامته. وكان الأقباط جزءا من الشعب الذى خرج عن صمته ليعبر عن غضبه خارج أسوار الكنيسة، بعد أن كانت الناطق باسمه، والمتفاوض الوحيد مع النظام السابق. ولعل خروج الأقباط للتظاهر والاعتصام فى ماسبيرو بعد أحداث كنائس صول وامبابة والمريناب تدشين لهذا الانفصال السياسى عن السلطة الكنسية. كما أسهمت الثورة فى تشكيل العشرات من التنظيمات والتشكيلات والاتحادات القبطية، التى لم تتبلور أهدافها بعد على المستوى السياسى ، لكنها تؤكد الاستقلالية عن الكنيسة والانفصال السياسى عنها.

وتبرز أهمية صوت القبطى فى المعادلة السياسية من حجم الزيارات التى قام بها أعضاء المجلس العسكرى فى المناسبات المختلفة لقداسة البابا شنوده ولقيادات الكنيسة. فالمؤكد أن استعادة مصر لأبنائها المقيمين بالعزلة سوف تعيد الحياة للمشهد السياسى، وتبنى مستقبل مصر على أساس من التوافق والتوازن بين كل الأطراف. وفى إطار المعطيات المتواترة على الساحتين السياسية والاجتماعية المصرية، يبرز التساؤل: هل سيستمر خروج الأقباط إلى معترك الحياة السياسية؟ أم أن ما تشهده الساحة السياسية المصرية يدفع بهم إلى العودة إلى أسوار الكنيسة مرة أخرى؟.

أيام الثورة.. دلالات واستفسارات:

هناك حقيقتان واقعتان عند التعرض إلى موقف الأقباط من الحياة السياسية بشكل عام، أولا: إن الأقباط لا يشكلون "جماعة مستقلة"، أو "كتلة مغلقة متجانسة" . فالأقباط غير متماثلين من حيث الانتماء الاجتماعي والسياسي، فهم منتشرون في جسم المجتمع رأسياً، ومنهم العامل، والفلاح، والمهني، والحرفي، ورجال الأعمال، والتجار، ولا يربط بينهم سوى الانتماء إلى مصر من جانب، والانتماء الديني من جانب آخر. وبين هذين الانتماءين، تفترق المصالح والتحيزات والرؤى.

ثانيا: إن التركيز على الأقباط الأرثوذكس دون البروتستانت أو الكاثوليك يتضمن نوعاً من افتراض أن المواقف الكاثوليكية والبروتستانتية على الجانب السياسى والاجتماعى مختلفة، وهذا غير صحيح. فالاختلاف العقيدى بين الطوائف الثلاث لم يؤثر فى المواقف السياسية والاجتماعية لها بالفروق نفسها على الجانب العبادى. ومن ثم، فالموقف السياسى به قدر من التجانس بين الطوائف، مما يجعلنا عندما نتكلم عن الأقباط نتكلم عن جماعة قبطية بكل طوائفها.

وعلى الرغم من نجاح سياسات النظام السابق فى عزل الأقباط واختزالهم فى رأس الكنيسة، باعتباره الأب الروحى لهم ، وتحويله إلى الأب السياسى المعبر عن آراء جموع الأقباط ، فإن الأيام التى سبقت الخامس والعشرين من يناير، والتى انتشرت فيها الدعوة للمشاركة فى التظاهر السلمى على شبكات التواصل الاجتماعى شهدت ثورة (شعب الكنيسة) على توصيات الكنيسة بعدم المشاركة فى الاحتجاجات، بدعوى أنها مظاهرات داعية إلى التخريب والهدم([1]).

ولعل سياسات النظام السابق لعزل الأقباط فى السابق قد نجحت لأسباب، مثل استخدام الإسلاميين كفزَّاعة لإخافة الأقباط، في الوقت الذى أغلق فيه النظام أبواب حزبه في وجه الأقباط، ولم يتجاوز عدد المرشحين الأقباط على قوائمه في أي انتخابات أصابع اليد الواحدة. وكان النظام يتعلل بأن المزاج الشعبي أصبح طائفيا، ولا يقبل التصويت لمسيحي . وهكذا، نجح النظام في إيجاد احتقان متبادل بين المسلمين والأقباط، وتحول البابا شنودة إلى ممثل للأقباط أمام الدولة، وانسحب الأقباط من المجال العام، وانكفوا داخل الكنيسة، التي تحولت إلى كيان متضخِّم، يدير مشاريع خدمية لأتباعه على أثر تراجع الدولة عن الوفاء بمهامها تجاه مواطنيها .

ولم تستمر سياسة (فرق تسد) مع حادث تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية مع مطلع عام 2011 ، والتى حطمت أسطورة أن النظام السابق هو أفضل المدافعين عن المسيحيين، لذلك كان من أبرز لافتات ميدان التحرير: "دماء الكثير من الأقباط سالت في عهد مبارك، ارحل عن مصر"، و"المسيح سيمنحنا حياة أفضل، ارحل يا مبارك حتى نحصل على هذه الحياة"، الأمر الذي يدلل على أن الأقباط  نجحوا فى الخروج من العزلة، بعدما وضعوا "الوطن" قبل "الكنيسة".

ولكن تبرز الاستفسارات والتساؤلات التى عكفت على إعادة الأقباط مرة أخرى إلى حضن كنيستهم، أسوة بما عهدوه تحت وطأة النظام السابق: ماهى المعطيات الجديدة التى أثرت فى علاقة الأقباط بالكنيسة بعد الثورة؟ ما هى مظاهر الاستمرار والتغير فى تعامل النظام مع الأقباط بعد الثورة؟ هل تغيرت علاقة الكنيسة بالنظام بعد ثورة يناير؟ كيف يمكن تقييم أو التنبؤ بوضع الأقباط فى النظامين الاجتماعى والسياسى على أثر صعود التيارات الإسلامية بتنوعاتها المختلفة؟.

 علاقة النظام بالكنيسة.. تغير النظام وتبدل العلاقات:

بعد نجاح ثورة يناير فى إسقاط رأس النظام، صدر بيان عن البابا شنوده الثالث صباح الثلاثاء 15 فبراير، جاء فيه: " نحيي شباب مصر النزيه، شباب 25 يناير، الذي قاد مصر في ثورة قوية بيضاء، وبذل فى سبيل ذلك دماء غالية... والكنيسة القبطية تحيى جيش مصر الباسل والمجلس الأعلى للقوات المسلحة فيما أصدره من بيانات من أجل الحفاظ على مصر وأمنها فى الداخل والخارج ... "[2] .

لم يتغير موقف الكنيسة تجاه النظام فى السابق عما هو عليه بعد الثورة فى أيامها الأولى، فدائما ما تميل الكنيسة إلى ربط وجودها بالنظام لأسباب متعددة، مثل الخوف من فقدانها لقدرتها على جذب الجماهير، والخوف من فقدان الكنيسة للشعبية، وانحسار دورها تماماً، أو عندما تتزايد جماهيرية الكنيسة دون أن تستطيع تقديم حل أو إجابة لمشكلات هذه الجماهير، فتخاف من فقدان الثقة، أو انقلاب الجماهير عليها. فنجد أنه أحيانا ما تحاول الكنيسة تمييز نفسها عن النظام، وفى الوقت نفسه تظل هناك مساحة فعالة لمحاولة الارتباط بالنظام وسياساته العامة.

ولا عجب في تغير موقف الكنيسة إزاء الثورة ، ومن ثم إزاء النظام بقيادة المجلس العسكرى والمرحلة الانتقالية برمتها، خاصة أن العلاقة بين النظام والمؤسسات الدينية تنظر لها الكنيسة دائما باعتبارها الحامى لها من أى تغييرات تهدد وضعها، أو من شأنها أن تعمق الأزمات بينها وبين أتباعها فى ظل محورية الدين، كونه أحد المحددات الأساسية للهوية الوطنية ، ومن ثم يجد الجانبان مصلحة فى التعامل والتقارب مع الآخر.

ولكن تضافرت العوامل التى أدت إلى تحول علاقة المؤسسة الدينية الكنسية تجاه النظام من التأييد إلى المقاومة. فبعد الانفصال السياسى بين الأقباط والكنيسة، وبعد محاولة الكنيسة التقارب مع النظام الجديد، وتدشين نظام من الممكن تسميته بنظام (الملة الجديد)[3] فى التعامل مع الأقباط، حيث استمر رأس الكنيسة هو المتحدث الرسمى نيابة عن الأقباط، وفقا للترتيب الكنسى الكهنوتى الذى توافق مع سياسات النظام الحاكم بعد الثورة، تم ضرب هذا التقارب بأحداث طائفية صريحة فى كنيستى صول وامبابة، غاب عنها الإعلان عن جناة يتم تقديمهم للمحاكمة ومساءلتهم، بالإضافة إلى العديد من المتورطين فى أعمال عنف ضد الأقباط، لم ينالوا العقاب الرادع بما يكفي من قبل القضاء، تزامنا مع صعود التيار الإسلامى ومخاوف الأقباط من تطبيق الشريعة الإسلامية، وتصريحات المتشددين من التيار الإسلامى الذى يبث أنصاره رسائل تهديد مباشرة لكل المخالفين له، ولاسيما الأقباط ، الأمر الذى شكل خطورة على حرية الاعتقاد والحريات بشكل عام.

تواترت حوادث التوتر الطائفي والعنف ضد المسيحيين وضد بعض المسلمين على السواء، فقد شهد شهر مارس 2011 ثلاثة أحداث طائفية كبيرة، بعضها غير مسبوق، هي على الترتيب هدم كنيسة صول التابعة لمركز أطفيح بمحافظة الجيزة في 9 مارس ، وقتل وتدمير وتخريب في المقطم في 11 مارس، وقطع أذن قبطي متهم بإدارة أعمال منافية للآداب في محافظة قنا في 24 مارس. وفي منتصف أبريل، خرجت مظاهرات في المحافظة نفسها (قنا) اعتراضا على تعيين محافظ مسيحي جديد للمحافظة الواقعة في صعيد مصر، وهو ما اضطر الحكومة الانتقالية والمجلس الأعلى للقوات المسلحة للاستجابة لمطالبهم في النهاية.

وفي 8 مايو، كانت أحداث إمبابة في كنيسة مارمينا، والتي راح ضحيتها عدد كبير من المواطنين وأصيب العشرات، وقد كان من نتائج ذلك امتعاض العديد من الأقباط من الوضع القائم، كما تجلى في بعض هتافاتهم بعد هذه الأحداث "يا مبارك فينك فينك، السلفيين بينا وبينك"، "يسرقنا يسرقنا بس نعيش في أمن وأمان" أمام القضاء العالي وميدان التحرير وماسبيرو[4].

ولعل أحداث ماسبيرو- التى شهدت مواجهات صريحة بين قوات الجيش والأقباط فى أكتوبر الماضى، وراح ضحيتها أكثر من 23 قبطيا وعشرات الجرحى- هى بمثابة الحدث الفاصل فى تحول العلاقة بين الكنيسة والنظام إلى ما يمكن تسميته بـ(المقاومة المكتومة). فأثناء إقامة القداس على أرواح الضحايا، تعالت الأصوات المنادية داخل الكاتدرائية "يسقط يسقط حكم العسكر" دون تعليق من قداسة البابا كأبلغ تعبير عن عدم الرضا على سياسات النظام تجاه الأقباط، وانتهاء التوافق (الرسمى) بين الطرفين، ولشعور الكنيسة بأن البساط بدأ ينسحب من تحت قدميها، خاصة مع صعود العديد من المنظمات المسيحية، والتى بات لها رواج –على المستوى السياسى- بين أبناء المجتمع القبطى. وعلى غرار انزعاج الكنيسة من خروج الأقباط خارج أسوارها إلى الساحة السياسية، انزعجت الدولة هى الأخرى،بعد أن كانت تتعامل مع جهة محددة يسهل توجيهها، إذا بها تجد نفسها أماممجموعات متعددة لا تعرف من يقودها، أو من تستطيع الكلام معه حتى يمكنها كبحجماحهم.

ومن ثم، تغيرت العلاقة بين الكنيسة والنظام بعد ثلاثين عاما من الاستقرار النسبى والتأييد المعلن إلى المقاومة المكتومة. ولعل من أبرز صور المقاومة المكتومة هو خروج عدد كبير من كهنة وقساوسة الكنيسة إلى معترك الحياة السياسة لقيادة مظاهرات واحتجاجات الأقباط، بعد أحداث صول وامبابة، دون أن تحتج الكنيسة على خروج هؤلاء، أو أن تتخذ ضدهم أية إجراءات كنسية للحيلولة دون مشاركتهم فى العمل السياسى (كما فعلت فى السابق إثر الأزمة بين الأنبا بيشوى سكرتير المجمع المقدس والدكتور محمد سليم العوا)، بل التزمت الكنيسة الصمت أو أحيانا –على أقصى تقدير- الدعوة إلى فض الاعتصام، حفاظا على أرواح أبناء الكنيسة، والتى قوبلت بالرفض من المعتصمين، وذلك قبل شهور قليلة من وقوع أحداث ماسبيرو فى أكتوبر الماضى ، الحدث الذى أعاد الأقباط إلى أسوار كنيستهم مرة أخرى.

الانتخابات التشريعية والبرلمان.. المشاركة أم العزلة؟:

على مدى سنوات، ظل التمثيل القبطي تحت قبة البرلمان محكوما بمنحة رئيس الدولة ، فضلا عن أن العملية الانتخابية فى مصر كانت مقيدة بالأطر العائلية والقبلية، وهو ما أدى إلى غياب الأقباط وإقصائهم عن المجلس[5].ولكن بعد ثورة يناير، تشكلت مجموعات قبطية للتوعية بأهمية المشاركة فى المرحلة الانتقالية، منها أقباط من أجل الانتخابات، وأقباط من أجل مصر، فضلا عن إسهامهم فى تأسيس عدد من الأحزاب الجديدة على اختلاف توجهاتها.

وعلى أنه طوال فترة الثمانية عشر يوما -أثناء ثورة يناير- لم تكن هناك مشكلة في العلاقات بين المسيحيين والمسلمين، إلا أن البروز المجتمعي والسياسي والإعلامي لتيارات الإسلام السياسي، بدءا بالإخوان المسلمين، مرورا بالسلفيين، ثم الجماعات الجهادية التي خرج عدد كبير من قادتها من السجون، تابعته كافة التيارات والتشكيلات السياسية والمجتمعية  في التعاطي مع الواقع السياسي كسبيل للتغيير، والذى لم يرافقه تطوير في خطابها السياسي والفكري، أو على الأقل لم يرق لمستوى الخطاب السياسي للإخوان. فكان حديث بعضهم عن غزوة الصناديق، واستعجال بعضهم الآخر تفجير قضايا شائكة ومحل اشتباك واشتباه، شأن بعض قضايا المتحولين دينيا وغيرها.

لذا، شهدت انتخابات برلمان ما بعد الثورة إقبالا جماهيريا شعبيا غير مسبوق من قبل كافة الشرائح والفئات المجتمعية، سواء المسيسة أو غير المسيسة. وحشد التيار الإسلامى بمختلف تفريعاته وتنويعاته وقدراته على التعبئة والتنظيم عددا ضخما من المرشحين فى مواجهة التيارات الليبرالية والعلمانية والمستقلين، فما كان لهذا الاستقطاب السياسى ذى التأطير الدينى إلا أن واجهه استقطاب سياسي وديني مماثل.

ارتأت الكنيسة فرصة كى تستعيد سلطتها وسطوتها السياسية على تابعيها فى تزامن مع شعور شعب الكنيسة بأنها باتت الملاذ، وأن الوطن قبل الكنيسة بات محالا معايشته فى ظل الاستقطاب الدينى والمناخ الطائفى المشحون، وفقا للأحداث المتواترة، وتخاذل النظام، وتفريغ الثورة من مضمونها. فحاولت الكنيسة دعم عدد من المرشحين المستقلين فرديا من الأقباط والمسلمين، مع دعم قائمة الكتلة المصرية، باعتبارها ائتلافا لعدد من الأحزاب الليبرالية لمواجهة الاستقطاب الإسلامى المقابل، و


رابط دائم: