الدين والعسكر:|"ندوة":التحول الديمقراطي في مصر وتركيا .. مقارنات ودروس
10-12-2011

علي محمد علي
* باحث مساعد بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

أدى نجاح تجربة حزب العدالة والتنمية التركي في توظيف الدين بما يخدم مصلحة البلاد، رغم وجود ثنائي من التيارات العلمانية والإسلامية، إلى تحقيق علاقة ديمقراطية بين تلك التيارات المتعارضة فكريا، بل والتوصل إلى صياغة دستور أعاد الثقة بين الجيش والسلطة السياسية، وكذلك خلق نموذج اقتصادي وسياسي حقق نوعا من الانفتاح والتواصل مع العالمين العربي والإسلامي.وبالتالي مع وجود قواسم مشتركة بين مصر وتركيا من حيث العلاقات الثقافية والتاريخية، إضافة إلى التقارب المصري- التركي في مرحلة ما بعد الثورة، تتردد في الأوساط السياسية مجموعة من التساؤلات حول مدى إمكانية استفادة تجربة التحول الديمقراطي في مصر من النموذج التركي، والمعوقات التي يمكن أن تواجه عملية التطبيق.

ولاستخلاص الدروس من الخبرة التركية، عقد مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام ندوة بالمشاركة مع مركز التفكير الاستراتيجي التركي تحت عنوان "التحول الديمقراطي في مصر وتركيا..مقارنات ودروس(الديمقراطية ، الدين، والعلمانية) تناولت ملامح التجربة التركية  وآليات تطبيقها في مصر.  

ملامح التطور الديمقراطي في مصر

برزت أهمية السياق التاريخي لخبرة التطور السياسي في مصر في الآونة الأخيرة، بعد أحداث الثورة المصرية، حتى يمكن ربط ما يحدث على أرض الواقع بالسياق التاريخي له في مصر، من خلال تحليل سمات وملامح خبرة التطور الديمقراطي في مصر، والتي أشار إليها المشاركون من الجانب المصري، والتي يمكن إيجازها في النقاط التالية:

1.    تعد مصر،تاريخياً، بلدا عريقا من حيث مؤسسات المشاركة الديمقراطية، منذ إنشاء مجلس شورى النواب في عام 1866، ثم مرت بانقطاعات طويلة فيما يتعلق بخبرة التطور الديمقراطي منذ الاحتلال البريطاني لمصر في عام 1882 ، ثم المرحلة الليبرالية الوفدية التي بدأت عقب ثورة 1919، ومن بعدها برلمان 1924، ثم استمر النظام السياسي في مصر في الانقطاع عن الممارسة السياسية الديمقراطية الحقيقية نحو ستين عاما،ً برغم توافر التعددية السياسية الشكلية، مما حرم الشعب المصري من تشكيل ثقافة ديمقراطية مترسخة.

2.    السلطة العليا في مصر لم تكن أبداً موضعاً للتنافس الديمقراطي، وإنما كانت بالأحرى موضعا للتنافس بين قوى سياسية بعينها منذ ثورة يوليو 1952، بحيث كان هناك قدر متحكم فيه من المنافسة على مقاعد مجلسي الشعب والشورى من جانب السلطة الحاكمة. كما أن مصر لم تمتلك خبرة التداول الحر للسلطة السياسية، فحزب الوفد كان يصل إلى السلطة، عندما يقرر صاحب السلطة العليا ذلك، وليس بناءً على تغير اتجاهات الإرادة الشعبية.

3.    اتسمت نخبة الحكم في مصر بالجمود بسبب تجنيد النخبة السياسية من داخل فئات بعينها دون الأخرى، مثل فئة ملاك الأراضي قبل ثورة يوليو 1952، والنخب السياسية ذات الخلفيات العسكرية  أو التكنوقراطية بعدها، في ظل نظم حكم سلطوية. ومن ثم، أصبحت السياسة في مصر أشبه بمؤامرات القصر، لذلك ينبغي إعادة تعريف السياسة لدى كل من الجمهور والنخب السياسية على السواء.  

4.    اتسمت العلاقة بين النخب والجمهور في مصر بالاضطراب، بسبب إما اغتصاب النخب للسلطة، أو معاناتها من مشكلة التواصل مع الجمهور، ومن ثم أصبحت صورة النخب السياسية لدى الجماهير غير إيجابية، مما أوجد أزمة صلة وثقة بين النخب والجماهير. كما يلاحظ غلبة كل من التنفيذي على التشريعي، والإداري على السياسي، والشخصي على المؤسسي، مما جعل الجمهور يتشكك في السياسة بشكل عام، وفيمن يمارسها.

5.    تكمن المطالب الرئيسية للناس في كل من تحقيق الأمن، وإشباع الحاجات الاقتصادية، وفي الوقت ذاته ركزت النخب على قضايا مختلفة عن تلك التي تشغل أفق الجمهور العادي، كالمتعلقة بشكل النظام السياسي وطبيعته، بينما ظل المواطن العادي خارج إطار هذا الجدل.  وتواجه مصر هذه الأزمة في الفترة الراهنة، فضلاً عن وجود ثلاثة مستويات للتحليل في مصر في الوقت الراهن. المستوى الأول هو مستوى من يتولى السلطة السياسية، وهو المجلس الأعلى للقوات المسلحة، فهو صاحب الأمر والنهي. المستوى الثاني من التحليل يتمثل في النخب السياسية وأجنداتها الأيديولوجية المتعددة.  وأخيراً مستوى المواطن العادي، واختزال القضايا السياسية في صورة الاقتصاد والأمن.

النموذج التركي وكيفية الاستفادة منه

لم يتحول النظام التركي إلى المدنية سوى في تسعينيات القرن المنصرم، وقد مرت تركيا بانتخابات غير نزيهة في عام 1945 ثم ، وبضغوط خارجية، أصبحت نزيهة  في عام 1950 ، ثم هيمنت المؤسسة العسكرية على السلطة في تركيا بعد نشوب عدد من الانقلابات العسكرية التي بموجبها قمع نظام العسكر في تركيا الاشتراكيين والإسلاميين، وقام ببعض الإجراءات القمعية الأخرى، مثل حل الأحزاب، والتضييق على منظمات المجتمع المدني. ومن ثم، أدى كل من الإخفاق السياسي والاقتصادي، وأخطاء نظام أربكان في تركيا إلى ظهور نظام آخر هو نظام أردوغان، وحكومة العدالة والتنمية الخاصة به، ونقل السلطة إلى المدنيين في تركيا.

        تمايزاً عن التجربة التركية، أشار المشاركون إلى أن مصر قد بدأت تجربتها  في التحول نحو الحكم الديمقراطي بانقسام حاد بين النخبة السياسية حول صورة المجتمع المرجو، وماذا ستكون طبيعة هذا المجتمع: دينية أم علمانية. وتلك النقطة هي التي جعلت من مسألة تحييد دور المؤسسة العسكرية في مصر أمرا في غاية الصعوبة في المرحلة الراهنة.

علاوة على ذلك، يلاحظ وجود طلب اجتماعي على المزيد من الدور السياسي لصالح المؤسسة العسكرية من جانب بعض الفئات الاجتماعية في مصر بسبب تزايد مخاوف البعض من إنشاء الدولة الدينية، لأن طبيعة تيار الإسلام السياسي في مصر لا تتشابه  بأي حال مع تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا، من وجهة نظر الدكتور جمال عبد الجواد.

        المقومات السابقة ولدت أزمة ثقة فيما بين المواطنين والنخب السياسية في مصر، لأن تلك النخب لا تستطيع وحدها تحمل تكلفة إدارة دولة بالكامل، بينما كانت هناك مقومات مغايرة لتلك المقومات، أسهمت في تحييد دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية في تركيا، منها أن حزب العدالة والتنمية هو حزب ذو مرجعية إسلامية، يعمل ويتعايش وينجح في سياق نظام سياسي علماني.

كما أن النظام التركي شهد مراحل شد وجذب كثيرة ما بين المؤسسة العسكرية والإسلاميين لما يزيد على سبعين عاماً، لكن المجتمع المصري لا يمتلك هذه الخبرة . كما أن العامل الخارجي قد لعب دوراً مهماً في ذلك، من خلال اندماج تركيا مع الغرب في حلف شمال الأطلسي، وسعيها للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي. لذلك فتجربة التحديث في تركيا كانت ذات مكون غربي بالأساس، أسهم في تطورها وساعد على استمراريتها حتى الآن.

الدين والعلمانية وكيفية التقارب

 إن لمفهوم العلمانية التركية خصوصية معينة، وفقاً للسياق السياسي والمجتمعي التركي، لأن العلمانية التركية لا تعني اللادين، بل تعني تدعيم حرية الإنسان والدين والاعتقاد، ومن ثم فإن اختلاف السياق السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي بين مصر وتركيا يفرض إمكانية تقبل مفاهيم معينة في سياق معين، وعدم تفهمها في سياق آخر. ومن هنا، تأتي فكرة خصوصية السياق. وبالرغم من ذلك، فإن المرجعية في السياقين المصري والتركي مسلمة بالأساس بحكم عوامل التاريخ والجغرافيا، والتي تشكل مكونات هوية البلدين.

  يرى المشاركون من الجانب المصري أن الخبرة المدنية المصرية عرفت انقطاعات كثيرة لم تعرفها تركيا، بحيث مرت مصر بالمرحلة الملكية، في ظل تجربة حكومة حزب الوفد، بينما بدأت تركيا الجمهورية منذ 1924 وحكم أتاتورك، لكن مصر عرفت الجمهورية عقب ثورة يوليو1952. كما أن تجربة أوزال فتحت مجال الحركة أمام التيارات الإسلامية في تركيا، بينما قام النظام المصري السابق بكبت تيار الإسلام السياسي في مصر على مدى ثلاثين عاماً بعكس التجربة التركية.

والدليل على ذلك أن حزب الوسط في مصر لم يحظ بالمشروعية القانونية منذ تسعينيات القرن المنصرم سوى بعد ثورة يناير 2011 بسبب التعامل مع هذا التيار من جانب النظام السابق كملف أمني. وشهد النظام السياسي جموداً فيما يتعلق بقضايا المواطنة وحقوق الإنسان والأقليات، بينما أتاحت تجربة حزب الرفاه في عام 1990 في تركيا المجال لخروج تجربة الإسلام الحضاري والثقافي. ومن ثم، فإن التمايز والاختلاف كان واضحاً بين النظامين المصري والتركي فيما يتعلق بالتعامل مع القوى والتيارات السياسية المختلفة، ولا سيما ذات المرجعية الدينية منها.

  وقد أشار المتخصصون إلى أن النظام التركي قد حافظ على دولة سيادة القانون، بينما انتهك نظام مبارك القانون، وقمع الحريات، مثل قضية النقاب في الجامعات المصرية، لكن التزم النظام التركي بالقواعد التي أرستها الجمهورية التركية. وفوز حزب العدالة والتنمية في تركيا ، وهو حزب ذو مرجعية دينية، يؤكد المبادئ الديمقراطية للنظام التركي، بينما عمل النظام المصري السابق على قمع التيارات الإسلامية في مصر، والإساءة لها، رغبةً في اكتمال حلم توريث السلطة السياسية. كما أن تجربة العدالة والتنمية لم تهدد مدنية الدولة، بالرغم من مرجعيتها الدينية.

   كما أشار المشاركون إلى أنه يمكن توجيه بعض الانتقادات للمعاني العلمانية التي قدمتها التجربة التركية، لدرجة أن هناك حديثا الآن عن مفهوم العلمانية الأكثر تقدمية التي لا تفرض وصاية على المؤسسات الدينية، كالعلمانية الفرنسية التي تخرج الدين تماماً من المجال العام، وإنما تعد العلمانية التركية علمانية متصالحة مع الدين.

كما أن الحديث عن مدنية الدولة في مصر في الآونة الأخيرة يبرز في سياقه أهمية دور الدين في المجال العام، فلا ينبغي أن تتحول المرجعية الدينية إلى إعطاء حصانة استثنائية لمؤسسة معينة أو أفراد بعينهم على المجتمع، مما يولد الفرص أمام الأحزاب والتيارات السياسية المدنية ذات المرجعية الدينية، ولا سيما الإسلامية، للمشاركة الفعالة والتنافس في الحياة السياسية .

اتساقاً مع المعطيات السابقة، فإنه لا يمكن الحديث عن مرجعية معينة لأي تيار بمعزل عن سياقه، وأخذ مسألة عدم الإقصاء المتبادل في الحسبان، حتى يمكن الوصول إلى دولة القانون والمؤسسات، وحل الاستقطاب الدائر بين التيارات العلمانية والإسلامية في مصر. ومن ثم، فهناك اختلافات شديدة بين النموذجين المصري والتركي فيما يتعلق بمفاهيم الدين والعلمانية والديمقراطية بسبب اختلاف السياقين المصري والتركي.

معوقات التنفيذ

لعبت وسائل الإعلام في مصر دوراً مهماً في زرع القلق والريبة من النموذج التركي بعد عام 2002 "، ذلك العام الذي وصل فيه حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في تركيا، وبروز النموذج التركي بتجربة العدالة والتنمية السياسية والاقتصادية. حيث أشار المتخصصون المشاركون من الجانب التركي إلى أهمية التمييز بين التجربة التركية وتجربة العدالة والتنمية، عند الحديث عن النموذج التركي، فتركيا لا تزال في منتصف الطريق. ففي عامي 1938و1939، انصب تركيز النظام التركي على الاندماج مع الغرب، بينما ركز الدستور الأخير عام 1982 على تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان.

والآن تمر تركيا بمرحلة وضع دستور جديد، فتجربة العدالة والتنمية هي مجرد تجربة لم تكتمل كنموذج مثالي، لأن حكومة العدالة والتنمية لم تحسم بعض القضايا المعلقة، مثل قضايا المحجبات في الجامعات التركية وفي البرلمان التركي، برغم مرجعيتها الإسلامية.


رابط دائم: