اتجاهات الخطاب المناخى فى الداخل الأمريكى
9-11-2022

د. رنا أبو عمرة
* دكتوراه فى العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة

 بالرغم من أن الخطاب البيئى وما تبعه من حراك نشط فى السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضى ازدهر فى الولايات المتحدة ثم اكتسب دعماً عالمياً، وبالرغم من قدرة هذا الحراك البيئى على التوسع والتأثير وتحقيق إنجازات على مدار عقود، فإن الاستقطاب السياسى الذى يحركه البعد الاقتصادى بشأن قضية المناخ والقضايا البيئية حاليا يعكس أزمة سياسية عميقة تواجهها مؤسسات الديمقراطية فى الولايات المتحدة وتغذيها سياسات الحزبين الديمقراطى والجمهورى مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، مما قد يدفع بالحراك البيئى لانتهاج إجراءات غير معتادة أو الخروج عن قواعد اللعبة لحماية معتقداتهم ما يزيد من المخاطر التى قد تواجهها الديمقراطية الأمريكية.

1- نشأة وتطور الخطاب البيئى فى الولايات المتحدة:
يرجع الكثيرون نشأة الخطاب البيئى بالشكل المعهود الآن إلى الستينيات من القرن الماضي، وإن كان قد سبق ذلك محطات متفرقة مثلت عمقاً للحركة البيئية فى الولايات المتحدة، وإن لم تكن ذات تأثير حقيقى فى أرض الواقع، كما كانت القضية البيئية قبل الستينيات والسبعينيات تظهر كقضية فرعية لمطالبات كبرى أخرى لمناصرة قضايا العرق، والجنس، والحقوق المدنية وغيرها.
ويرجع أغلب المتابعين للخطاب البيئى الأمريكى تاريخ نشأته الحقيقية إلى عام 1962؛ عندما نشرت عالمة الأحياء البحرية راشيل كارسون كتابها بعنوان «الربيع الصامت»، والذى تناول ضرر استخدام مبيدات الآفات الزراعية على البيئة وهو العمل الأكاديمى الذى مهد لحظر مادة «الدى دى تي» بعد ذلك بعشر سنوات، والأهم أن هذا الكتاب قاد جهود العلماء والكيميائيين على وجه الخصوص للبحث والتعمق فى دراسة وفهم تأثير الأفعال البشرية على البيئة كأحد المتغيرات الحاكمة وأن أى تدهور فى المجال البيئى هو نتاج لفعل البشر ولا يعد تدهورا تلقائيا ناتجا عن عامل الزمن وحده، وهو ما وضع مسئولية تستدعى واجبات وحقوقا على المستوى السياسى، والاقتصادى، والاجتماعى وهو خطاب علمى، وفكرى، وأكاديمى كان آنذاك غير معهود على نطاق واسع.
وبالرغم من قدرة الكتابات العلمية والأكاديمية على التأثير فى دوائر صنع القرار ولفت النظر إلى القضايا المستجدة والتعامل معها من منظور مستحدث يستجلب أطراف وموضوعات غير معهودة لدوائر السياسة، إلا أن ذلك لم يكن بمعزل عن توالى حوادث كبرى تسببت فى نقل القضية البيئية إلى مستوى الرأى العام، أو بالأحرى إعادة القضية إلى دوائر الرأى العام.
جدير بالذكر هنا كارثة التسرب النفطى على سواحل كاليفورنيا فى يناير 1969، والذى كان الأسوأ آنذاك مما أسفر عن مقتل آلاف الطيور والحيوانات البحرية؛ الأمر الذى لفت الانتباه إلى مسئولية الجهات الفيدرالية وسلطات الولايات عن تقنين أعمال التنقيب البحرية وتنظيمها فى مواجهة دعاوى الشركات فى حقها لممارسة حقوقها الاقتصادية فى الأراضى الفيدرالية بما يحقق هدفها الأساسى وهو المكسب، وربما ظلت هذه الإشكالية تطل برأسها من بين ثنايا النقاشات حول القضايا البيئية حتى الآن وتمثل حجر عثرة شديد الصلابة أمام تطبيق القانون من وجهة نظر أنصار القضية البيئية فى الولايات المتحدة.
وتتمثل الحادثة الثانية فى اشتعال النيران فى نهر كوياهوجا فى ولاية أوهايو نتيجة تغطية بقع الزيت له بالكامل، فبالرغم من أن النهر كان يغطى ببقع زيت كثيرة ويشتعل فيها النيران من آن لآخر إلا أن حريق 1969 كان الأكبر والأخطر كما أنه تلا حادثة التسرب النفطى بأقل من ستة أشهر، الأمر الذى أعطى زخماً للخطاب البيئى وأصبحت تلك الحادثة رمزا للحركة البيئية الأمريكية.
وقد بلغ الزخم منتهاه فى بداية عقد السبعينيات، عندما دشن 20 مليون شخص فى الولايات المتحدة الاحتفال بيوم الأرض لأول مرة فى 22 أبريل عام 1970؛ بحيث بدأت القضية البيئية تفرض نفسها على النقاشات العامة الإعلامية والسياسية بشكل أكثر إلحاحاً، وتفرض نفسها على الأجندة الوطنية من زاوية أكثر اتساعاً، أى بحسبانها أولوية قومية وعدم اقتصار التهديدات البيئية على كونها مجرد حوادث تشهدها فى ولايات بعينها، كما سمح هذا الاحتفال بمنح الناشطين البيئيين المساحة للتعبير عن أطروحاتهم وإثبات معتقداتهم الخاصة بحتمية الالتزام الأخلاقى للإنسان فى الحفاظ على البيئة.
وقد بدأت ترجمة هذا الحراك البيئى النشط فى تدابير وقوانين لمواجهة المخاوف البيئية، واستجابة حكومية تمثلت فى نهاية عام 1970 فى إنشاء الرئيس نيكسون هيئة فيدرالية لها مخصصاتها من الكونجرس، وهى وكالة حماية البيئة EPA لتوحيد العديد من الإجراءات الفيدرالية البيئية، وكان ذلك بدعم من الحزبين الجمهورى والديمقراطي، ثم تلا ذلك بعامين تمرير قانون المياه النظيفة ،وهو التشريع الأول من نوعه فى الولايات المتحدة للحفاظ على المياه من التلوث، وفى العام التالى تم تقديم قانون «حماية الحيوانات المهددة بالانقراض»، وهو القانون الأساسى فى الولايات المتحدة لحفظ النباتات والحيوانات من الانقراض.
وخلال الثمانينيات ظهرت القضية البيئية مرتبطة بالحديث عن العرق وعن دور السكان الأصليين وتمكينهم قانونيا، وسياسيا، وإعلاميا من الحفاظ على أراضيهم ومواردهم الطبيعية، وهو ما تجلى فى تأسيس الشبكة البيئية للسكان الأصليين عام 1990 فى الولايات المتحدة التى سرعان ما انتشرت وتشعبت عالمياً وأصبحت حركة دولية، ثم عقدت فى العاصمة واشنطن لأول مرة قمة شارك فيها 300 مشارك من ذوى البشرة الملونة من جميع الولايات، تبنوا فيها مبادئ العدالة البيئية، وانتهى عقد التسعينيات بانضمام الولايات المتحدة لاتفاقية كيوتو وهى الخطوة الدولية الأكبر، والأولى التى ترجمت الحراك البيئى لحراك دبلوماسى شكل فيما بعد حجر زاوية فى الخطاب السياسى للحزبين الديمقراطى والجمهورى وسجالهما داخلياً وخارجياً.

2- أهم سمات الخطاب البيئى فى الولايات المتحدة:
بالنظر إلى مسيرة تطور الحراك البيئى وخطابه فى الولايات المتحدة الأمريكية، يتضح أن الخطاب تطور بشكل تدريجى، سواء على مستوى الموضوعات أو على نطاق الحراك البيئى ككل، فقد ركز الحراك فى بدايته على قضية التلوث والمياه بشكل أساسي، وهو ما جعله منذ اليوم الأول فى مواجهة عنيفة مع الشركات ومصالح صناعة النفط وما يمثله مثل هذا الحراك من تهديد مباشر لمكاسب هذه الشركات وحريتها الجغرافية والسياسية فى ممارسة نشاطها الاقتصادى فى عقر دار نظام اقتصادى أرسى قواعد الرأسمالية.
ومع تطور الحراك تطورت قضايا الخطاب البيئى مع الوقت لتشمل بجانب أمن المياه قضايا أخرى تنسج فيما بينها منظومة الأمن البيئى ككل والذى يظهر الآن فى سعى الإدارات الأمريكية وخاصة الديمقراطية منها لترسيخ مفهوم القيادة البيئية لأمريكا على مستوى العالم، بل والربط بين قضايا البيئة والمناخ وبين قضايا أمنية أكثر إلحاحاً فى العالم المعاصر، مثل قضية الهجرة على سبيل المثال.
هذا المناخ التصادمى الذى ولدت فيه الحركة البيئية الأمريكية، جعل مشهد التطور أكثر تنوعاً من حيث الأدوات، فكما أبرز أهمية الفكر والبحث العلمى فى تسليط الضوء على مسببات وجذور الأزمة ومن ثم توجيه صناع القرار فى الكونجرس بحجج تقوم على العلم نحو تبنى تشريعات من شأنها حماية البيئة، نجد أن الأمر لم ينفصل عن العمل الميدانى على أرض الواقع من خلال منظمات المجتمع المدنى والتى لم تكن تفوت فرصة لإظهار الضرر البالغ الناتج عن أى حادثة بيئية أو حشد الجهود لتحديد يوم الأرض كرمز ومساحة تتيح التعبير عن هذا الحراك، بجانب تواتر ظهور الحركات الشعبية المدافعة عن البيئة والتى نوعت أطيافها ما بين شباب ونساء، فضلاً عن دور المجتمعات المحلية فى تحريك الملف إعلامياً وسياسياً فى وقت لاحق.
ولم يكن لمثل هذا النضال البيئى أن يستمر ما لم تتبناه السلطات الفيدرالية والحكومية وتستجيب له، ليتحول لشكل أكثر مؤسساتية تضعه ضمن الأجندة الوطنية، ولكن الأمر المثير للتأمل هو بزوغ التحرك الرسمى الأمريكى فى قضية حماية البيئة فى بداياته على المستوى الفيدرالى بدعم من الحزبين الديمقراطى والجمهورى، ولكن ما لبث أن تم تسييس القضية البيئية وتحولت إلى أكبر القضايا الخلافية بين الحزبين بشكل أفقد الحراك البيئى المؤسس لهذا الركن فى السياسة الخارجية الأمريكية قدرته على التأثير من خلال الوسائل السياسية المقبولة وبالسرعة التى تستدعيها فداحة تأثيرات التهاون مع الأخطار المتتالية والمركبة لقضية المناخ. وكلما زاد الخلاف السياسى داخلياً بشأن القضية البيئية إلى الحد الذى وصل إلى إنكار وجودها من الأساس، دفع ببعض التيارات غير المعتدلة المنتمية للحراك البيئى الميدانى لانتهاج تحركات أكثر عنفاً للتعبير عن نفسها والدفاع عن قضيتها الفكرية التى أصبح لها جذور فكرية وسند شعبى متراكم ومتشعب وواسع خارج حدود الدولة، وربما مثل هذه النظرة هى ما تفسر ظهور ما أسماه الإعلام «الفاشية الإيكولوجية» وحوادث العنف تحت التبريرات البيئية كما فى حادثتى إطلاق نار فى تكساس فى 2019 ونيويورك فى مايو 2022 التى أعلن منفذاها عن دوافعهما التى ربطت بين الهجرة والتدهور الذى لحق بالبيئة كدوافع لهذه الجرائم التى تعكس المزج بين السياسات البيئية والتطرف اليميني، وذلك بدلاً من أن يكون الربط بين القضايا والمستجدات معززاً للحلول التكاملية فى التعامل مع القضية البيئية.
وربما يستوقفنا أن مثل هذا التدهور فى نمط التفكير يتعارض وأبسط الحقائق المتعلقة بقضية المناخ، وهى أن الدول المتقدمة هى المصدر الأكبر للانبعاثات الضارة وليست دول المهاجرين، مما يعنى بشكل آخر أن انسداد المسار السياسى لترجمة الحراك العقلانى إلى سياسات وإجراءات قد ينحى بالإطار الفكرى المؤسس عن قواعده السليمة ويدخله فى دوامة تفقده الكثير من زخمه وموضوعيته ومكتسباته التاريخية وأدواته الحقيقية السلمية المؤثرة فى وقت تتشعب فيه القضية البيئية لتلامس سلاسل الإنتاج المتعددة والمتنوعة فى ظل مناخ اقتصادى عالمى متأزم.

3- الجدل بين الديمقراطيين والجمهوريين:
لعل السمة الأكثر تمييزاً للنظام السياسى الأمريكى من حيث تحول القضايا إلى أرقام ناخبين وتعداد أوراق اقتراع هى نقطة الانطلاق فى محاولة فهم الجدل الديمقراطي-الجمهورى حول القضايا البيئية، فبالرغم من التوافق الذى تعكسه استطلاعات الرأى بشأن الاتفاق بين مؤيدى الحزبين على خطورة قضية المناخ وتأثيرها السلبى من معيشتهم إلا أن الخلاف يدور حول تمويل الأنشطة والبرامج والإجراءات المعتمدة لمواجهة هذا الخطر.
فى الوقت الذى يرى الديمقراطيون أن التعامل مع القضايا البيئية وتغير المناخ أولوية على جدول أعمال الأمن القومى الأمريكى وما يستوجبه ذلك من توجيه مخصصات كبرى للتعامل معها، يرى الجمهوريون أنها قضية ضمن قضايا أخرى ويجب ألا تحظى بمثل هذا الدعم المادى والسياسى ومن ثم فإن تعظيم المخصصات الموجهة لها هو بمثابة إهدار للموارد الاقتصادية، كما أن اللوائح البيئية المنظمة ضارة بالأنشطة الاقتصادية وتضيق المجال أمام خلق الوظائف ومواجهة أزمة البطالة المتنامية.
ترتيبا على ما سبق، أصبحت القضية البيئية ورقة انتخابية كبرى فى حملات المنافسين الديمقراطيين والجمهوريين على مستوى انتخابات الكونجرس، وكذا بين المتنافسين على مقعد الرئاسة فى البيت الأبيض، الأمر الذى أدى إلى تبنى سياسات متناقضة تجاه هذه القضية خلال العقدين الماضيين والتى بدأت بدعم غير مشروط لإدارة أوباما لقضايا البيئية والذى تمثل فى الانضمام لاتفاقية باريس، ثم انقلاب ترامب الجمهورى اليمينى على هذا التحرك والانسحاب من الاتفاقية وفاء لوعوده الانتخابية وتقليص المخصصات الموجهة لهيئة حماية البيئية بشكل غير مسبوق، باعتبار أن زيادة الإنفاق على علوم المناخ وحماية البيئة سترفع معدلات التضخم نتيجة زيادة الإنفاق، ثم عودة الديمقراطيين من خلال إدارة بايدن لاتفاق باريس ومؤخراً وقبل انتخابات التجديد النصفى فى نوفمبر المقبل وقع بايدن على قانون «الحد من التضخم» بحيث أصبح أكبر استثمارا للولايات المتحدة من أجل مكافحة الاحتباس الحرارى فى التاريخ قانوناً سارياً بما يتيح المجال لتخصيص 369 مليار دولار لاستراتيجيات الطاقة النظيفة، فى حين لم يصوت للقانون أى عضو جمهورى فى الكونجرس بمجلسيه بينما تعانى ولاياتهم الحمراء تأثيرات التغير المناخي.
 هذا التذبذب والاستقطاب الحاد والمستمر فى السياسة الخارجية الأمريكية تجاه القضية البيئية على مدى الإدارات المتعاقبة أهدر الكثير من الفرص والإمكانات التى كان من الممكن أن تساهم فى التقدم بشكل إيجابى وفقاً لمقتضيات المرحلة الحالية الحرجة كما يراها مناصرو لقضية البيئية إلى الحد الذى يفسرون أسباب الوصول للوضع الحالى بأنه استمرار الجهود المنظمة من قبل المحافظين وأصحاب المصالح لترسيخ عدم اليقين والضبابية فيما يخص علوم المناخ وأسباب تغير المناخ وتقليل أضرارها وتمويل بعض الشركات الكبرى لأبحاث مضادة لحجج البيئيين مما أفقد مصداقية وإلحاح القضية لدى قطاع كبير من الناخبين وتزداد هذه الجهود مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية خاصة التى تتسم بالاستقطاب.

ختامـــًا:
إن تفاقم الاستقطاب بين الجمهوريين والديمقراطيين بشأن القضايا البيئية وقضية تغير المناخ تتحكم فيه بشكل كبير قدرة أصحاب المصالح وشبكات العلاقات العامة التى تخدمها على توجيه النقاش على المستوى الوطنى بشكل ممنهج لخدمة مصالحها الاقتصادية المباشرة، وهو ما يتعارض مع مصالح المجتمع، ولعل تحرك المؤسسات الأمريكية ممثلة فى الكونجرس أو البيت الأبيض فى هذه القضية ــ يتعدى فى أهميته تعزيز القيادة الأمريكية البيئية على مستوى الأمن القومى كما يراها صناع القرار إلى حماية الديمقراطية الأمريكية ذاتها من تقويض أصحاب المصالح لها واستعادة الثقة بها والشرعية الحقيقية بعد أزمات نالت من رصيدها ضمن أزمة الديمقراطية العالمية التى تفاقمت فى العقد الأخير.


المصادر:
 



رابط دائم: