روح أكتوبر والحلول الإبداعية
5-10-2022

مدحت بشاي
* كاتب صحفى

إن روح أكتوبر التي عشنا تجلياتها في زمن التحضير للملحمة الأكتوبرية عام 1973، وفى أثناء الحرب، وحتى تحرير أرض سيناء الحبيبة.. روح مصرية وطنية عبقرية شكلت حالة من التناغم الإنساني النبيل في حب الوطن بين كل عناصر المجتمع وقواه الناعمة بجانب قواه الدفاعية المادية والعسكرية.. إلى حد اتخاذ أهل الشر والإجرام قرارهم بالكف عن الأذى، حتى لا يصبحوا قوى عكسية معطلة لشعب عظيم، قرر إزالة آثار العدوان والعبور وتحرير كل تراب الأرض في "وحدة إنسانية".

نعم  "وحدة إنسانية".. يحكي لنا  اللواء عبدالجابر أحمد علي في كتابه "أكلة الدبابات".. يقول "كانا صديقان حميمان في الكتيبة. إحدى كتائب الصواريخ، حيث ذكرنا من قبل المهمة التي تعد من أجلهاـ في مركز التدريب جمعت بهما الأقدار في مكان واحد يقيمان فيه. وأيضاً تدربا على نوع واحد من السلاح. كل منهما أصبح موجهاً للصواريخ المضادة للدبابات ضمن أكلة الدبابات. هذان الصديقان هما جعفر بيومي وصبحي يعقوب.. في غمرة الفرح والانتصار على العدو وأصوات الطلقات حول الأبطال ودانات المدافع تمطرهم بكل أنواع الأعيرة، وفي خلسة وغدر التفت إحدى الدبابات في غفلة عن قواتنا من الخلف، خلف الموقع الذي به بيومي ويعقوب، ورغم أن الاشتباكات لم تنقطع عن العدو. ارتفع صوت أحد الأفراد يحذر جعفر بأن هناك دبابة في الخلف تقترب من الموقع وكذا حذر صبحي نفس التحذير ـ وجهت الدبابة القريبة موجه نيران رشاشاتها الكثيفة نحو جعفر لم يسمع جعفر التحذير، سمعه صبحي. أسرع نحو صديقه ينبهه إلى الخطر، حيث اقتربت هذه الدبابة منه، اندفع كالمجنون قفز فوقه في محاولة لإخفائه في حفرته عن النيران، لكن نيران القدر كانت أسرع منه، حيث وجهت الدبابة نيرانها إلى يعقوب وبيومي وهما يحتضنان بعضهما بعضا كل منهما يحاول أن يحمي الآخر بعد أن اخترقت الرصاصات أجسادهما. وكانت كثيفة وسريعة ورقدا والدماء الغزيرة تنزف منهما واختلطت دمائهما على الرمل كما اختلطت أنفاسهما في لحظة واحدة وأصبحا كجسد واحد ونالا الشهادة في وقت واحد.. استشهدا بعد أن دمرا ستة دبابات كل منهما 3 دبابات، حتى في تدمير الدبابات تساويا.. هذه هي البطولة".

هي إذن "الوحدة الإنسانية" التي نأمل تجددها ونحن نحارب الآن قوى باغية مجنونة شرسة، استطاعت في غفلة منا، ومن الزمن خطف الوطن وإلقائه فى غياهب ظلمات التخلف والرجعية، ورغم إسقاط طواغيتهم من على كراسي الحكم  لازالوا يعبثون بمصالح وأمن ومقدرات ذلك الوطن العظيم.

سأل ضابط إسرائيلي أسير، المقاتل المصري درويش: كيف حدث هذا.. كيف استطعتم القضاء علينا وكنا نري عدد دباباتكم قبل أول طلقة؟.. وأجاب المقاتل المصري الشاب: الجواب ببساطة شديدة هو المقاتل المصري وجسارته وإيمانه وحلوله الإبداعية، فالنصر الآن للمقاتل المتفوق وليس للدبابة الأكثر إمكانيات ومعدات تقدير مسافة أو أشعة أو ذخيرة بدليل أن كل هذا كان لديكم، وعجزتم عن هزيمتنا رغم تفوقكم العددي في الدبابات والأطقم، إلي جانب طائراتكم، وضربكم في العمق.. وهكذا، تصاعد إيقاع حركة أبطالنا الصناديد في وحدات الدبابات والمدفعية والمشاة والدفاع الجوي والصاعقة والمهندسين، في معاركهم ذات الأسلحة المشتركة وعبر الانطلاق إلي عمق دفاعات العدو في مراحل التطوير والهجوم المضاد الذي قمنا به مع بداية الأسبوع الثاني من الحرب، وقال لي مقاتل مدرعات: (ذهن قائد الوحدة المدرعة لابد من أن يعمل فى أثناء القتال بسرعة جنزير الدبابة.. ولقد كانت أذهاننا بسرعة جنزير الدبابة.. ذلك لأننا كنا عطشي للنصر).

نعم، إنه الإبداع الفردي والجماعي من جانب متخذ القرار السياسي والعسكري والإداري الفوقي، وأيضا أفراد التنفيذ على الأرض بكل رتبهم وأدوارهم، ومنذ اليوم التالي لرفض الجماهير المصرية قرار الرئيس جمال عبدالناصر بالتنحي، تسارعت الخطى لدراسة كل أسباب حدوث الكارثة بموضوعية ووفق دراسات منهجية علمية منطقية، وفي مرحلة تالية إعداد خطط إصلاح وإعادة البناء على كل الأصعدة عسكرياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً وإعلامياً... الخ.

المتابع لكل عمليات فترة حرب الاستنزاف يتأكد له عبر مراحل كل تدابير الإعداد والتنفيذ لتلك الحرب الضروس توافر قدر هائل من إعمال الفكر الإبداعي الداعم لروح الحماس الوطني لدى مقاتلينا الأبطال لإزالة آثار العدوان.

فلنتأمل ذلك التصريح "كل موضوعات الإعلام المصري كانت حملة خداع من جانب الرئيس أنور السادات، أو شخص ما بجواره، وأن ذلك ليعتبر أكبر نجاح لمصر في حرب يوم الغفران ( أكتوبر )".. هي عبارة كتبها الجنرال إيلي زعيرا، رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية عام 1973 في كتابه "حرب يوم الغفران"، عن مدى نجاح الإعلام المصري في إخفاء قدراتنا على الحرب، وتحقيق المفاجأة الاستراتيجية في حرب أكتوبر. وبالطبع، كان الشخص الذي تحدث عنه هو صاحب تلك الخطة العبقرية، الدكتور محمد عبدالقادر حاتم، وزير الإعلام الأسبق.. هي خطة الخداع الاستراتيجى كما أُطلق عليها واشتهرت به بعد أن باتت تمثل خطوات المهمة الخاصة الأعظم في سبيلنا لتحقيق نصر أكتوبر العظيم.

 

 


رابط دائم: