حتى لا تتراجع العقلانية في مواجهة التخلف
10-1-2022

مدحت بشاي
* كاتب صحفى

في مراحل تحلم فيها الشعوب بإنجاز خطوات جادة داعمة لمشوارها نحو التقدم يُطرح غالبًا هذا السؤال: كيف السبيل لتحفيز ومقاومة أهل الكسل العقلي؟، حيث تعثر الخطوات في دنيا السعي إلى كسب مساحات جديدة مبشرة بحال أفضل، سيؤدي بهم إلى حالة تراجع تلك الأحلام المحفزة لإنجاز طفرات وقفزات نحو التقدم، ومن ثم يزداد التخلف وتنتشر جراثيمه وميكروباته في أوصال أوطانهم.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الإرهاصات الأولية التي تحققت نحو استضاءات التنوير في مصر وبعض المناطق العربية  في القرن التاسع عشر لم تنمو للأسف كتيارات ومسارات للأمام، وعليه تراجعت العقلانية والحداثة اللتان ارتبطتا بتلك الإرهاصات أمام زحف التخلف الفكري والجمود المتعصب، ولم تقدر إرهاصات التنوير على مقاومة القوى صاحبة المصلحة في إطفاء نور العقل، على عكس ما تحقق في عصر التنوير الأوروبي.

نعم، فحالة العقل لدينا كانت "بعافية شوية، أو قل شويتين"، بينما استطاع الفرنجة العبور لتشكيل مجتمعات التقدم عبر الاستفادة بثورة الاتصالات واتساع فضاءات دنيا المعرفة والإبداع.

وعليه، لن يتم تحقيق أي تقدم لمجتمع ما في هذا العصر إلا حين يشرق نور العقل في سماواته وآفاق تطلعات بنيه، ولابد من الاتفاق: أولا، على أن السماح والدفع بآليات التنوير بات ضرورة ملحة وعاجلة، وكل يوم تتراجع فيه خطوات قوى التنوير، يجعلنا نتخلف عشرات السنين. ثانيا، أن تلك المهمة تحتاج إلى صياغة وطنية. ثالثا، أنها لا يمكن أن تنجح بدون مراعاة خصوصيات متعددة، منها طبيعية البلد الذي تتم فيه وأوضاع المنطقة، واهتمامات القوى الكبرى وتدخلاتها.

لاشك أن التفكير ضرورة وحق لنا من ضرورات وجودنا ذاته، وعليه يكون من المسموح، بل من حقنا أن نختلف، ولا يقتصر اختلافنا على الأفكار والقناعات حتى تتكون تآلفات فكرية وسياسية وطنية، فيكون الاختلاف في التأييد والمعارضة، في الولاء والعداء، في التواصل والتقاطع، في الانجذاب والنفور، والاقتراب الطيب والتباعد الاضطراري وهكذا من الأمور المُجازة.

وعليه، تبرز أهمية فكرة التعددية، والتي تعني التنوع والاقتراب على المستوى العقلي والإنساني والحضاري ونحن نتعامل مع واقع الاختلاف عقلانيا وإنسانيا وحضاريًا كي لا يتحول الاختلاف إلى احتراب على مستوى الخطاب فتتشكل الفرق المتنازعة التي إذا ما صُعِّدت وتيرة الصراع بينها إلى أكثر مما تتحمله الأوضاع، تنقل حالة الاحتراب إلى نزف للدماء، وإزهاق للأرواح، وتكريس للبغضاء، وسماح لروح الشر والعدوانية بالتفشى، وإفساد للحرث والنسل، وهدم للبناء الحضاري. وهنا جاءت رسالات السماء لتوصي وتحرض، بل وتلزم المؤمنين بها على الاعتدال والتآخي، وجاءت الدعوات الإنسانية لتجذر هذه المفاهيم وتدعو إليها وفق رؤى ونظريات إعمال العقل لتؤكد هذا المعنى.

وفي مصر، لدينا فرصة عظيمة أن نجتاز كل مرارات مراحل الإحباط السابقة في ظل إرادة سياسية داعمة لنشر قيم التنوير وتوطينها  في زمن ولاية رئيس آمن وطالب بالإصلاح الثقافي والإعلامي والديني، والأهم إيمانه بدور العلم في تحقيق التقدم وإنجاز المستحيلات. وفي عهده كان الذهاب إلى العلم والتفكير العلمي في تطوير منظومات الصحة والتعليم والبحث العلمي والآثار، وكان الذهاب لتشييد مدن الدواء والأثاث، والمجمع المتكامل لإصدار الوثائق المؤمنة والذكية، وزراعة بالنظم الرأسية في صوب عصرية، ومزارع سمكية رائعة ، وكان دخول جامعاتنا منافسات جداول الترتيب بعد خروجنا الغير مشرف أبدًا على مدى حقب عديدة من كل التنافسات العلمية.

لاشك أن  التحولات التاريخية التي يعيشها الوطن في الحقبة الأخيرة قد فرضت علينا اتخاذ قرارات لمواصلة التأكيد على التوجه للأمام لمواكبة مسيرات التقدم، ومناهضة من يجرونا للاستكانة  والحركة في المكان بوهم أننا نتحرك، فنعود في النهاية إلى أزمنة التخلف ومعايشة راحة اليائسين والخروج من التاريخ ذاته.

وفي هذا السياق أوافق العالم د. أحمد شوقي في دعوته إلى السعي لإنجاز خطاب تنويرى جديد يبعث الحيوية والحداثة فى ثقافتنا التقليدية كلها، وليس فى مكونها الدينى فقط، الذى ندعو إلى تجديده منذ أمد بعيد دون نتائج محسوسة، ودون إغضاب المعنيين بقضية التنوير بصدق وإخلاص، حيث علينا أن نراجع معًا أسباب القصور فى تنوير المجتمع، والاعتراف بالحاجة إلى تغيير جذرى لمحتوى خطابنا التنويرى وأساليب تقديمه، والسعى إلى توفير البيئة الثقافية والفكرية التى تسمح باستيعابه وتبنيه. إنه نقد ذاتى تستدعى الأمانة طرحه بصورة مباشرة، توضح المشكلة وتسعى إلى الحل.

معلوم أن للفيلسوف الألماني العظيم "كانْت" الذي يقف عند قمة التنوير في القرن الثامن عشر مقال عنوانه «جواب عن سؤال: ما التنوير؟» (1784م)، ويمكن إيجازه في شعاره القائل: "كن جريئًا في إعمال عقلك". وقد كان يقصد به أن لا سلطان على العقل إلا العقل نفسه. وترتب على ذلك القول بأن قياس مدى التنوير مردود إلى مدى سلطان العقل.

وتأسيسًا على ذلك يطرح د. مراد وهبه السؤال الآتي: أين تكمن أزمة العقل فى إشكالية التنوير؟ .. ويذكر  "في نوفمبر من عام 1978م انعقد في الجزائر "مهرجان ابن رشد" بتنظيم من الجامعة العربية والحكومة الجزائرية، وإذا بأبحاث المهرجان، في معظمها، تُضعف من شأن العقل عند ابن رشد. ولكن يبقى للإبداع ورموزه المصرية الأصيلة الباقية الدور التاريخي المحرض لرفض من يشوهون الواقع ، في قراءة وطنية رائعة لتركيبة شعبنا العظيم.

وعلى مدار التاريخ كان هناك صراع جدلي تفاعلي عملي بين العقل الديني والعقل الفلسفي. ومعلوم تقدم حالة التنوير في الحقب والأزمان التي كان فيها ذلك الصراع متألقًا إبان العصر الذهبي المجيد. ولكن عندما توقف هذا الصراع وماتت الفلسفة أُغلق باب الاجتهاد ودخلنا في عصر الانحطاط الطويل والفكر الأُحادي الممل والتكرار والاجترار.

وبات يجمع أهل الفلسفة ودعاة التنوير على أنه لم يعد هناك عصف ذهني أو صراع تفاعلي حر في الساحة الدينية؛ لأن أحد طرفي المعادلة، أي العقل الفلسفي، هُمش، بل تم تكفيره وزندقته في أحيان كثيرة. وبموت العقل الفلسفي حصل جمود للعقل الديني فأصبح فقيرًا جدًّا من الناحية الفكرية؛ لأن الفلسفة لم تعد موجودة لكي تغذيه وتستفزه وتدفعه إلى المزيد من النضج والانفتاح. للتدليل على ذلك نضرب المثل بعالم اللاهوت السويسري الألماني "هانز كونج"، وإطلاعه على أحدث النظريات الفلسفية، ولهذا السبب فإن دراساته عن الدين تبدو قوية ومقنعة، على عكس دراسات التقليديين وكثرة التكرار والاجترار. وهذا يعني أن الاحتكاك بين الدين والفلسفة مفيد لكلا الطرفين. ومن ثم فلا بد من إعادة الاعتبار إلى الفلسفة والعقل الفلسفي إذا ما أردنا النهوض واستعادة العصر الذهبي مرة أخرى.


رابط دائم: