تداعيات تغير المناخ على أسواق النفط العالمية
6-12-2021

د . أحمد سلطان
* مهندس استشارى- رئيس لجنة الطاقة بنقابة مهندسين القاهرة

يبدو العالم غير متأكداً متي سوف ينضب النفط والغاز، ولكن من المرجح أن يستمرا لفترة أطول بكثير من معظم التوقعات، فشركات استخراج وإنتاج البترول تستخرج المزيد من الخام من القشرة الأرضية بمناطق غير تقليدية وبأعماق كبيرة عما سبق بهدف الوصول للمزيد من المخزونات النفطية، بطبيعة الحال في نهاية المطاف هذا سوف يصبح غير مجد اقتصادياً، خاصة أن تكاليف الوحدة من أشكال الطاقة المتجددة الأخرى تنخفض بشدة. ومع ذلك، فإن النفط والغاز لا يزالان، وسيظلان على الأقل، في المدى المتوسط (من ١٥ الي٢٠ عاماً) من المصادر الرئيسية في حصة الطاقة على الصعيد العالمي. فحالياً، على الصعيد العالمي، وطبقا لوكالة الطاقة الدولية يمثل النفط والغاز نحو ٥٤٪ من إجمالي إمدادات الطاقة الأولية، مما يعني أن هناك فرصة كافية من الوقت أمام الدول النفطية من أجل التحول للاقتصاد الأخضر الذي يعتمد علي مصادر طاقة متجددة.

التغير المناخي والتعامل العالمي:

من الواضح أن العالم سيواجه خطر فيروس مقبل لا يقل فتكاً ولا تأثيراً عن فيروس كورونا "كوفيد-١۹"، إن لم يكن أكثر فتكاً، وأسرع انتشاراً. معادلة التعامل مع آثار فيروس كورونا لم تكن معادلة سهلة أبدا، فبين الإنسان والاقتصاد لم تكن القرارات التي تم اتخاذها على المستوى العالمي سيان، فهناك دول رجحت كفة الاقتصاد على الإنسان، وهناك دول أخرى رجحت كفة الإنسان على الاقتصاد، إنها لعبة المعادلات والأرقام وليس تقليلاً من أهمية الإنسان وصحته وسلامته، لكن الوضع الاقتصادي لبعض الدول لا يحتمل أي هزات اقتصادية تنعكس بصورة حادة وواضحة على الإنسان ومعيشته وصحته، وتتعدى ذلك إلى جميع متطلبات الحياة.

ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتعامل العالم بالآلية ذاتها مع الأزمات أو الأحداث، فلكل دولة إمكانيات وقدرات مختلفة تعتمد في المقام الأول على قوة مواردها واقتصادها وما تملكه من تكنولوجيا وقوة سلاح البحث العلمي لديها، وغير ذلك من عوامل قوة الدول، فلا يستقيم أن نفصل ثوباً ونعتقد أنه مناسب لجميع شعوب العالم، وليس من العدل والإنصاف أن نضع ونحدد معايير ثابتة نطالب جميع الدول بالالتزام بها من باب المساواة، فالمساواة ليست عدلاً بالضرورة، فهناك تباينا لافتاً في التعامل المجتمع العالمي والإعلامي مع قضية تغير المناخ، فهناك من يحذر أن العالم يقف على شفا حفرة، وأن الخطر المقبل -بسبب تغير المناخ وآثاره في البيئة- سيغمر مدنا بسبب ارتفاع منسوب المياه الناجمة عن الاحتباس الحراري.

النفط وتغير المناخ:

خلال الأعوام القليلة السابقة، مرت أسواق النفط العالمية بالكثير من المتغيرات الجوهرية، وطرأ عليها مستجدات مهمة لا يمكن تجاهلها، ولم يتوقف الأمر عند بزوغ نجم النفط الصخري الذي أصبح طرفاً رئيسياً في معادلة النفط العالمية، فقد تزامن ذلك مع أزمة كورونا كوفيد -١۹ التي نحرت الاقتصاد العالمي من الوريد إلى الوريد، علاوة على قطاع الطاقة أحد أكبر المتضررين من هذه الأزمة. نعيش في عالم متسارع التطور ومطرد النمو، مما يعني بالضرورة زيادة الطلب العالمي على الطاقة الذي يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن أمن الطاقة العالمي قضية جوهرية لا يمكن بأي حال من الأحوال المساس بها أو تهديدها.

عندما أوجد النفط الصخري الأمريكي مكاناً له بين أكبر منتجي العالم، وبلغ إنتاج أمريكا من النفط أكثر من ١٢ مليون برميل يوميا، ظن البعض أنها ستتحكم بالأسواق العالمية للنفط وستقودها كيفما شاءت، فهل حدث ذلك؟ وعندما ضربت الكورونا العالم في كل مكان في الأرض، ذهب البعض إلى أن أسعار النفط ستتهاوى ولن تتعافى، ولكن ذهب خبراء -في المقابل- ليتوقعوا وصول أسعار النفط إلى أكثر من ١٥٠ دولارا للبرميل بعد ظهور بوادر تعافي الاقتصاد العالمي من جائحة كورونا، فهل أصابت توقعاتهم؟ من الطبيعي جدا أن تتباين واختلاف الآراء والتوقعات وتجانب الصواب بل تكون بعيدة كل البعد عن الواقع والمنطق أحيانا، فذلك يعتمد على المدخلات ودقتها وجودتها لضرورة استشراف المستقبل.

ما يهمني هنا هو صوت العقلاء في التعامل مع ملف الطاقة العالمي وتوازنهم في التعاطي معه بحكمة ومسئولية، وأعتقد أن أوبك نموذج مميز جسد هذا التوازن في قيادة دفة أسواق النفط خلال جائحة كورونا، وفي التعامل مع النفط الصخري الأمريكي، فلم يتحكم النفط الصخري بأسواق النفط العالمية، ولم تنهار أسعار النفط خلال جائحة كورونا، ولم تحلق إلى أسعار غير منطقية، بل تم التعامل مع هاتين القضيتين بنجاح وحكمة ومسئولية، لا يخفى على كل مطلع ومهتم بقطاع الطاقة. الزخم العالمي اللافت حول قضية تغير المناخ، والمحاولات الحثيثة لشيطنة أسواق النفط وتقويض صناعته، والاستثمارات الجديدة في أنشطة الاستكشاف والتنقيب عن حقول جديدة، والتطرف في التعامل مع قضية تغير المناخ، والتخبط في التعامل معها ليس حلاً، وشيطنة النفط وإلحاق الضرر بشرايين الطاقة العالمية ليس حلاً أيضا، الحل في تحمل الجميع المسئولية من منتجين ومستهلكين في رفع كفاءة استخراج واستهلاك مصادر الطاقة بأنواعها المختلفة، وتلبية حاجة العالم الآنية والمستقبلية المتزايدة على الطاقة.

الطاقة المتجددة بوابة العبور إلى المستقبل:

إن العالم ملتزم تماماً بمستقبل منخفض الكربون، وأن الانتقال إلى الاقتصاد الأخضر بات أمراً لا مفر منه. بعبارة أخرى، إن المناخ يرسل إشارات قوية إلى الأسواق المالية وأسواق الطاقة العالمية، مما يدفعها إلى تحول جذري بعيداً عن الاستثمار في الفحم والنفط والغاز كمصادر للطاقة الأولية، ويدفعها نحو الاستثمار في مصادر الطاقة منخفضة الكربون، مثل طاقة الرياح، والطاقة الشمسية.

بالرغم من أن العديد من الدول العربية تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز والنفط، فإن استمرار الاعتماد عليها لها ليس في مصلحتها نحو سعيها لتحقيق هدفها الرئيسي، والمتمثل حالياً في تنويع مصادر دخلها واقتصادها، لاسيما أن الصناعة الاستخراجية للغاز والنفط لا تولد العديد من الوظائف لأبنائها، ولا توطن الصناعات التحويلية باستثناء مصافي التكرير.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار التغيرات الأخيرة وتبعات الجائحة، فإن من متطلبات هذا التنويع الاستثمار في قطاعات مستقبلية كالطاقات المتجددة وتقنياتها بدلاً من الاستمرار في ضخ الأموال بأسواق المال والعقارات والسياحة، ويمكنها ذلك من توفير ملايين الوظائف والمساهمة بشكل فعال في تقليص نسبة البطالة التي تتضخم بصورة هائلة ومرعبة، والتي تصل في صفوف الشباب العرب إلى أكثر من ٢٠٪، كما أنها تنهي حالة القلق لتقلبات أسعار الغاز والنفط، والتي لم تشهد الاستقرار على مدى العقود الماضية.

إن الاستثمار في مجال مصادر الطاقة المتجددة أصبح حلاً ضرورياً وجذرياً على المدى الطويل أكثر جدوى من مثيله في الطاقات الأحفورية، وإذا كانت مثل هذه المصادر المتجددة مهمة حتى للدول النفطية الكبرى، فإنها أكثر أهمية للدول العربية غير النفطية التي تمتلك مقومات نجاح الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة على صعيد توافر الظروف المناخية والأيدي العاملة الماهرة في مجال الطاقة المتجددة، ومن هنا يمكننا الاستفادة والاستنارة من التجارب المصرية والأردنية والمغربية في مجال الاعتماد على الطاقة الشمسية، فقد نجح كل منهما في القيام بمشاريع طاقة شمسية ورياح رائدة تغطي أكثر من ٢٥٪ من استهلاك الطاقة الكهربائية في السوق المحلية، وتُعد نسبة كهذه من النسب الجيدة التي تم تحقيقها على المستوى العالمي.

ختاما، إن تقويض صناعة النفط والاستثمار فيه، تحت أي ذريعة كانت، سيؤدي في المستقبل القريب إلى شح في المعروض سيدفع بالأسعار إلى مستويات مرتفعة لن يتحملها المستهلكون، ولن يخفضها منظّرو حماية البيئة.

ولكن هذا لا يعني أبدا تجاهل البيئة، وما يتعلق بتبعات تغير المناخ، بل العمل بتوازن وفاعلية للتعاطي مع هذه المعادلة، مما يعزز أمن الطاقة العالمي ويحافظ على البيئة ومواردها. يجب أن نضع نصب أعيننا ثلاث ركائز مهمة ومحورية تدور حول مفهوم الطاقة: أمن الطاقة، والازدهار الاقتصادى ورفاهية سكان العالم بأسره، وتغير المناخ وأهميته، ويجب علينا الاهتمام بها في آن واحد دون التهاون في واحدة دون الأخرى.


رابط دائم: