لماذا نهاب استخدام العقل؟!
7-11-2021

جاكلين جرجس
* مدير المركز الثقافى القبطى بجمعية جامعة المحبة

لقد خلق الله الإنسان فى أروع صورة، ووهبه العقل والحكمة، ليفكر، ويبتكر، ويناقش، ويتدبر، ويبدع متفاعلاً مع البيئة المحيطة، فيستخدم ما فيها لخيره ويتقى أذاها، ومن هنا، فإن نعمة استخدام العقل ترتقى بالإنسانية، تنتقل بها من حالها التى هى عليه إلى آفاق أرحب وأوسع لمصلحة التقدم والتطور والحداثة.

كان الشرق الأوسط فى القرون الوسطى أكثر استخدما للعقل وإعمالاً لقدراته واستخداما للغة الفلسفة فى الخطاب الدينى، كما حدث فى القرن الثالث فى مكتبة الإسكندرية، عندما سمحت لمثل أكليمندس الإسكندرى وأوريجانوس أن يتفاعلوا مع الوحى والفلسفة وسخروا الفلسفة فى خدمة الخطاب الدينى.

ولا شك تبهرنا صفحات مشرقة من تاريخ العرب والمسلمين، الذين أبدعوا في مختلف العلوم التطبيقية والإنسانية والرياضيات والموسيقى والفلك والترجمة، فلقد شق العرب طريقهم نحو الحداثة والمدنية وكان لهم إنتاج علمى ومعرفى غزير وثرى تستسقى منه الأجيال المتعاقبة جيلاً بعد جيل؛ لكن تم إهداره خاصة فى غمرة انشغال الشرق بالصراعات المذهبية والطائفية والسياسية، فتم تشييع  العلم والبحث والفنون والثقافة إلى مثواها الأخير؛ بينما استيقظت أوروبا من سباتها فى القرن السادس عشر -عصر النهضة الأوروبية- إذ تحررت من قناعاتها ونمطيتها وكان ذلك بفضل تناغم العقل مع الإيمان فانتفضت أوروبا من سباتها وجمودها وتغيرت قناعاتها ونمطيتها.

أما الآن فبدلاً من الاستفادة من تلك الثروات الثقافية والعلمية واستخدام هبة الله لنا التى تميز الإنسان عن سائر المخلوقات، فقد تكاسلنا بإصرار غبى على عدم إعمال العقل، وتراجعنا  آلاف السنين بفعل توغل الفكر المتطرف المتحجر فى العقل الجمعى إلى أن أصبحنا  نتجه إلى عصور أهل الكهف والظلام بدلاً من المُضى قُدماً نحو مستقبل أكثر إشراقا وتنويرا نناقش الحجة بالحجة، وننتقد ونفيد ونستفيد، لنصل إلى الأفضل.

قال الفيلسوف جون لوك، الذي كان تأثيره بالغا في زعماء الثورة الأمريكية "إن العقل شمعة الله التي نصبها بنفسه في أذهان الرجال، وأن العقل يجب أن يكون آخر حَكَم ومُرْشد لنا في كل شيء. ويؤمن "لوك" بأن العقل يعلمنا وجوب توحد الناس وتكوينهم لدولة تحمي حياتهم وحرياتهم وممتلكاتهم، وأشار إلى أنه بالرغم من حتمية تخلِّي الناس عن بعض الحقوق عند تكوين الدولة، فإنهم يكسبون من الحماية أكثر مما يفقدون. ويؤمن "لوك" بأن في استطاعة أي شخص استخدام العقل، شريطة السماح لتلك القدرة بالتطور؛ ولذلك شدَّد على أهمية التعليم، وأصر على حق حرية التعبير، وعلى التسامح مع الأفكار المتنازعة".

ومن ثم، لماذا نهاب العقل ونخاف استخدامه؛ ألم يمنحه الله للإنسان لخيره ومصلحته؟

هل لنا أن نسأل الدعاة والوعاظ فى المساجد والكنائس؛ لماذا نخشى الإطلاع والتعامل مع فكر الفلسفة ومخرجاتها العلمية وإعمال العقل فى الخطاب الدينى؟.

   فجميع ألوان التعصب والسلفية والظلم والديكتاتورية وردود الفعل السطحية التى يعيشها الناس في مجتمعاتنا العربية المعاصرة على جميع مستوياتها إنما سببها هو مأزق العقل، ففى تجاهل إعمال العقل وقيمته تزداد النزعة الإيمانية المتطرفة .

مما لا شك فيه أن تصويب الخطاب الديني يواجه صعوبات جمة، إلا أنها ستصبح سبيلاً إلى تطهير الإيمان من النزعة المتطرفة بعادات وتقاليد، ليست من صميم الدين، وبالرغم أن عادات مواطن الشرق وقناعاتهم تختلف عن قناعات مثيله في الغرب إلا أنه يجب علينا أن نستفيد من تجارب الدول الغربية، لنسمح بأن يزدهر الخطاب الفلسفى اللاهوتى، وبالتبعية  يتحرر رجال الدين والمؤسسات الدينية من التدخل فى السياسة، وبالعودة لتصويب الخطاب الدينى والمطالبة باستخدام الفلسفة، نجد أنه لا ينبغى فصل الخطاب الفلسفى والاجتماعى عن الخطاب اللاهوتى، فكل خطاب يختص بالله، فهو يتعلق بالإنسان فى شتى نواحى حياته الاجتماعية.

وهذا الأمر أكده الرئيس السيسى فى كلمته خلال احتفالية وزارة الأوقاف بذكرى المولد النبوى الشريف، عندما أشار إلى "أن على المؤسسات الدينية مضاعفة الجهود لنشر قيم التسامح والعيش المشترك، مؤكدا أن قضية الوعى والفهم الصحيح للدين من أهم أولويات المرحلة مضيفا أن رسالة الإسلام التى تلقاها نبينا الكريم رفعت من قيمة العلم والمعرفة، إذ كانت أولى الآيات التى نزل بها الوحى الشريف هى "اقرأ"، إعلاءً لشأن العلم والعلماء وتقديرًا لأهمية التدبر، وصولًا للوعى والفهم الصحيح لكل أمور الحياة، إذ دعانا الله تعالى لإعمال نعمة العقل الغالية والفريدة فى البحث والتأمل فى ملكوت السماوات والأرض".

نحن فى حاجة ملحة إلى أن يتضافر العقل ويتناغم مع الإيمان، ويرتقى بالإنسانية فيفتح  لنا آفاقا شاسعة للتقدم الحقيقى لا المزيف، فالعالم العربى يعيش مرحلة مفصلية تحتاج إلى تضافر جهود المثقفين والعودة إلى مهمتهم الأصلية في إضاءة مصابيح العقل، وهنا ينبغى لنا أن نتبنى الحكمة اللاتينية التى تنادى بالاهتداء والتغيير والتجديد "الخطأ أمر إنساني أما الإصرار عليه فأمر شيطاني".


رابط دائم: