ماذا بعد الخروج الأمريكى من الشرق الأوسط؟
13-9-2021

إيمان زهران
* باحثة دكتوراه فى العلاقات الدولية والأمن الإقليمي

ثمة قفزات حيوية باتت تُشكل حالة من عدم الاستقرار بالقرار السياسي والتحرك الخارجى لقادة الولايات المتحدة الأمريكية خلال الفترات السابقة والممتدة حاليا، وذلك بالنظر لحالة التموج الأيديولوجى ما بين أفكار المحافظين الجدد في عهد الرئيس الثالث والأربعين جورج بوش الابن، إلى التقدمية الليبرالية مع الرئيس الرابع والأربعين باراك أوباما، ثم المحافظين القوميين في إدارة دونالد ترامب الرئيس الخامس والأربعين، حتى تصل إلى مشروع جديد لقيادة العالم  بالتزامن مع الذكرى العشرين لأحداث 11 سبتمبر، وذلك من خلال الخروج من مناطق التوتر والتكلفة في عهد الرئيس الحالي السادس والأربعين جو بايدن، وهو ما ظهرت تطبيقاته تباعا على حالة الخروج المتوالى من مناطق الإضطراب عبر تفاهمات سياسية، ذلك بالنظر بشكل خاص على الحالة العراقية والأفغانية، ليصبح التساؤل حول ما يمكن أن تئول له الأوضاع السياسية والأمنية بالشرق الأوسط، وأى من القوى التقليدية أو الصاعدة بالإقليم، أو تلك بالدوائر الدولية ستنجح فى ملء الفراغ الأمريكي بالشرق الأوسط؟ 

اختبار الديمقراطيين: 

انطلاقا من نظرية "القيادة من الخلف"، انتهج الديمقراطى "جو بايدن" ما كان يؤسس له الرئيس السابق "باراك أوباما" بتقليل التدخل العسكري في المنطقة، لعدم تكرار مأزق العراق وأفغانستان. فعلى سبيل المثال، رفضت إدارة أوباما التدخل عسكريا في الأزمة السورية، واكتفت بدور المراقب للقوى الدولية والإقليمية، وهو ما دفع "بايدن" لإعادة ذلك التصور فى ظل تنامى عدد من المحددات الدافعة لذلك المسار، إذ يوفر مشهد التهديدات المتغير في المنطقة فرصاً مماثلة، تدفع نحو ترحيل مسألة إبقاء مكافحة الإرهاب في مقدمة الأهداف الأمريكية كما كانت منذ هجمات 11 سبتمبر، مقابل أولويات أخرى بالمنطقة، ومنها على سبيل المثال طمأنة واشنطن للحلفاء بالإقليم، ودعم الديمقراطية، وتقليص درجة الانكشاف، وخفض التكاليف – جنبا إلى جنب - الهدف الرئيسي والمتمثل في تحرير الموارد اللازمة من أجل التحول الاستراتيجي للإدارة الأمريكية إلى منافس للقوى العظمى وفى مقدمتها روسيا والصين، وهو الاختبار الذى لا يزال فى طور التكييف استنادا إلى التحركات التالية: 

-اعتماد نمط "السياسات المرنة":

عبر المواءمة بين تحديات مكافحة الإرهاب ودعم الاقتصاد الامريكي لمواجهة تحدي صعود قوى دولية أخرى على المستوى الدولي، وذلك بالانسحاب من مناطق الارتكاز بالشرق الأوسط مع الاحتفاظ بنخبة من القوات الخاصة لدعم عمليات التدخل السريع والاعتماد على أنظمة المراقبة والسيطرة الجوية "طائرات بدون طيار" ودعم الحلفاء المحليين والإقليميين لموازنه تداعيات الإنسحاب، ودفع القوى الدولية الأخرى لتحمل مسئوليتها بالإقليم -  جنبا إلى جنب -  مع الاعتماد على سياسات مرنه ترتكز على جهود زيادة الخيارات غير العسكرية لواشنطن، مثل تعزيز الأداة الدبلوماسية، وإصلاح العلاقات مع الشركاء، وإعادة تأكيد التزام الولايات المتحدة بالمنظمات الدولية.  

الجدير بالذكر أن الوجود الأمريكي بنقاط الاضطراب بالشرق الأوسط، مثل العراق وأفغانستان، ساعد فى إنهاك الاقتصاد الأمريكي مقابل تعزيز التقدم الصيني على المستوى الاقتصادي على سبيل المثال، كون أن الأخيرة لا تخوض حروبا، بل تستثمر في البنية التحتية والشركات في معظم دول العالم، وهو ما يُشكل تهديد حقيقي للهيمنة الأمريكية على النظام الدولي وانتفاء مبدأ "الأحادية القطبية" مقابل تعزيز نمط "التعددية القطبية". 

- تقليص حجم "البصمة العسكرية": 

سبق أن أعلن وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن، في الرابع من فبراير الماضى، أن وزارته ستباشر بمراجعة وضع القوة العالمية للبصمة العسكرية الأمريكية ومواردها واستراتيجيتها ومهامها. إذ بالسابق، ركزت "الاستراتيجية الأمريكية للدفاع الوطني" لإدارة ترامب عام 2018 على التنافس مع الصين وروسيا كأولوية قصوى، وهو ما أعاد طرحه مرة أخرى في ظل التحركات الراهنة في الشرق الأوسط ورغبة إدارة بايدن في تحويل التركيز بعيداً عن المنطقة، مستغلا فى ذلك عددا من المؤشرات، أهمها: انحسار تنظيم الدولة "داعش" فى سوريا والعراق، وشرعنة التعاون الأمني ​​العربي-الإسرائيلي فى ظل ما عُرف بـ "الإتفاقات الإبراهيمية"، ورأب الصدع بين الأطراف العربية، ورغبة الرئيس بايدن في تخفيف التوترات مع إيران والعودة لمباحثات الاتفاق النووى، إذ جميعها مؤشرات تدفع الإدارة الأمريكية الحالية بإعادة النظر فى الموقف العسكرى الأمريكي في الشرق الأوسط.

الجدير بالذكر أن هناك العديد من الأطروحات المتعلقة بخفض البصمة العسكرية، أهمها: إعادة النظر باستبدال البحرية الأمريكية لعمليات "الانتشار المستمر لحاملات طائراتها" بعمليات انتشار أقصر وأقل توقعاً، وكذلك بحث إمكانية تحويل أصول "الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع" بعيداً عن الوجود الدائم في منطقة الشرق الأوسط. والإستعانه بالقوات الأمريكية المتمركزة في أوروبا بتوسيع النطاق الاستخباراتي، فضلا عن موازنه الخروج الأمريكي من المنطقة وخفض عمليات الانتشار الدائمة في الشرق الأوسط واستبدالها بتمارين قتالية متكررة ومتعددة الأطراف، وهو ما يلزم معه بناء برامج شراكة وإجراء استشارات وتدريب ومساعدة، خاصة مع الشركاء بالمنطقة "مثل العراق وشمال سوريا"، وبما يخدم مصالح متعددة، أهمها: ردع العدوان، وتعميق قابلية التشغيل البيني، وزيادة التعاون الإقليمي، وطمأنة الحكومات المحلية، وتعزيز قدرتها على حماية حدودها، وبالتالي تخفيف العبء الأمريكي وخرائط الانتشار العسكري.

- موازنة أجندات الداخل وتحركات الخارج: 

أحد أهم الاختبارات التى تخضع لها إدارة بايدن ما يتعلق بإنجاز تعهدات الانتخابات الأمريكية، والشعار الإنتخابى المتمثل فى "عودة أمريكا"، هو ما انعكس بالتحرك لموازنة عدد من النقاط، أهمها:

1.  محورية الانسحاب: بالرغم من حالة التوجس والتخوف التي أبداها العديد، سواء من معسكر الجمهوريين أو الديمقراطيين حول "تداعيات ما بعد الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط"، إلا أنه لم ينكر أحد أهمية الانسحاب، وكذلك أهمية هيكلة استراتيجية آمنة لخروج أكثر تنظيمًا وتعقلًا وأقل اندفاعًا، وهو ما يؤكد على أن هذه المسألة تحمل قدرًا من التوافق بين مختلف الاتجهات، بما يدعم أهمية وحيوية هذه القضية، وكذا ضرورة التعاطي معها.

2.  تردي الأوضاع الداخلية: تشهد الولايات المتحدة أوضاعًا داخلية شديدة التعقيد، لاسيما مع التفشي الواسع لجائحة كورونا، وما ارتبط بها من تداعيات سلبية على مختلف أوجة الاقتصاد الأمريكي، إذ فرضت على الإدارة الأمريكية أعباء إضافية، تستلزم معها إعادة تخصيص للموارد المتاحة، لاسيما تجاه القضايا الداخلية الأكثر إلحاحًا. إذ لم يعد من هناك "رفاهية الاختيار" بأن تستنزف الولايات المتحدة مواردها في الخارج، مع ترك قضايا الداخل بلا تعاطي عملي وحقيقي.

3.  إرضاء الشارع الأمريكي:إذ تُدرك إدارة "جو بايدن" أنه بالتزامن مع الذكرى الـ20 لأحداث11 سبتمبر، أصبح من الضرورى استيعاب حالة السخط بالداخل الأمريكي نحو إشكالية "الوجود الأمريكي فى الخارج" -  خاصة فى منطقة الشرق الأوسط -  وما صاحبه من ارتفاع التكلفة المالية والبشرية، وهو ما دفع الإدارة الديمقراطية للتعاطى مع قضية حيوية– مثل قضية الانسحاب الأمريكي – لاحتواء التداعيات المتداخلة والمركبة، والتي انعكست سلبا على حالة "الرضاء العام" بالشارع الأمريكي. 

4.  إنهاك الخصوم: أحدى أهم الدوافع الأمريكية من إعلان الإنسحاب العسكرى من الشرق الأوسط، ما يتعلق بـ "إنهاك الخصوم"، خاصة روسيا والصين، وذلك عبر دفعهما لتحمل تكلفة التداعيات السلبية المتوقعة من الانسحاب، لاسيما عقب الاحتمالات القائمة نحو تنامى موجات اللاجئين، واتساع نطاق التهديدات الإرهابية، وتزايد الاضطرابات السياسية. إلا أنه في المقابل، فالاعتماد على هذه الآلية يحمل قدرًا من المخاطرة انطلاقًا من أن قدرة هؤلاء الخصوم على التعاطي الفعال مع اضطرابات الشرق الأوسط عقب الانسحاب الأمريكي، يعني الإضرار بمصالح واشنطن وانحسار دورها بالإقليم لصالح فاعلين آخرين.

ديناميات ملء الفراغ:

يبدو أنه يُعاد إنتاج التاريخ مرة أخرى،  ففى عام 1968 عمدت الولايات المتحدة لـ "ملء الفراغ الإستراتيجي" بالشرق الأوسط عقب الخروج البريطانى كأحد مؤشرات انحسار الإمبراطورية البريطانية،  لتُعاد الدائرة مرة أخرى بالإعلان عن الخروج الأمريكي لتظهر إشكالية ديناميكية تتلخص فى "من سيئول له ملء الفراغ الأمريكي بالمنطقة؟"، وهو ما يدفعنا ببيان فرص القوى الإقليمية والدولية بالمنطقة بعمليات الإحلال والتبديل، حيث: 

1.  القوى الاقليمية:  الشرق الأوسط لا يبتعد عن تداعيات الإعلان الأمريكي الانسحاب من مناطق الإرتكاز بالمنطقة، خاصة العراق وأفغانستان، إذ إن المنطقة ما زالت تعاني التناقضات والقلق والخلخلة التي أعقبت أحداث ما يُسمى "الربيع العربي" في بدايات العقد الماضي، والتي حاولت بعض الدول الإقليمية غير العربية، الاستفادة منها، ساعد على ذلك عدم وجود تحالف إقليمي عربي قوي، بعيداً عن العلاقات الثنائية للدول المهمة في المنطقة.

في المقابل، عزز الإعلان الأمريكي تحركات "إعادة الحوار الإقليمي"، وهو ما انعكس على عدد من المشاهدات، أهمها ما تمثل فى الحوار الخليجي الإيرانى، ومحاولات التهدئة لمناطق الإضطراب في اليمن وليبيا وسوريا، وتفعيل أسس وتشبيكات "الاتفاقيات الإبراهيمية" عبر تقوية الشراكة الخليجية الاستراتيجية مع الجانب الإسرائيلى، فضلاً عن رأب الصدع العربي، ومحاولات التقارب النوعى وكسر العزلة فى الإقليم، وذلك بالإضافة لمحاولة العراق ومصر والأردن وسوريا ولبنان للتوصل إلى صيغ مؤسسية أولية للتعاون.

2.  القوى الدولية: ثمة توجهات نحو إعادة الحديث عن نمط "التعديدة القطبية"، خاصة فى ظل الإنتشار المتتالى لكل من روسيا والصين وعدد من الفواعل الأوروبية. لذا، فمن المرجح أن تسعى تلك الأطراف الدولية لمحاولات "ملء الفراغ الأمريكي"، خاصة حينما يتعلق الأمر بتوازنات أمنية/ سياسية، وأخرى اقتصادية/ تجارية، وذلك بالنظر إلى عدد من الدوافع، أبرزها:

- الدوافع الروسية فى الشرق الأوسط : 

ثمة نمط تفاعلى بدا واضحا فى التحركات الروسية قائم على التصور الذهنى نحو "إعادة التموضع" فى قمة "النسق الدولى"، وتعزيز ذلك الأمر باستعادة النفوذ الجيوسياسي فى منطقة الشرق الأوسط، جنبا إلى جنب، أجندتها التقليدية بالمنطقة، والمتمثلة فى تعزيز جهود مكافحة الإرهاب، والتعاون فى مجال الطاقة، والسيطرة على تجارة الأسلحة . 

بناء على ذلك، عززت طموحات بوتين "الأجندة الروسية" عقب تنامى تداعيات ما عُرف بـ "الربيع العربى"،  لتشتمل على دوافع ذات نمط تفاعلى، أبرزها: 

-   إدراج "المصالح الروسية " كقوة عظمى مكافئة فى هرم النسق الدولى، وإعادة إنتاج نمط "القطبية الثنائية".

-  الدوران حول جبهة الناتو الجنوبية خاصة فى منطقتي شرق وجنوب المتوسط (سوريا وليبيا).

تعزيز العلاقات الروسية مع القوى الصاعدة بالإقليم والفواعل التقليدية بالشرق الأوسط. 

الدوافع الصينية فى الشرق الأوسط: 

انطلاقا من الرؤية التى يتبناها الحزب الشيوعي بتطوير الصين لتصبح من دولة متقدمة متوسطة المستوى بحلول عام 2035م، وإلى قوة عظمى على مستوى الولايات المتحدة عام 2050، تأتى تحركات بكين نحو أحد أهم الأقاليم التى تحظى بثقل جيوسياسي فرعى بالنظام الدولى. إذ بالتزامن مع  الصعود الصيني، فقد حظي الشرق الأوسط بعلاقات اقتصادية وتكنولوجية وتنموية قوية مع الصين، حيث إن الشرق الأوسط يُعد بمثابة ركيزة جغرافية، وقيمة سوقية مهمة لمشروعات الربط الاقتصادي الصيني العملاقة على المستوى الدولي، مثل مبادرة "الحزام والطريق"، ومن ثم، فإن الصين أهم شريك تجاري لدول الشرق الأوسط، وذلك عبر خلق "نموذج اقتصادي صيني" بديلا عن "النموذج الغربي" في المنطقة، والترويج له عبر عمليات التنمية في البلدان المتعثرة ماليا، من خلال البنك الآسيوي للتنمية، الذي أصبح ينافس البنك وصندوق النقد الدوليين اللذين تهيمن عليهما الولايات المتحدة.

الجدير بالذكر، أنه فى عام 2016، أصدرت الصين "الكتاب الأبيض" لتفصيل سياساتها تجاه الشرق الأوسط، وفق صيغة تعاونية قائمة على ثلاثة جوانب؛ الأول: مجال الطاقة، والثاني: مجالا البنى التحتية وتسهيل التجارة والاستثمار، والثالث: المجالات التقنية المتقدِّمة كالطاقة النووية والفضاء والأقمار الصناعية. وهو ما انعكس بشكل كبير على تنامى حجم العقود الاستثمارية والاتفاقات الخاصة بإنشاء البُنى التحتية لمشاريع الطاقة المتجددة ومشاريع التكنولوجيا الحديثة، فضلًا عن عقد الصفقات التسليحية. إذ ساهم التلويح الأمريكي بانخفاض أهمية الشرق الأوسط والانسحاب من الإقليم، لتموضع الصين  كفاعل بديل عن الفاعل الأمريكي، وذلك انطلاقا من الورقة الاقتصادية والاستثمارية.

- الدوافع الأوروبية فى الشرق الأوسط:

إحدى أهم الإشكاليات التي تؤرق الكتلة الأوروبية تجاه منطقة الشرق الأوسط، إشكالية التنظيمات الإرهابية، وإشكالية تنامى موجات الهجرات واللاجئين غير الشرعيين. ومن ثم، تسعى الدول الأوروبية من خلال وجودها النوعى فى الشرق الأوسط، لتقديم مساهمات حيوية متعددة الأطراف للمساعدة فى معالجة الأزمات الإجتماعية والتوترات بين الجهات الفاعلة الإقليمية. إذ يُعد خفض التصعيد والإصلاح في الشرق الأوسط أمرا بالغ الأهمية لأوروبا، وذلك عبر إنتهاج عدد من السياسات تجاه دول الشرق الأوسط ، والتى يمكن تلخيصها فى خمسة محاور، تتمثل فى:

-   التعاون الثنائى فى عملية صنع القرار بين الكتلة الأوروبية والشرق الأوسط.

-   تصدير قواعد الحكم الأوروبية لدول الإقليم. 

-   تنمية أواصر العلاقات البينية مع الفاعلين من دون الدول.

-   بناء "مصفوفة برجماتية" قائمة على المصالح المتبادلة بين الكتلة الأوروبية ودول الشرق الأوسط. 

-   تعيين طبيعة المساحات المشتركة والأدوار المتباينة بين دول الكتلة الأوروبية والقوى التقليدية والصاعدة الأكثر نفوذاً بالإقليم.

تداعيات مُحتملة: 

ثمة عدد من التداعيات والانعكاسات المُحتمل أن تصاحب الانسحاب الأمريكي من مناطق الارتكاز الحيوى بالشرق الأوسط، يتمثل أهمها فى: 

-   تنامى التنافس الجيوسياسي بالمنطقة:  مع انسحاب القوات الأمريكية والغربية من أفغانستان والعراق، من المحتمل أن تنخرط، أو بالأحرى تتورط، العديد من القوى الإقليمية والدولية في منافسة جيو-استراتيجية للاستفادة من تلك الخطوة رغم محدوديتها قياساً بالدور الذي لعبته الولايات المتحدة منذ قرابة عقدين من الزمن. وذلك بالنظر إلى العديد من المحددات الجاذبة لذلك الأمر، بالنظر إلى حجم الموارد بالمنطقة وتنوعها، ومركزية الجغرافيا، ومحورية الممرات البحرية .. إلخ.

-   تزايد مخاطر التنظيمات الإرهابية ومعضلة الأمن بالإقليم: يُعزى بتلك النقطة الفراغ الأمنى الذى قد يتسبب فيه الانسحاب الأمريكي، بما يدفع نحو إعادة تشكيل أجيال موازية من التنظيمات الإرهابية والمتطرفة، وذلك بالتوازى مع ضعف الهياكل الأمنية بالدولة المضطربة سياسيا. فعلى سبيل المثال، قد يدفع الانسحاب الأمريكي من العراق نحو تشجيع تنظيم "داعش" على التمدد في العراق، ومحاولة تجنيد مزيد من الأنصار له، وذلك لموازنه تحدى ميليشيات الحشد الشعبي، وهو ما قد يعيد سيناريو 2014، عندما سيطرت "داعش" على أجزاء واسعة من شمال وشمال شرق البلاد – جنبا إلى جنب – مع التهديد الأمنى من تداعيات سيطرة جماعة طالبان على أفغانستان، ومآلات ذلك على إعادة تموضع تنظيم "داعش" نحو نقل مركزية القيادة عقب إنحسارة فى سوريا والعراق، وإعادة إنتاج النموذج العراقى فى أفغانستان، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على الخلفية والسياقات السياسية والأمنية لتفجيرات مطار كابول.

إعادة إنتاج أولوية ملف اللاجئين: إذ يبدو جليًا أن أزمة اللاجئين سوف تتصاعد حدتها خلال المرحلة القادمة، لاسيما في ظل غموض المشهد السياسي، واستمرار حالة الفوضى على المستوى الأمني بالإقليم بعد الخروج الأمريكي من الإقليم، خاصة العراق وأفغانستان والانسحاب النوعى من سوريا واليمن،  وهو ما يعيد النظر لدى الكتلة الأوروبية فى الاستعداد لتبعات ذلك القرار، وذلك بالتزامن مع اقتراب موعد عدد من الاستحقاقات السياسية، على غرار الانتخابات التي سوف تجري في ألمانيا وفرنسا، مما جعل الدولتين تتخذ إجراءات احترازية في التعامل مع ملف اللاجئين، تجنبًا لرد الفعل الشعبوى اليمينى المناهض للاجئين، والذى أعقب أزمة اللاجئين عام 2015. فعلى سبيل المثال، كانت ألمانيا- وفقا لبعض التقديرات- قد رحبت بأكثر من مليون لاجئ فى عامى 2015 و2016، على نحو فرض تحديًا أمام شركائها الأوروبيين، وكاد أن يؤدي إلى تقسيم أوروبا إلى أكثر من اتجاه، حيث امتنعت بعض الدول عن قبول الوافدين، كما أدى ذلك إلى تعرض المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لضغوط داخلية وخارجية كبيرة.

تقاربات بنيوية مُحتملة:  إذ من المُحتمل أن يعكس تقليص الوجود الأمريكي، الدفع بعمليات "إعادة التنظيم الإقليمية"، وذلك عبر تقييمات موازين القوى المتغيرة والمصالح المتقاربة بالمنطقة. فعلى سبيل المثال، أصبح هناك إدارك كامل من الكافة حول أهمية "الحوار الإقليمي" و"إدارة الصراعات الناشئة" لضمان استقرار الأمن القومى والإقليمي. وهو ما انعكس على مضمون "المباحثات غير المعلنه" فى شهر إبريل الماضى لمناقشة كيفية إنهاء الصراع فى اليمن، وكذلك ما يتعلق بتفاعلات ما بعد عودة العلاقات فى المحيط العربى، بالإضافة إلى تشبيكات القاهرة مع العراق ودول منطقة الشام، ورعايتها للعديد من الحوارات السياسية والأمنية بالمنطقة، إذ إن مثل تلك التحركات من شأنها إعادة ترتيب الأوراق السياسية إقليميا، وتوطئة الإقليم نحو التوصل إلى اتفاق من أجل بنية أمنية شاملة جديدة تردع إشكالية "حتمية الصراع" بالشرق الأوسط. 

 

 

 

 

 

 


 


رابط دائم: