صراع الأجنحة يسطر مرحلة انتقالية لإدارة جو بايدن
31-3-2021

إيهاب عمر
* باحث متخصص في العلاقات الدولية

بدأت الدوائر الإعلامية التابعة للحزب الجمهوري الأمريكي في إثارة قضية الحالة الصحية للرئيس الأمريكي جو بايدن، على ضوء إخفاقاته المستمرة في تذكر أسماء رجالات إدارته، وأخرها نسيانه اسم وزير الدفاع، بل وحتى اسم الوزارة مكتفياً بالقول "تلك الإدارة الوطنية"، ومن قبلها لقب نائبته كامالا هاريس بـ "الرئيسة هاريس" وليس نائبة الرئيس، وصولاً إلى المشهد غير المسبوق بتعثره ثلاث مرات متتالية فى أثناء صعوده سلم الطائرة ما أعاد للأذهان صور الرئيس الروسي المسن بوريس يلتسن في تسعينات القرن العشرين.

ويبدو أن خلف تلك اللقطات تقف شبكة مصالح أعقد من فكرة الحالة الصحية للرئيس الأمريكي، إذ إن تلك اللقطات كان يمكن اخفائها بسهولة، ولكن إخراجها والتركيز عليها قد أتي من داخل الإدارة الأمريكية نفسها، والتي تموج بصراع الأجنحة ومراكز القوي، من ضمنهم ذلك الجناح الذى وقف خلف تصريح جو بايدن فى أثناء الحملة الانتخابية بأنه سوف يترشح لولاية واحدة فحسب وأنه يعتبر نفسه رئيسا انتقاليا، هذا الجناح لا يسعى إلى ترسيخ صورة عدم قدرة بايدن على الترشح لولاية ثانية في نوفمبر 2024، ولكن يسعى للذهاب إلى فكرة تنحي بايدن لأسباب صحية وتفعيل مواد الدستور بتولي نائبته هاريس الرئاسة الأمريكية واستكمال ولايته مع قيامها بتسمية نائب لها يوافق عليه مجلسي الكونجرس دون ان تذهب هاريس إلى صناديق الاقتراع مرشحة للرئاسة، أو حتى ارسال مرشحها لمنصب نائب الرئيس إلى الاقتراع العام، وذلك بحسب الدستور الأمريكي.

رغم أن التنوع الأيديولوجي مفيد في السياسة، ولكن الحملة الانتخابية لبايدن قد جمعت كافة التيارات السياسية في أمريكا، سواء داخل او خارج الحزب الديمقراطي، ولاحقاً قسمت التعيينات داخل الحملة، ثم الإدارة الأمريكية الى "كوتة" بين تلك الأجنحة والأيديولوجيات، من أجل إرضاء الكتل الانتخابية والتصويتية، وكانت النتيجة صراع بين مراكز القوي والأيديولوجيات داخل الإدارة الأمريكية بشكل لم يحدث في تاريخ الولايات المتحدة.

وتنقسم أجنحة إدارة جو بايدن إلى عدة مستويات، ففي المستوى الأول هنالك صراع على فترة بقاء بايدن، ما بين جناح يسعى إلى ترشحه لولاية ثانية، وجناح ثان يسعى إلى استمراره حتى عام 2024 ثم دعمه مرشح الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية بالعام ذاته، وجناح ثالث يرى أن كل ما يجرى في أمريكا منذ تولي بايدن السلطة في 20 يناير 2021 هو مرحلة انتقالية لا يجب أن تتجاوز ستة أشهر أو عام على الأكثر قبل أن تتولي كامالا هاريس الرئاسة.

وفى مستوي ثان من صراع مراكز القوي، هنالك صراع أيديولوجي بين البراجماتية والليبرالية واليسار التقدمي، وداعمى حقوق السود واللاتينيين والمثليين والنسويات، الى جانب مجموعة ضيقة من المحافظين، في تحالف غير منسجم أيديولوجياً ما تسبب في صعود صراع الأجنحة.

ولكن المستوي الثالث من صراع مراكز القوي هو الأكثر وضوحاً في واشنطن، بين تيار من الواقعية السياسية، وتيار آخر مع الإخلاص لأجندة دوائر العولمة، تلك الدوائر الغربية التي دعمت صعود إدارة جو بايدن وعملت طوال أربع سنوات على عرقلة أجندة دونالد ترامب وإسقاطه في انتخابات الرئاسة نوفمبر 2020.

تيار الواقعية يرى أن سياسات ترامب لم تكن كلها خاطئة، فلا يمكن أن تستسلم الولايات المتحدة للغزو الاقتصادي والصناعي والتجاري القادم من الصين، والذى التهم قدرة أمريكا الإنتاجية وهيمنتها على التجارة العالمي، كما أن معاداة المملكة العربية السعودية تعني خسارة حليف مهم في ملف اليمن من أجل التوازن أمام المحور الإيراني، وأيضاً فإن محاولات رفع التوتر مع مصر لن يفيد المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط بعد أن تحولت القاهرة عقب ثورة 30 يونيو 2013، ووفقا للتجربة الإصلاحية للرئيس عبدالفتاح السيسي، إلى قطب دولي وليس إقليميا فحسب في الشرق الأوسط ودائرة المتوسط.

هذا التيار بدأ يكسب مساحات كبيرة في الإدارة الأمريكية، بعد أن توقع المراقبون تحسنا فوريا في العلاقات الأمريكية - الصينية عقب رحيل ترامب ولكنه لم يحدث، وتالياً توقع المراقبون أزمة كبري في العلاقات الأمريكية - السعودية عقب افراج المخابرات الوطنية الأمريكية عن تقريرها حول مصرع صحفي سعودي بالسفارة السعودية في تركيا، ولكن العلاقات بين واشنطن والرياض تجاوزت هذه المحطة بسرعة لافتة، ثم كانت المفاجأة حينما أعلن بايدن في ظهور نادر أنه لا مكان في الولايات المتحدة الآن للمهاجرين او اللاجئين من "أمريكا الوسطى".

ويعتبر هذا التصريح ذروة التمرد داخل الإدارة الأمريكية على اجندة شبكات المصالح الغربية التي صنعت انتصار بايدن، والداعية لتنفيذ رؤية الإدارة السابقة برئاسة باراك أوباما المنسجمة مع اجندة العولمة، اذ كان المطلوب من بايدن فتح الحدود الجنوبية الأمريكية لمهاجرى أمريكا الوسطي والجنوبية، ذو الثقافة اللاتينية والدين المسيحي الكاثوليكي، من اجل تغيير ديموجرافية الجنوب الأمريكي المحافظ الذي يموج بالسكان ذى البشرة البيضاء ذوى الأصول الأوروبية، والديانة المسيحية البروتستانتية، والكتلة الأكبر تصويتاً للحزب الجمهوري، والتيار الترامبي، واليمين القومي، والمحافظين الجدد خلال العقود الثلاثة الأخيرة.

واذا كان تيار الواقعية قد فرض رأيه فيما يتعلق بالعلاقات مع الصين ومصر والسعودية، ولجم الفوضى على الحدود الجنوبية، وصولاً الى محاولات فرملة الوفاق بين أمريكا وإيران، فإن التيار الذى سعي لفرض مبادئ إدارة أوباما قد نجح هو الآخر في فرض التوتر على العلاقات الأمريكية - الروسية، وبدء إجراءات تجنيس تسعة ملايين لاجئ في أمريكا من المتوقع أن يصوتوا للحزب الديمقراطي في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، والعودة إلى تفعيل قضايا حقوق الانسان والديمقراطية كإحدي أدوات تنفيذ الأجندة الأمريكية، إلى جانب التشدد مع تركيا في الملفات الإقليمية والتشدد مع اثيوبيا إزاء ملفات حقوق الإنسان في إقليم تيجراي.

وكانت النتيجة أنه بدلاً من استبدال اجندة ترامب بأجندة أوباما، فإن صراع مراكز القوي صنع حالة من التضارب كما لو كانت رؤية ترامب تتصارع مع رؤية أوباما داخل إدارة بايدن، وبدلاً من استبدال التوتر مع الصين في زمن ترامب، بالعودة الى التوتر مع روسيا كما كان في زمن أوباما، فإن زمن بايدن يشهد توترا أمريكيا عنيفا مع كليهما، روسيا والصين، وفى الشرق الأوسط مع تركيا وإيران في نفس الوقت، وفى أوروبا كان يفترض تفكيك علاقات ترامب القوية مع بريطانيا ما بعد بريكست مقابل تحسين العلاقات مع حكومة ميركل الداعمة للعولمة، ولكن التضارب استمر في توتر العلاقات مع بريطانيا كما طلبت دوائر العولمة وفى نفس الوقت توترت العلاقات بين أمريكا وألمانيا على ضوء رفض واشنطن العلني للتنسيق القائم بين المانيا وروسيا في ملف نقل الغاز الروسي للقارة الأوروبية!

ومع حقيقة أن عمر الإدارة الأمريكية لم يتجاوز 70 يوماً فحسب، فإن كافة تلك السياسات والصراعات هي وقتية فحسب، وإن الإدارة الأمريكية في مرحلة انتقالية تدرس خلالها كافة الملفات من أجل الوصول إلى تصور نهائي لقضايا الخارج والداخل الأمريكي.

ولكن التضارب الذي جري يوضح حقيقة أن ترامب صنع معادلة في السياسة الداخلية والخارجية في أمريكا يصعب تجاوزها، بلغت مرحلة اللاعودة، غير ترامب المعادلة وأصبح من المستحيل محو الترامبية من السياسة الأمريكية.

ومع توقع استمرار صراع الأجنحة داخل إدارة بايدن، يبقى السؤال الحقيقي حول مصير بايدن عقب انتهاء المرحلة الانتقالية التي تقوم فيها تلك الإدارة برسم السياسات، هل يصبح بايدن هو أول رئيس انتقالي في تاريخ أمريكا ويتنحى مع انتهاء المرحلة الانتقالية بدعوي الحالة الصحية، أم يكمل ولايته وينتصر الجناح الداعي لاستمراره حتى عام 2024؟ هذا هو سؤال الساعة الذى يدور في كواليس نخبة واشنطن عقب شهرين من تنصيب الإدارة الأمريكية.

 


رابط دائم: