صراع نفوذ تركي-إيراني على أرض العراق
11-3-2021

د. سليم الدليمي
* كاتب وباحث عراقي

تشهد العلاقات التركية-الإيرانية حالة من التوتر والتصعيد الدبلوماسي المتبادل إثر جملة من التصريحات التي اطلقها وزراء ودبلوماسيون أتراك وإيرانيون، ضمن سياق التنافس بين البلدين على العراق، والمتزامن مع إصدار الميليشيات العراقية المدعومة من إيران بيانات تهدد تركيا لردع عملية تركية محتملة في قضاء سنجار، شمال العراق للقضاء على جيوب حزب العمال الكردستاني، والمعروف اختصارًا بحزب بي كا كا((PKK. فقد وصل التراشق الدبلوماسي إلى حد استدعاء تركيا وإيران سفيريّ البلدين لدى أنقرة وطهران في 28 فبراير2021. وجاءت السجالات بعد وقت قصير من قيام حزب الـ((PKKبإعدام (13) مواطناً تركياً في شمال العراق بعد اختطافهم. ودفعت التحركات التركية، السفير الإيراني في بغداد، إيرج مسجدي، لانتقاد العمليات التركية في العراق، متسائلاً في مقابلة تلفزيونية، عن علاقة سنجار بتركيا؟، مضيفًا أن إيران "تعارض العدوان أو التهديدات من جانب تركيا" ضد العراق، "ولا تقبل إطلاقًا بأن تتدخل تركيا أو أي دولة أخرى في العراق عسكريًا أو أن تتقدّم وتحظى بوجود عسكري فيه". وقد ردّ سفير تركيا في بغداد، فاتح يلدز، بتغريدة على تويتر، قائًلا إن السفير الإيراني "آخر شخص يحق له إعطاء تركيا دروسًا بشأن احترام حدود العراق".

وبناء على ذلك، تم استدعاء السفير الإيراني في تركيا، محمد فرازمند، إلى وزارة الخارجية التركية وجرى إبلاغه أن تركيا تتوقع أن تكون إيران إلى جانبها في "مكافحة الإرهاب". كما تم استدعاء سفير تركيا في طهران، دريا اورس، في نفس اليوم إلى وزارة الخارجية الإيرانية بسبب تصريحات أدلى بها وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، بشأن وجود عناصر حزب العمال الكردستاني في إيران. قال فيها، إن هناك (525) إرهابيًا. وأبلغ "أن هذا التصريح غير مقبول".

أولاً- سنجار محور للخلاف:

لم تكن مدينة سنجار العراقية إلا سببًا آخر لظهور المنافسة بين أنقرة وطهران للاستحواذ على النقاط الاستراتيجية في هذا البلد الذي تتداعي عليه الأزمات منذ الغزو الأمريكي له في عام 2003.

وإذا كان الموقف على الأرض يظهر مؤشرات تمدد الميلشيات العراقية التابعة لإيران وأجهزة استخبارات النظام الإيراني، فإنه يظهر في المقابل تحرّكات عسكرية تركية لا تكاد تنتهي، وتحشيدًا حول سنجار نفسها بحجة ملاحقة عناصر حزب (PKK). وبسبب هذا التداخل وتبلور كفّتي الصراع اندلع الخلاف دبلوماسيًا بين الطرفين، بينما جذوره الأمنية والعسكرية ماثلة على الأرض. ونفّذت تركيا عدة ضربات جوية استهدفت قواعد تابعة لحزب العمال الكردستاني في شمال العراق بما في ذلك في قنديل وسنجار. بينما حذّر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان من أن بلاده على استعداد للتحرك عسكريًا للتخلص من "الإرهابيين" في المنطقة.

ومع ذلك، فقد زادّت مجموعات حزب العمال منذ ذلك الحين من تعاونها مع ميليشيات الحشد الشعبي المدعومة من إيران. وعارضت بعض هذه الجماعات بقوة أي عملية تقوم بها تركيا في سنجار، وتدفق الآلاف من عناصر الميليشيات على المدينة مؤخرًا، مما يقوض إتفاق أربيل مع حكومة بغداد.

ويقع قضاء سنجار الذي تسكنه غالبية أيزيدية، بالإضافة الى عرب وأقليات بينها تركمان، على بعد (80) كيلومترا شمال محافظة نينوى. ويشكل هذا القضاء مثلثًا يجمع العراق بتركيا شمالاً وسوريا غربًا مما يجعله منطقة استراتيجية مهمة.وكانت سنجار قبل عام 2014 منطقة تتنازع عليها الحكومة المركزية وإقليم كردستان، قبل أن تسقط في قبضة تنظيم “داعش”.

ورغم طرد “داعش” على يد قوات كردية بدعم من التحالف الدولي في 2015، ما زالت المدينة تعيش عدم استقرار.حيث انتشرت في المناطق المحيطة بالقضاء فصائل من قوات الحشد الشعبي، مما أدى لعرقلة عودة النازحين الى سنجار، حيث أن هناك غيابا كبيرا للحكومة الاتحادية ومنظمات الإغاثة الدولية.واتفقت حكومة بغداد مع حكومة إقليم كردستان في أكتوبر 2020 على إدارة مشتركة في سنجار تستند الى وجود قوات من الحكومة الاتحادية فقط وإخراج كل الفصائل المسلحة وبينها قوات حزب العمال.وتعتبر حكومة إقليم كردستان مدينة سنجار جزءًا من مناطق الحكم الذاتي الخاضعة لسيطرتها، لذلك لا تنظر بارتياح إلى وجود حزب ((PKKفيها.

ويتخذ هذا الحزب معاقل له في شمال العراق، مما يثير غضب أنقرة التي تعتبره منظمة إرهابية، داعمة لحركة التمرد التي يخوضها الحزب منذ عقود داخل تركيا، مما دفع أنقرة لعبور الحدود ومهاجمة معاقله هناك مرارًا.كما هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبل أيام قائلاً "بخصوص إخراج الإرهابيين من سنجار: لدي وعد دائم يمكننا أن نأتي فجأة ذات ليلة"، وأضاف "نحن مستعدون دائما للقيام بعمليات مشتركة، لكن هذه العمليات لا تتم بالكشف عنها". وتمكن حزب العمال من تأسيس موطئ قدم لها في سنجار منتصف عام 2014، بحجة أنه كان يحمي المجتمع الإيزيدي المحلي من “داعش”. منذ ذلك الحين، أسس هذا الحزب قاعدة جديدة في المنطقة لأنشطته اللوجستية وأنشطة القيادة والسيطرة، إلى جانب مقره الرئيسي في جبال قنديل في شمال العراق، مستفيدًا من الانقسامات الداخلية في العراق.

ثانيًا- تمسك الحشد الشعبي بسنجار:

 

وتعطي هذه التهديدات ذريعة لفصائل الحشد الشعبي المدعومة إيرانيًا للتمسك بالبقاء في سنجار.ونقل بيان لحركة عصائب أهل الحق، وهي فصيل في الحشد، استعداد الحركة للتصدي لأي سلوك عدواني من جانب تركيا، ذلك لأن الفصائل الشيعية تعتبر سنجار محطة مهمة للوصول الى سوريا، حيث توجد فصائل أخرى شيعية موالية لإيران تقاتل إلى جانب نظام الرئيس بشار الأسد. ونشرت وحدات الحشد الشعبي ثلاثة ألوية في سنجار. وأوضح قادة هذه القوات أن نشر القوات كان يهدف إلى مواجهة "التهديد" التركي في المنطقة.ويأتي نشر الحشد الشعبي ألوية في سنجار لجعل المنطقة تبدو أكثر سيطرة من جانب العراق عليها. في الوقت نفسه، من المفترض أن يؤدي ذلك إلى إضعاف أي دور يمكن أن تدعي تركيا أن حزب العمال قد لعبه وسيوقف عملية تركية كبرى في سنجار، أو محاولة وضع قاعدة تركية هناك.

تستشهد تركيا بوجود حزب العمال الكردستاني في سنجار باعتباره سببًا لقلقها، لكن حساباتها تذهب إلى أبعد من ذلك في الموصل. وبالنسبة للكثيرين في تركيا، يُترجم الرابط بين وحدات الحشد الشعبي ووحدات مقاومة سنجار إلى رابط بين إيران وحزب العمال. وبالمثل، فإنه يغذي القلق في أربيل من قبول بغداد وطهران لوجود حزب الـ((PKKفي سنجار لمنع عودة قوات البشمركة إلى المناطق المتنازع عليها.

 من جانبها، تسلط إيران الضوء على الحاجة إلى منع إحياء تنظيم “داعش”، لكنها أيضًا لديها حسابات أوسع.وقد اكتسبت إيران نفوذًا كبيرًا في الموصل من خلال حلفائها من وحدات الحشد الشعبي، الذين بقوا في المدينة بعد تحريرها. تعاونت قوات الحشد الشعبي، التي تضم مجموعات مسيحية محلية، مع وحدات مقاومة شنكال ((YBS، وهي ميليشيا أيزيدية أنشأها حزب العمال الكردستاني للدفاع عن سنجار. ويقدر التركمان الشيعة والأيزيديين والأقليات الأخرى في المنطقة دور الحشد الشعبي. وهذا الموقف يمنح إيران مجالًا لزيادة نفوذها، مع متابعة المشاريع الاقتصادية أيضًا.

من وجهة نظر إيران أيضًا، تزيد خطوط الدعم المحلية من قيمة طريق الموصل- سنجار إلى الحدود العراقية السورية. حيث معبر ربيعة الحدودي إلى الشمال من سنجار، بالإضافة إلى معبر قريب غير رسمي اعتاد تنظيم “داعش” استخدامه للعبور إلى سوريا، وهما يخضعان الآن لسيطرة مشتركة من قبل وحدات الحشد الشعبي والجيش العراقي. وعلى الجانب السوري، تخضع المنطقتان لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة والتي يقودها الأكراد، مما يعني أن إيران ليس لها سيطرة كاملة على الحدود في الوقت الحالي. ويعد معبر القائم في الأنبار(جنوبًا) حاليًا نقطة دخول إيران إلى سوريا، على الرغم من سيطرة الجماعات المرتبطة بإيران على المنطقة، إلا أن المعبر لا يعتبر ملائمًا بما يكفي، لأنه منفتح على المناطق السنيّة على جانبي الحدود.

وذكرت معلومات تركية أنه في الوقت الذي تجري فيه النقاشات بشأن عملية تركية محتملة في سنجار العراقية، يقوم حزب العمال بتوسيع تحالفاته مع إيران والمجموعات الموالية لها في العراق. وأن هذا الحزب يعمق من تحالفاته مع القوات المحلية لضمان مواقعه في سنجار ومخمور العراقيتين، وأبرم اتفاقيات جديدة مع الحشد الشعبي، وقد عقد لأجل ذلك اجتماع بين ضباط من الحرس الثوري الإيراني وبين "وحدات مقاومة سنجار" ذراع حزب العمال، وميليشيا النجباء التابعة للحشد الشعبي في سنجار خلال الأيام الماضية، وأن المجتمعين اتفقوا على منح حزب العمال المزيد من الأسلحة، ومنها صواريخ من عيار(107) ملم والذخيرة العسكرية اللازمة، وإبقاء الطريق بين الحسكة السورية وسنجار العراقية مفتوحة أمامه، وزيادة قواته في سنجار. وهذا يشير إلى أن حزب العمال يحاول التعمق في المنطقة بدلاً من الانسحاب، وشقّ طريقه باستخدام إيران ووكلائها، وأن القرار اتخذ لتمهيد الطريق أمام حزب (PKK) لاستخدامه المعابر للتنقل العسكري والمدني بين محافظتي سنجار والحسكة السورية، وسيكون أمن الطريق تحت سيطرة (PKK) والحشد الشعبي.

ثالثًا- أوجه أخرى للتنافس:

 

يريد الجيش التركي مواصلة عملياته في شمال العراق وتمركزه في سنجار، وهو ما ترفضه إيران. وكانت تركيا قد رسخت نفسها بالفعل في العراق في التسعينيات، مدعيةً محاربة حزب ((PKK. وزادت قواعدها في شمال العراق، ومعظمها بؤر استيطانية صغيرة على الجبال، وأقامت قاعدة مهمة لها في بعشيقة بالموصل للمساعدة في تدريب المقاتلين العرب السنّة في عام 2015، ولدعم البشمركة الكردية، الذين كانوا يقاتلون “داعش”.

   كما تقاتل تركيا أيضًا الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني -وحدات حماية الشعب- المدعومة من الولايات المتحدة في سوريا، وأن هناك تصميمًا مماثلًا لقتال حزب العمال في العراق، ويمكن للعلاقات أن تتوتر أكثر إذا لم تدعم إيران حرب تركيا ضد حزب العمال. وإذا غيرت إيران سياساتها وعمدت أن تكون حامية لحزب (PKK) في العراق -وهذا مانشهده اليوم- أسوةً بمافعلته الولايات المتحدة في سوريا، فستكون هناك مخاطر استراتيجية كبيرة تهدد العلاقات بين الدولتين. والمعروف أن حزب العدالة والتنمية سعى بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق في عام 2003 إلى توسيع النفوذ التركي في العراق وكبح نفوذ إيران من خلال تعزيز العلاقات التجارية مع كردستان العراق، وتنمية الروابط مع التركمان عبر الجبهة التركمانية العراقية ومع العرب السنّة.

رابعًا- الموقف الشعبي والرسمي:

حاولت مجموعات مرتبطة بالحشد الشعبي العراقي التظاهر أمام السفارة التركية وسط بغداد، احتجاجًا على التدخل التركي في شئون العراق، ولكن قوات الأمن العراقية منعتهم من الوصول إلى مقر السفارة. كما حاول رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، نزع فتيل التوتر، عبر اتصالات مستمرة بين بغداد وأنقرة لمنع أي توغل تركي في العراق.

وكتب رئيس البرلمان العراقي، محمد الحلبوسي، على حسابه في تويتر "ممثلو البعثات الدبلوماسية في العراق واجبهم تمثيل بلدانهم وتعزيز التعاون بين البلدين، فعلى بعض ممثلي تلك البعثات أن يعي جيدا واجباته، ولا يتدخل في ما لا يعنيه، ويحترم سيادة العراق لكي يعامل بالمثل."

فيما قال الرئيس العراقي، برهم صالح، "إن مصلحة بلاده وجيرانها تكمن في عدم تحويل العراق إلى منطقة نفوذ لبعض دول الجوار، وأضاف أن التدخل الأجنبي في العراق سيخلق المزيد من المشاكل لشعبه ولجيرانه.

كذلك، أدان مسرور بارزاني رئيس حكومة إقليم كردستان، قائلاً: إن PKK)) ضايق الأكراد العراقيين في قرى داخل إقليم كردستان. وخلق مبررات للهجمات التركية داخل العراق، متهمًا الحزب"بالاستفادة من حسن نية سلطات حكومة إقليم كردستان".

ختامًا، يمكن القول إن سعي تركيا لشن حملة عسكرية لطرد المسلحين الأكراد من منطقة سنجار، أدى إلى تغذية التنافس التركي-الإيراني مجددًا على النفوذ في الموصل التي كانت يومًا تابعة للتاج العثماني، وتضم إضافة للموصل (محافظات كركوك وأربيل ودهوك والسليمانية)، والتي يعتبرها كثير من الأتراك إرثًا عثمانيًا مفقودًا. وبالنسبة للكثيرين في تركيا، وخاصة أولئك الذين ينتمون إلى اليمين من الطيف السياسي، تظل الموصل "وطنًا ضائعًا" انزلق من يد تركيا مع انهيار الإمبراطورية العثمانية. واستخدمت حكومات مختلفة هذه القضية لإضفاء الإثارة على سياساتها الإقليمية على مر السنين.


رابط دائم: