بين جذور الصراع ومستقبل السلام (أبريل 2008)
22-8-2011

د. بطرس بطرس غالي
* الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة وزير الدولة للشئون الخارجية الأسبق

من أرشيف السياسة الدولية العدد 172 أبريل 2008

فى آخر لقاء لى مع إسحاق رابين ـ فى عشاء فى مقر سكن السفير الإسرائيلى فى نيويورك فى 12 نوفمبر 1993 ـ طُلب منى أن ألقى كلمة، وقد قلت فيها: "إننى أتذكر الكلمات الأولى من كتاب توماس مان (يوسف وإخوته)، والتى  يقول فيها" عميقة بئر الزمان هذه إنها عميقة بالفعل آبار التاريخ فى الشرق الأوسط فى بداية القرن العشرين، جاء ثيودور هيرتزل إلى القاهرة للتفاوض مع جدى ـ الذى كان فى هذا الوقت وزيرا للخارجية ـ من أجل بناء مستوطنة  يهودية فى سيناء.

بعد ثلاثين عاما، وفى الوقت الذى انضمت فيه مصر إلى عصبة الأمم، اقترح عمى، وكان أيضا وزيرا للخارجية، إقامة حوار بين اليهود والمسلمين والمسيحيين، حتى يسود السلام أرض فلسطين التى كانت تحت الانتداب البريطانى  بعد أربعين عاما، رافقت الرئيس السادات فى رحلته التاريخية للقدس أتمنى ألا تأتى أجيال أخرى تضيف إلى آبار الزمن قبل إقامة سلام حقيقى فى فلسطين.

لكن الإخفاقات المتلاحقة فى العثور على حل للمشكلة الفلسطينية،  والمعاناة المستمرة للفلسطينيين، أدتا، بدلا من تقوية مسيرة السلام، إلى تصاعد حدة العداء الشديد والكراهية لإسرائيل فى المنطقة هذه الكراهية هى نتيجة شعور قوى بالمهانة والإذلال يعانى منه العرب الذين يشعرون بأنهم غير  قادرين على الإطلاق على مساعدة أشقائهم الفلسطينيين فمهما تكن الخلافات الداخلية التى تمزق العالم العربى، فإن هناك شعورا داخليا حقيقيا بالإخاء بين شعوبه إن العداء العربى لإسرائيل ليس نتيجة للدعاية أو حشو الأدمغة، بل  هو مسألة تشعر بها كل الشعوب العربية فى أعماقها وعلى جميع مستوياتها وقد ساهم هذا التركيز المستمر على غرس إسرائيل فى قلب العالم العربى فى تكريس التأخر والتخلف الذى يعانى منه العرب وبالنسبة لمصر، ومنذ أول  حرب بين العرب وإسرائيل وحتى زيارة السادات للقدس، فقد ركزت كل طاقاتها على محاربة إسرائيل، على حساب مشاكلها الداخلية، واهتمامها بقضاياها الملحة المتعلقة بعلاقاتها مع السودان وتأمين منابع نهر النيل ورغم  التراجع التدريجى لاستخدام شعارات العداء لإسرائيل فى الخطاب السياسى العربى بعد مبادرة السادات، إلا أنها عادت بقوة من جديد، حيث استغلها الأصوليون لما لها من قدرة رهيبة على تعبئة المواطنين ولهذا السبب، نرى  إيران، التى ليست لديها مشاكل أو حتى حدود مع إسرائيل، تعبر باستمرار عن عدائها لإسرائيل، واعتبارها الشيطان وسرطان العالم الإسلامى.

ولكى نفهم لماذا سيطرت القضية الفلسطينية على مخيلة العرب لكل هذه العقود، فيجب  أن نضع تاريخ الصراع العربى ـ الإسرائيلى فى الإطار الأوسع لعملية الاستقلال من الاستعمار ففى الوقت الذى تصور فيه العرب أن عصر الاستعمار على وشك الانتهاء، وأن عملية الجلاء قد بدأت بالفعل، بحصول الهند على  استقلالها ـ على سبيل المثال ـ وُوجه العرب بنية مستوطنين من الغرب إقامة دولة يهودية ـ غربية فى فلسطين، التى هى بالنسبة لهم أرض عربية بدون أى مناقشة.

ووجدت فلسطين، التى أرادت أن تتحرر مثل الدول العربية المحتلة  الأخرى، نفسها وقد فقدت أكثر من نصف أرضها، مما اعتبره العرب ظلما لا يحتمل، وعودة للواقع الاستعمارى، ومملكة الصليبيين، ولكن هذه المرة فى شكل حلف يهودى مسيحى.

لقد اعتبر العرب إسرائيل منذ البداية قوة  استعمارية غربية زرعت فى قلب العالم العربى، وتخوفوا من أن الصلات القوية التى تربط هذه الدولة الجديدة بالغرب ستؤدى إلى إبقائهم تحت الوصاية الدائمة وعلى مر السنين، اقتنع العرب برغبة إسرائيل فى التوسع إلى حد أن  تأكد لديهم إقناع، بل هاجس، بأن الدولة اليهودية تنوى تأسيس نفسها من النيل إلى الفرات وقد تغذى هذا الهاجس على عدد من الوقائع فبينما نص القرار رقم 181 للجمعية العامة للأمم المتحدة على تقسيم فلسطين إلى دولتين، على  أن تقام الدولة العربية على 45% من هذه الأراضى، وجدت هذه الدولة نفسها تتقلص، حسب القرار رقم 242، الذى صدر بعد حرب الأيام الستة، لتضم قطاع غزة والضفة الغربية فقط، أى 22% من الأراضى وتأكد لدى العرب  رغبة الدولة اليهودية فى التوسع أيضا نتيجة لضم القدس الشرقية، وإعلان ضم الجولان، ومساندتها لإقامة ـ دولة جنوب لبنان الحرة ـ التى دعيت لأن تكون تابعة لإسرائيل بالإضافة إلى رغبتها فى اقتسام سيناء عند خط العريش ـ  رأس محمد ـ من أجل ضم نصف تلك الصحراء إليها، وإعادة نصفها الغربى فقط إلى مصر.

كما ساهم تاريخ منطقة الشرق الأوسط ككل فى إثارة مخاوف العرب، سواء كان ذلك فى محاولات ـ بلقنة ـ العالم العربى تحت إشراف  بريطانيا وفرنسا فى القرن التاسع عشر، أو العدوان الثلاثى: البريطانى ـ الفرنسى ـ الإسرائيلى فى حرب السويس عام 1956 أو مساندة القوة العظمى، الولايات المتحدة، لإسرائيل بلا شروط خلال كل السنوات الماضية لقد أظهر  كل ذلك إسرائيل وكأنها بفضل الشتات اليهودى، تملك القدرة على ضمان مساندة المجتمع الدولى.

لقد شعر العرب بأن عليهم مساعدة الفلسطينيين، وتوفير الدعم الدبلوماسى والمالى لهم، منذ أن بدأوا فى الترتيب لإنشاء جامعة الدول  العربية، التى كان كل أعضائها يسعون إلى التحرر من الاستعمار، وظلوا يدعمون القضية الفلسطينية طوال هذه العقود، ورغم كل المصاعب، لأن هذه القضية كانت فى نظر العالم العربى الفصل الأخير من مسلسل حروب التحرير. 

لقد ظهر اهتمام العرب بالقضية الفلسطينية فى تخصيص فقرة أساسية من بنود ميثاق جامعة الدول العربية لتقرير أن المساس بحقوق العرب الفلسطينيين يضر بالسلم والاستقرار فى العالم العربى كله وبينما أعرب العرب عن  تألمهم لما أصاب اليهود فى أوروبا، فلم يروا أنفسهم طرفا فى هذه المشكلة، ورأوا من الظلم أن تحل عن طريق ظلم آخر يقع على عرب فلسطين وبينما أثيرت مشاكل عملية وقانونية أمام ضم فلسطين، كعضو فى الجامعة العربية،  تم الاتفاق فى ملحق خاص على أنه بالرغم من أن فلسطين لم تجسد فى شكل دولة لأسباب خارجة عن الإرادة، فإن ذلك لا يعد سببا يحول دون اشتراكها فى أعمال مجلس الجامعة، الذى أُعطى الحق فى اختيار ممثل لفلسطين وبعد  ذلك الوقت، تعامل العالم العربى مع الفلسطينيين بوصفهم مواطنين لدولة فلسطينية يستعمرها الصهاينة وبينما تزايد عدد اللاجئين الفلسطينيين فى الدول العربية، فقد اتفقت الأخيرة ـ عدا الأردن ـ على عدم إعطائهم جنسياتها تحديدا  من أجل احترام وحماية حقهم فى أن تكون لهم دولة شرعية وقد رفض غالبية اللاجئين الحصول على جنسية عربية أخرى، لأن ذلك كان يعنى تخليهم عن حق العودة ومقامرتهم بمستقبل الدولة الفلسطينية.

وهنا، يثور السؤال عن  سبب رفض العرب لقرار الأمم المتحدة بالتقسيم وإقامة الدولة الفلسطينية عام 1947 وربما نرى اليوم أن العرب كانوا مخطئين فى ذلك ولكن فى ذلك الوقت، لم يكن ليجرؤ أى زعيم عربى على قبول هذه الخطة دون أن يضع حياته  فى خطر لقد كان رفض العرب لإسرائيل كاملا، وكان هدف تحرير فلسطين بالكامل يسبق إقامة الدولة الفلسطينية، وبالتالى كانت فكرة إقامة دولة على جزء من الأراضى الفلسطينية لا يمكن تصورها.

من ناحية أخرى، لم تكن الدول  العربية لديها من المقومات ما يؤهلها لمواجهة قيام دولة إسرائيل بطريقة فعالة لقد افتقدت هذه الدول ـ حديثة العهد بالاستقلال ـ وجود شبكة اتصالات قوية فيما بينها نتيجة لأسلوب إدارة الدول الاستعمارية، والتى كانت تمنع اتصال  المستعمرات بعضها ببعض مباشرة لقد كانت الاتصالات تتم رأسيا بين العاصمة الاستعمارية والمستعمرات: الجزائر ـ باريس، دلهى ـ لندن لكن كان من الممنوع الاتصال المباشر مثلا بين القاهرة والجزائر، ولم يكن ممكنا أن  يسافر مصرى مباشرة من القاهرة إلى الجزائر كل ذلك عرقل التعاون والتضامن بين الدول العربية، ودول العالم الثالث بشكل عام.

من ناحية أخرى، افتقد العرب ثقافة الوضع الدولى التى اكتسبها اليهود ـ خاصة الأمريكيين منهم ـ  والذين تمرسوا على إقامة اتصالات دولية فلم يكن للعرب فى ذلك الوقت اتصالات كثيرة بالعالم الخارجى، ولا معرفة بأساليب الدبلوماسية الدولية الحديثة فمن قبل وقوعهم تحت الاستعمار الغربى، كانت العلاقات الخارجية فى  تاريخ الإمبراطورية العثمانية تدار فى الأغلب عن طريق الأقليات.

لقد افتقدت هذه الدول مقومات الحداثة فى المجال العسكرى أيضا، ولم يكن لديها ما يتيح تنظيم تحالف عسكرى فيما بينها، وإدارة حرب تشترك فيها عدة جيوش،  بما يتطلبه ذلك من دقة عسكرية، وحرص على التوافق الزمنى وفى النهاية، لم يكن الزعماء العرب مجتمعين على رؤية موحدة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية ويرجع ذلك إلى التنافس الذى غذته الدول الاستعمارية السابقة، والتى  احتفظت بنفوذ قوى فى بعض الدول العربية، حتى بعد أن حصلت على استقلالها وانقسمت الجامعة العربية بين تيارين: التيار الهاشمى ويضم: الأردن والعراق، والذى أيد ضم الضفة الشرقية للأردن، وإقامة مملكة موحدة، والتيار  المصرى ـ السعودى، الذى أيد بناء دولة فلسطينية مستقلة.

وعند التصويت على عملية التقسيم فى الأمم المتحدة، 29 نوفمبر 1947، قام ممثلو الدول العربية بمغادرة الجمعية العامة وأعلنوا أن قرار التقسيم باطل لقد تصور العرب  أنهم سيفوزون بسهولة فى حرب 1948 على مجموعة من المستوطنين ليس لديها جيش نظامى وقد قللوا، بلا شك، من شأن القوة والتصميم الإسرائيلى ولكن نظرا للاختلال فى التوازن العددى بين اليهود والعرب، تصورت الدول  العربية أنه يمكنها الانتظار، وأنه حتما، خلال سنوات قليلة، سيتم اكتساح الدولة اليهودية وفى المخيلة العربية، لا تزال ـ حتى اليوم ـ فكرة أن الديموجرافيا ستلعب يوما ما دورها لصالح العرب، وبالتالى ما عليهم إلا المقاومة  والانتظار.

وبعد اتفاقيات الهدنة، عزل الخصوم أنفسهم داخل مواقف رافضة للآخر، وهو ما منع أى نوع من الحوار فالعرب، من جانبهم، لم يعترفوا بالدولة الإسرائيلية، التى لم تظهر على أية خريطة عربية، والإسرائيليون من  جانبهم لم يعترفوا بوجود الشعب الفلسطينى.

وبينما انقسم العالم العربى، حتى منتصف الخمسينات من القرن الماضى، حول أولوياته السياسية، بين من فضل النضال من أجل استقلال جميع الدول العربية، ومن رأى أن فلسطين يجب  أن تكون لها الأولوية، فإن وصول الضباط الأحرار إلى السلطة فى مصر عام 1952 حسم جدلا مشابها داخلها فقد كان هناك من المسئولين المصريين فى هذه الفترة من يرى "اتساقا مع السياسة المصرية التقليدية" أن مشاكل مصر  الأساسية تكمن فى علاقاتها مع السودان وفى إدارة مياه النيل، وكان هناك من يؤيد الاستمرار فى الحرب مع إسرائيل لقد اعتبر الضباط الأحرار الاستعمار والإقطاع والفساد وحالة الخراب التى وصل إليها الجيش السبب فى هزيمة  ـ 1948، وكان لديهم رغبة، وإن لم تكن معلنة، فى الانتقام لهذه الهزيمة واستعادة مكانة الجيش وبوصولهم إلى الحكم، أصبح من الواضح أن الحرب مع إسرائيل ستعود مرة أخرى، إن آجلا أم عاجلا.

وقد جاءت مشاركة إسرائيل  مع بريطانيا وفرنسا فى العدوان الثلاثى على مصر لتؤكد صورة إسرائيل كدولة استعمارية غربية، ولتؤجج المشاعر المناهضة للاستعمار والكراهية لإسرائيل على المستوى الشعبى لقد استطاع عبد الناصر تحويل الهزيمة  العسكرية فى هذه الحرب إلى نصر سياسى كما ساد الاعتقاد بأن إسرائيل لم تكن أبدا لتستطيع احتلال سيناء دون مساهمة الفرنسيين والإنجليز، وكل ذلك ساهم فى التمهيد لمواجهة عسكرية جديدة بين مصر وإسرائيل عام 1967  ولا أعتقد شخصيا أن الرئيس عبد الناصر كان يرغب حقيقة فى أن تتصاعد أزمة 1967 إلى حرب جديدة، ولكنه كان يهدف، من خلال مناورة سياسية، إلى إثناء إسرائيل عن مهاجمة سوريا، وربما كان يهدف إلى حث القوتين  العظميين على التدخل لمنع الحرب، وبالتالى الوصول إلى فوائد سياسية كبيرة لمصر فى أثناء التفاوض الدولى لحثها على الامتناع عن الدخول فى مواجهة جديدة مع إسرائيل.

ومازلت أعتقد أن الدعاية العربية الصاخبة، التى  صاحبت تلك الأزمة، سمحت لإسرائيل بأن تبدو بصورة الضحية، وأدت إلى تقوية معسكر الصقور فى إسرائيل لصالح الحرب إن اتخاذ موقف أكثر اعتدالا، على الجانبين المصرى والإسرائيلى، كان كفيلا بتجنب الحرب والوصول  إلى حل سلمى ورغم الهزيمة المدوية، فقد تفجرت مشاعر الشعوب العربية فى كل مكان، تدعو عبد الناصر إلى البقاء والاستمرار فى النضال وكانت اللاءات الثلاث الشهيرة فى مؤتمر القمة العربية فى الخرطوم، عقب الحرب،  تعبيرا عن إدراك القيادات العربية لقوة هذه المشاعر الشعبية ورغم أن إسرائيل قدمت عرضا فى ذلك الوقت للانسحاب من سيناء وهضبة الجولان، فى إطار توقيع سلام شامل على أساس ترسيم حدود 4 يونيو 1967، إلا أنه كانت  هناك، هذه المرة أيضا، استحالة تاريخية لأن يخاطر أى زعيم عربى ببدء مباحثات مع إسرائيل فى ظل المشاعر العارمة المناهضة لإسرائيل فى العالم العربى وبعد قليل، لم يعد العرب يتحدثون عن هزيمة، بل نكسة، وخسارة  لمعركة أمام تحالف أمريكى ـ إسرائيلى وساد الاعتقاد بأن الوقت يلعب فى صالح العالم العربى، وأنه سوف ينتقم إن آجلا أم عاجلا.

 وبينما انتهج الرئيس عبد الناصر سياسة عربية شاملة، فقد اعتمد الرئيس أنور السادات رؤية  مختلفة عند توليه السلطة، حيث كان مقتنعا بأن حل المشكلة العربية ـ الإسرائيلية يعتمد أساسا على الولايات المتحدة وهو فى ذلك أحيا التوجه التقليدى للسياسة المصرية، والتى، حتى إنشاء الجامعة العربية فى 1945، لم تكن تهتم  كثيرا بالعالم العربى، بل كانت تسعى لإقامة علاقات مثمرة مع الدول الأوروبية الكبرى، والتى تعد الولايات المتحدة الامتداد الطبيعى لها كان الخديو إسماعيل يردد أن حلمه أن يرى مصر قطعة من أوروبا وكاتبنا الكبير طه حسين  أعلن، فى كتابه "مستقبل الثقافة فى مصر"، الذى نشر فى نهاية الثلاثينيات من القرن الماضى، أن المستقبل الثقافى لمصر يرتبط بالثقافة الغربية وقد لعبت حرب أكتوبر دورا كبيرا فى تفعيل هذا التحول، حيث اعتبر العالم العربى  عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف انتصارا عربيا عظيما، هز ثقة الجيش لإسرائيلى المشهور بأنه لا يقهر لقد كان لهذه الحرب تأثير كبير على إعادة التوازن، ليس للقوى العسكرية، ولكن للقوى النفسية والدبلوماسية، مما  سمح لمصر بأن تستعيد كرامتها ودورها كزعيمة للعالم العربى.

لقد أمضى الرئيس السادات أربع سنوات بعد حرب 1973، محاولا تكوين جبهة مشتركة فاعلة تضم الدول العربية والفلسطينيين لتفاوض من أجل الوصول إلى حل  للصراع العربى ـ الإسرائيلى، حيث كان مقتنعا بأن العالم العربى من مصلحته أن يتحد وأن يتحدث بصوت واحد ولكن بمرور الوقت، توصل السادات إلى قناعة بأنه "إذا كان علينا الانتظار لتحقيق هذه الجبهة المشتركة، فلن نتقدم  أبدا" لذلك، بدأ السادات يفكر فى استراتيجية غير مسبوقة، وشخصية تماما، لكسر جمود الوضع السياسى بين مصر وإسرائيل، ودفع الأمور إلى الأمام من هنا، جاءت مبادرة السادات بزيارة القدس، والتى صدمت العالم العربى كله  وبينما كان هناك الكثيرين الذين اعتبروا السادات خائنا، كان هناك أيضا من أكد أن هذا التحرك لن يؤدى إلى شىء، حتى نحن الذين رافقناه فى رحلته لم نكن واثقين تماما بأن هذه الخطوة الأولى تسير فى الاتجاه الصحيح.

 ولا  أعتقد إطلاقا أن السادات تصور منذ البداية عقد سلام منفصل، بل كان يعتقد أن عليه، بسبب وجوده على رأس أكبر بلد عربى مسئولية تجاه الشعب الفلسطينى وكان يأمل فى إعطاء دفعة لمسيرة السلام بحيث تنتهى بإقامة الدولة  الفلسطينية وفى هذا الصدد فقد وجهت القاهرة الدعوة إلى كل من سوريا، والأردن، ولبنان، والولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتى، والأمم المتحدة، ومنظمة التحرير، وفلسطين، لحضور مؤتمر يمهد لإعادة انعقاد مؤتمر جنيف  للسلام فى الشرق الأوسط ولكن الدول العربية والفلسطينيين رفضوا حضور هذا المؤتمر الذى عقد فى 14 ديسمبر 1977، بحضور مصر وإسرائيل والولايات المتحدة والأمم المتحدة لقد قدرت فى ذلك الوقت أن الفلسطينيين قد  أضاعوا بذلك فرصة تاريخية لإقامة اتصالات، ولو غير مباشرة، مع الإسرائيليين ولكن يجب أن أعترف بأنه حتى لو كان الفلسطينيون قد قبلوا، فإن الإسرائيليين فى لك الوقت كانوا سيرفضون المشاركة.

لقد واصل الرئيس السادات  مسيرة المفاوضات المصرية ـ الإسرائيلية، رغم الرفض العربى، لأنه كان حريصا على استعادة كافة الأراضى المصرية، ومقتنعا بأن مصر لن تستطيع العمل بفعالية لكسب حقوق الفلسطينيين إلا إذا تخلصت أولا من الاحتلال  الإسرائيلى لسيناء وبالرغم من توقيع معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل، فإن هذا السلام أضحى باردا بعد أن وضح للجميع أنه لم يقدم حلا للمشكلة الفلسطينية، ولم ينجح فى أن يكون الحلقة الأولى من سلام إسرائيلى ـ عربى شامل. 

لقد أظهرت تطورات عملية السلام بين مصر وإسرائيل أن الإسرائيليين كانوا يسعون فقط للوصول إلى سلام منفصل مع مصر وفى أثناء مباحثات كامب ديفيد، رفض الوفد الإسرائيلى اعتبار القضية الفلسطينية قضية سياسية،  وسعى إلى تقليصها لتصبح مجرد تفصيلات عملية للإدارة المحلية للأراضى الفلسطينية عمى البصيرة هذا إزاء الواقع الفلسطينى بدا لنا مثيرا للدهشة، فقد كان يماثل تماما موقف العرب الذين أنكروا وجود الدولة الإسرائيلية كل تلك  السنوات.

لقد اعتقد الإسرائيليون، ولمدة طويلة، أنهم يستطيعون صرف النظر عن المطالب الفلسطينية، وأن الوقت يسير لصالحهم، وأن الدول العربية سوف تتعب فى النهاية من قتال يبدو أنه لا يتقدم وبالتالى فإسرائيل، يوما ما،  ستستطيع التوصل إلى سلام منفرد مع كل جيرانها العرب بدون أن تضطر إلى القبول بإقامة دولة فلسطينية لقد كان هذا وهما أو خطأ جسيما.

لقد أدت معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال، وقسوة القمع الإسرائيلى للانتفاضتين  الفلسطينيتين الأولى ثم الثانية، واستمرار عمليات الاستيطان، إلى إضعاف معسكر السلام العربى لقد تزايدت برودة السلام المصرى ـ الإسرائيلى، على سبيل المثال، مع تصاعد قمع إسرائيل "لانتفاضة الحجارة"، حيث بدأت نقابات  الأطباء والمحامين والصحفيين تعارض أى اتصال مع إسرائيل وطالب البعض باستدعاء السفير المصرى فى إسرائيل، بل وطالبوا بقطع العلاقات الدبلوماسية معها ما لم يستطع الإسرائيليون فهمه هو أن العنف والبؤس اللذين  يتعرض لهما الفلسطينيون يقويان الأصوليين والمتطرفين ويضعفان معسكر السلام العربى، وأن السلام المصرى ـ الإسرائيلى سيظل باردا، والرأى العام المصرى سيظل معاديا بشدة لأى تطبيع فى العلاقات مع الدولة الإسرائيلية،  مادامت المشكلة الفلسطينية لم تحل.

لقد تبنيت خيار "مصر أولا" مع الرئيس السادات، وأنا مقتنع بأن أنصار جبهة الرفض سوف يدركون فى النهاية أن الحوار مع إسرائيل هو الفرصة الوحيدة لحل هذا الوضع المعقد والدموى وقد  رحبت مصر فى عام 1988 بإعلان منظمة التحرير الفلسطينية فى الجزائر الاستقلال الفلسطينى، وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس، وعقد مفاوضات مباشرة مع إسرائيل إن إعلان منظمة التحرير عن استعدادها للتفاوض مع  إسرائيل، بينما أدانت مصر بشدة عندما قامت بالشىء نفسه عام 1977، أظهر أننا كنا على حق كما رحبت مصر أيضا برغبة الرئيس الأمريكى، الجديد فى ذلك الوقت، جورج بوش الأب، فى لعب دور أكبر لحل الصراع العربى ـ  الإسرائيلى لأنها كانت مقتنعة بأن الأمريكيين يملكون مفتاح المشكلة.

ورغم أن مؤتمر مدريد للسلام، الذى تمخض عن الاهتمام الأمريكى فى ذلك الوقت، كان إلى حد ما مسرحية سياسية، وجرى فى مناخ عدائى، إلا أن أهميته كانت  تكمن فى أنها المرة الأولى التى طرحت فيها المسألة الوطنية الفلسطينية بوضوح على جدول أعمال مؤتمر دولى فخلال مدة طويلة، ظل الصراع الإسرائيلى ـ الفلسطينى صراعا لا يهم أحدا على المستوى الدولى، "صراع يتيم" وقد  أعطت رعاية القوتين العظميين الأهمية الواجبة للقضية الفلسطينية لأول مرة من ناحية أخرى، كانت هذه هى المرة الأولى التى أخذ فيها الفلسطينيون الفرصة لكى يمثلوا أنفسهم فى مؤتمر دولى بشكل يكاد يكون مستقلا.

وعندما تم  الإعلان عن اتفاقيات أوسلو، تلقينا فى مصر هذا الخبر برضا ممزوج بشىء من السخرية فها هى منظمة التحرير تنطلق فى العملية نفسها التى خططنا لها فى عام 1978، مع الفارق أنهم لو كانوا انضموا إلينا فى ذلك الوقت  لحصلوا على أكثر بكثير مما توصلوا إليه فى أوسلو ولكننا بقينا فى حالة ترقب، فأوسلو لم تكن أكثر من خطوة أولى، بلا قيمة إن لم تتبعها خطوات ثانية وبالفعل، فقد اصطدمت المفاوضات على المسار الفلسطينى بعقبات عديدة،  نبع كثير منها من عدم تقدير إسرائيل لشعور الفلسطينيين الذين عانوا الاحتلال لعشرات السنين، حيث كان العمل أو البناء أو الانتقال ممنوعا بدون موافقة الإدارة الإسرائيلية لقد كان من الطبيعى، على سبيل المثال، من أجل إعطاء  مصداقية للاتفاقيات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، أن يشعر الفلسطينيون عند عودتهم إلى غزة بأنهم يعودون إلى وطنهم ولكن إصرار الإسرائيليين على إجراءات مشددة، وتعميم التفتيش الجسدى عند نقاط التفتيش والمعابر على حدود  الأرض التى قدموها إلى الفلسطينيين، كأرض ذات سيادة، كان مسألة غير محتملة على الإطلاق بالنسبة لهم كان على الفلسطينيين الانتظار لساعات، بل وأحيانا ليوم كامل، قبل أن يصلوا إلى التفتيش الجسدى، وهذا الانتظار كان  أحد رموز الاحتلال القمىء وأتذكر فى هذا الصدد تصريحات ديزموند توتو فى عام 2002، والتى ندد فيها بالسياسة الإسرائيلية فى الضفة وغزة، وإهانة الفلسطينيين عند نقاط التفتيش والحواجز ومعاناتهم، وقارنها بالطريقة التى  كان جنود الشرطة البيض يمنعون بها السود من التنقل بحرية فى نظام الفصل العنصرى.

 لقد كانت مواصلة إسرائيل لسياسة بناء المستوطنات عقبة أساسية أمام مسيرة السلام ومنذ مفاوضات كامب ديفيد، كنا نقول للإسرائيليين:  كيف تريدون إعطاء أمل للفلسطينيين بالتوصل إلى حل لمشاكلهم، إن كنتم كل يوم تبنون مستوطنة جديدة؟ إن مواصلة عمليات استيطان الأراضى فى الوقت نفسه الذى كانت إسرائيل تقوم فيه بالتفاوض من أجل السلام، بل وعلى  مستقبل الضفة الغربية وغزة، جعلها تفقد كل مصداقية فى نظر العرب والفلسطينيين لقد كانت سياسة بناء المستوطنات أفضل وسيلة لدعم المتشددين العرب وإضعاف أنصار السلام.

وفى الوقت الذى كانت فيه إسرائيل تبنى مساكن  جديدة للمستوطنين، فإنها كانت تدمر منازل الفلسطينيين، فى سياسة تتناقض تماما مع كل المواثيق الدولية وعلى سبيل المثال، فقد أظهر تقرير أعده بيتر هانسن، مدير وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين، أنه منذ انطلاق الانتفاضة  الثانية وحتى نهاية عام 2003، دمرت إسرائيل1134 منزلا فى غزة، تاركة عشرة آلاف شخص بلا مأوى ومن عام 2001 إلى عام 2002، كانت إسرائيل تدمر شهريا 32 منزلا، وبعد عام 2003، ارتفع العدد إلى 72 منزلا  شهريا لقد زادت هذه السياسة المتعمدة من تدمير المساكن والبنية التحتية من البؤس فى غزة، والتى كانت، ولا تزال، فى حالة مزرية: زيادة رهيبة فى السكان، بطالة متفشية، ووضع اقتصادى مفجع، مع قصور شديد فى نظام  الصرف الصحى وشبكة المياه النقية والكهرباء.

إن الاحتلال العسكرى، ومصادرة الأراضى، والتوسع فى المستوطنات السكانية، والعجرفة وعدوانية المستوطنين والسلطات الإسرائيلية، هى التى غذت ما يطلق عليه "الإرهاب  الفلسطينى"، بقيامها بالقضاء على كل أمل فى العثور على حل لهذا البؤس إن إسرائيل، التى تزعم أنها الديمقراطية الوحيدة فى الشرق الأوسط، استخدمت إجراءات ضد الفلسطينيين يمنعها أى نظام ديمقراطى ومنها سياسة  الاغتيالات الموجهة، التى تتناقض بشكل صارخ مع الأخلاق والقانون إن اغتيال القيادات الفلسطينية من حماس، مثل يحيى عياش، والشيخ أحمد ياسين، يبرر فى نظر الفلسطينيين دم الإسرائيليين، ضحايا العمليات الانتحارية.

لقد  عاتب الجميع عرفات لأنه، فى الجولة الأخيرة للمفاوضات فى طابا، رفض فى اللحظة الأخيرة التوقيع ولكن ذلك كان يعنى أن نطلب منه تقديم تنازلات غير محتملة، بدون الحصول على ضمانات حول تطبيق هذه الاتفاقيات أو  احترامها من قبل إسرائيل لقد رفض عرفات تقديم المزيد من التنازلات من أجل أن يظل رمزا للمعركة الفلسطينية، بأمل أن يكون المستقبل أكثر مناسبة للفلسطينيين ولا يزال هناك الكثير من الفلسطينيين، والمؤرخين، يرون أن  إسرائيل "حادث تاريخى"، و"ظاهرة عارضة"، وأنها فى طريقها إلى الزوال فى غضون خمسين أو ثمانين عاما ومادامت الحدود النهائية للدولة الإسرائيلية والدولة الفلسطينية لم يتم تحديدها والاعتراف بها، فإن الإسرائيليين، مثل  الفلسطينيين، سيعيشون فى فكرة توسيع حدودهم على حساب الآخر، وهو ما يمثل كابوسا للجميع.

إن التوصل إلى حل عادل للمشكلة الفلسطينية يبقى صعبا، نتيجة لعدم المساواة العميق بين الطرفين فعلى سبيل المثال، فإن الانسحاب  الإسرائيلى من غزة يصبح، فى التحليل الأخير، بلا قيمة، إن كان لابد من الحصول على تصريح من الإسرائيليين لإجراء الاتصالات بين غزة والضفة الغربية، وحيث لا يحق للفلسطينيين بناء ميناء أو إعادة بناء المطار، وحين  يمتلك الإسرائيليون القوة العسكرية التى تمكنهم من إعادة احتلال غزة بين ليلة وضحاها، إن قرروا ذلك من ناحية أخرى، فإن الجدار العازل فى الضفة الغربية لا ينبئ بأى شكل من الأشكال بتقارب إسرائيلى ـ فلسطينى إن هذا  الجدار يجعل حياة الفلسطينيين مستحيلة تماما، ويمنع أى قدرة لهم على التحرك بسهولة، نظرا للتكدس عند نقاط التفتيش، كما أنه يجور على الأراضى الفلسطينية.

إن هناك مليون عربى داخل إسرائيل نفسها قد عانوا لعقود من  التهميش، إن لم نقل الإذلال، فى مجتمع إسرائيلى لم يكن بالتأكيد مجتمعهم ولم تتوصل إسرائيل إلى حل لدمج هؤلاء العرب الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية، والذين واجهوا رفضا مزدوجا: فهم بالنسبة لإسرائيل يشكلون طابورا  خامسا محتملا فى قلب المجتمع الإسرائيلى، وينظر إليهم ـ بشك على الأقل ـ من فلسطينيى الأرض المحتلة بوصفهم ـ يوافقون على كل ما يطلب منهم.

ويبدو لى، بديهيا، أنه لن يكون من الممكن حل كل المستعمرات اليهودية،  وبالتالى سيبقى أيضا سكان يهود فى فلسطين ومن الضرورى خلق ظروف مناسبة لتعايش وتواصل كل هذه الجماعات، والجدار العازل لا يشجع على ذلك.

من ناحية أخرى، يعانى الفلسطينيون من التمييز فى قضية حق العودة  فاليهود من جميع أنحاء العالم لهم حق العودة إلى إسرائيل بينما الفلسطينيون، الذين عاشوا على هذه الأرض منذ نصف قرن فقط، ليس لديهم هذا الحق ويشير الإسرائيليون دائما فى هذا الصدد إلى خوفهم من "غزو عربى"، وعودة  ثلاثة ملايين فلسطينى إلى إسرائيل إن ذلك لا يعدو أن يكون وهما، ولا يمكن تخيل عودة شاملة لفلسطينيى الشتات ولكن يبقى لهذا الحق قيمة رمزية، حيث تعود نسبة ما على الأقل من الفلسطينيين بشكل يسمح بجمع شمل أعضاء  العائلة الواحدة ويظل الاعتراف بحق العودة مسألة جوهرية لدى الفلسطينيين، لأنه يعنى أن إسرائيل تعترف بمسئوليتها فى خلق مشكلة اللاجئين، وذلك على نفس مستوى اعتراف الدول بجرائم الحرب التى ارتكبتها، كما أنه يتضمن  تقديم تعويضات على غرار تلك التى حصل عليها اليهود من ألمانيا ولن تكون هناك أى مشكلة بعد إنشاء الدولة الفلسطينية أن يستقر فلسطينيو الشتات فى البلاد العربية المختلفة، بوصفهم مواطنين لدولة أجنبية، وليسوا لاجئين.

إن  التصالح والتعايش والتعاون فى المنطقة لن يتحقق إلا بحوار غير عنيف يستمر على المدى الطويل وما دامت قوة الكلمات ليست أكبر من قوة الرصاص، حسب الاستعارة التى قدمها كامو فلا أرى أى حل عادل للمأساة الفلسطينية  لقد كنت أتمنى، عندما أصل إلى نهاية حياة عملية طويلة، أن أستطيع رؤية النور ينبثق أخيرا فى نهاية النفق ولكن الواقع لا يترك لى إلا حيزا صغيرا من الأمل فى تحسن الوضع خلال السنوات المقبلة وأخشى، مثلى مثل موسى  والسادات، أننى لن أرى أرض الميعاد هذه.


رابط دائم: