أبعاد الصراع الإقليمي- الدولي حول "إدلب" السورية
6-9-2018

منى سليمان
* باحثة فى العلوم السياسية.
تترقب الأوساط السياسية بالشرق الأوسط بدء الجيش السوري العمليات العسكرية لاستعادة السيطرة على محافظة إدلب، آخر معقل للمعارضة السورية المسلحة شمال البلاد. وقد عقد مجلس الأمن الدولي جلسة يوم 29 أغسطس 2018 حول الأوضاع بإدلب بناء على طلب روسيا، دعت فيه الأمم المتحدة لتجنب أزمة إنسانية بإدلب. وميدانيا، يواصل الجيش السوري حشد قواته بجنوب المدينة، بينما يعزز الجيش التركي قواته بشمالها، مما يؤكد قرب بدء العمليات العسكرية، وإثارة حالة من الصراع الإقليمي والدولي حول طبيعة تلك العمليات ومدتها والجهات التي ستستهدفها.
أهمية إدلب:  
تنبع أهمية معركة إدلب في الصراع السوري من عدة حسابات أساسية، هي:
1) موقع استراتيجي: تتميز مدينة إدلب بأنها حلقة وصل بين عدد من مدن شمال وغرب سوريا، وتمثل 4% من مساحة البلاد، وتقع بين محافظتي طرطوس واللاذقية، حيث توجد القاعدتان العسكريتان الروسيتان والقاعدة الشعبية "للأسد" غربي سوريا، كما ترتبط بحلب من الشرق، ثاني أكبر مدينة سورية وحماة من الجنوب، مما يجعل إدلب في مثلث محاذي لثلاث محافظات حلب - حماة – اللاذقية. وقد فقدت دمشق السيطرة على محافظة إدلب في مارس 2015 لمصلحة جبهة النصرة، وقد بدأ تنفيذ وقف اطلاق النار فيها في مايو 2017، وفق اتفاق منطقة خفض التصعيد، برعاية تركيا وروسيا. وبناء عليه، أنشأت أنقرة 12 نقطة مراقبة بإدلب. 
2) أزمة إنسانية: عدد سكان إدلب نحو مليون ونصف مليون نسمة ، وقد استقبلت منذ عام 2016 مثلهم، فأصبح عدد سكانها أكثر من ثلاثة ملايين نسمة، بينهم مليون طفل، طالبت منظمة اليونيسيف بتوفير الرعاية اللازمة لهم، وحذرت تقارير الأمم المتحدة من وقوع كارثة إنسانية فور بدء العمليات العسكرية في إدلب، حيث توقعت فرار نحو 700 ألف نسمة من المدينة.
3) فصائل متناحرة: استبقت أنقرة أي هجوم عسكري علي إدلب، وأعلنت في يوليو 2018 تشكيل الجبهة الوطنية للتحرير (40 ألف مقاتل)، والتي تضم أحد عشر من فصائل المعارضة المسلحة بإدلب، فضلا عن المقاتلين الأجانب بإدلب، وهم ينقسمون إلي فصائل قوقازية، والإيجور الصينيين، وعناصر أوزبكستانية وقيرغزستانية. ومن الصعوبة بمكان ضمان التنسيق والتعاون بينهم لتنافرهم سياسيًا وأيديولوجيًا، وقد بدأ الاقتتال بينهم في 2017، ومنذ أبريل 2018، شاعت فوضى أمنية وعمليات اغتيال بين الفصائل المسلحة ووجهاء المنطقة.
4) مكافحة الإرهاب: حيث اتفقت موسكو وأنقرة علي ضرورة تصفية "هيئة تحرير الشام"، بحسبانها تنظيما إرهابيا. وبدوره، استعد قائد الهيئة، أبو محمد الجولاني، للمعركة، ورفض حل الهيئة أو التفاوض مع أي جهة، وكثف حشد المقاتلين، وتحالف مع فصائل تنتمي للجيش الحر "كجيش العزة". 
مواقف متشابكة في إدلب:
1) موقف الحكومة السورية: بعد استعادة مدينة درعا، معقل المعارضة السورية في الجنوب، أعلن الرئيس السوري بشار الأسد أن "الهدف الآن هو إدلب" معقل المعارضة بالشمال، حيث ترغب دمشق في السيطرة على مواقع استراتيجية على طريق (حماة – حلب، اللاذقية - جسر الشغور) بإدلب. لتربط جنوب سوريا بشمالها، وشرقها بغربها، وتعزز انتصاراتها السابقة. وتكمن أهمية "سهل الغاب وجسر الشغور" بجنوب إدلب فى أنهما متاخمان لمحافظة اللاذقية ومنطقة الساحل المعقل الأساسي للطائفة العلوية الداعمة للأسد نظرا لانتمائه لها. 
 وحال تم ذلك، سيكون الجيش السوري قد تمكن من استعادة معظم مدنه التي فقدها قبل ذلك، وسيبقي ثلاث مناطق خارج سيطرته، وهي: بعض الجيوب الصغيرة التابعة لتنظيم داعش في محافظة دير الزور شرقا والمتاخمة للحدود العراقية السورية، ومدن أقصى الشمال والتي سيطرت عليها تركيا (الباب،جرابلس،عفرين). وقد تعهد وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، بتصفية الاحتلال التركي لبلاده، مما ينذر برفض دمشق استمرار الوجود العسكري التركي هناك، ويشير لوجود معارك سياسية وعسكرية قريبة لتصفية هذا الوجود، فضلا عن المدن الخاضعة لسيطرة قوات "سوريا الديمقراطية- قسد". وقد بدأت دمشق بالفعل التفاوض مع المجلس السياسي الكردي بقيادة إلهام أحمد للتوصل لتسوية بين دمشق والأكراد تقضي بإعادة جميع تلك المدن لسيطرة الحكومة السورية مقابل الحكم الذاتي للأكراد. ومما يؤكد إصرار الجيش السوري على الحسم العسكري في إدلب استمرار حشد القوات في مثلث سهل الغاب –جسر الشغور– جبال اللاذقية (غرب إدلب)، ليكون ممرا آمنا، بالتزامن مع تصاعد القصف الجوي على المنطقة. وقد سيطر الجيش السوري بالفعل علي 15% من جبل التركمان في شمال شرق اللاذقية المتاخمة لإدلب. 
2) الموقف التركي: شهدت الأيام الأخيرة محادثات تركية - روسية مكثفة حول الوضع بإدلب بدءًا بالمحادثات بين الرئيسين الروسي والتركي علي هامش قمة مجموعة دول "بريكس" بجنوب إفريقيا في منتصف أغسطس 2018، مرورًا بزيارة وزراء الخارجية والدفاع ورئيس المخابرات بتركيا لموسكو، ثم زيارة وزير الخارجية الروسي لأنقرة، وذلك بغية تنسيق المواقف بينهما حول الترتيبات الأمنية بإدلب. وقد منحت موسكو لأنقرة مهلة لحل الجماعات الإرهابية بالمدينة (هيئة تحرير الشام ، النصرة سابقا). حتى 7 سبتمبر 2018، وهو موعد عقد لقاء ثلاثي بين أعضاء محادثات الآستانة (روسيا، تركيا، إيران) في طهران حول سوريا، وستتركز حول إدلب.  
واقع الأمر أن الموقف التركي يواجه معضلة استراتيجية مركبة في التعامل مع إدلب، تتمثل في كيفية السيطرة على الآلآف المقاتلين المسلحين، فقد كانت إدلب هي الملجأ الأخير لهم والآن أين يذهبون، حيث لا يمكن دمجهم داخل المجتمع التركي، نظرًا للتداعيات الأمنية والاقتصادية والمجتمعية السلبية لذلك، كما أنهم سيمثلون تهديداً مباشراً للأمن القومي التركي، حال خروجهم عن سيطرة أنقرة. وكذلك، فإن المقاتلين الأجانب منهم ترفض دولهم الأصلية عودتهم لها، وهم يرفضون التسليم بالهزيمة وترك السلاح. كما أن الوجود العسكري التركي بمدن شمال سوريا أصبح عبئا على أنقرة، نظرًا لارتفاع وتيرة المقاومة من قبل الفصائل الكردية وشن هجمات مستمرة علي القوات التركية في عفرين شمالا وتل رفعت بريف محافظة حلب السورية.
3) الموقف الروسي: حيث إن استعادة إدلب يحقق لموسكو عدة أهداف منها القضاء علي التنظيمات الإرهابية، وتأمين "قاعدة حميميم" العسكرية الروسية التي تتعرض لهجمات متتالية من طائرات بدون طيار تنطلق من إدلب ، حيث تم تدمير 16 "درون" فوق "حميميم"، خلال أغسطس 2018. كما تستهدف موسكو إرساء الاستقرار بسوريا لبدء العملية السياسية تحت إشرافها، مما يؤكد أن موسكو نجحت عسكريًا وسياسيًا في إدارة الأزمة السورية، ثم تبدأ بعد ذلك في إعادة ترتيب توازنات القوى بسوريا والشرق الأوسط بكل عام.
4) الموقف الإيراني: تعد مدينة إدلب بعيدة عن مناطق الوجود الإيراني بغرب ووسط سوريا. بيد أن طهران ترغب في استثمار وجودها العسكري في سوريا للضغط على واشنطن، والمساومة على استمرار الاتفاق النووي الايراني. في هذا الاطار، يمكن تفسير زيارة وزير الدفاع الايراني، أمير حاتمي، لدمشق، وإبرام عدة اتفاقيات لتعزيز التعاون العسكري بين طهران ودمشق، واستمرار الوجود والنفوذ الإيراني في سوريا. 
5) الموقف الصيني: حيث كان لافتا إعلان السفير الصيني بدمشق إستعداد بلاده للمشاركة في معركة استعادة إدلب، ورغم نفي السفارة الصينية بدمشق، فإن ذلك لا ينفي مخاوف بكين من عودة مقاتلي الإيجور (مسلمو إقليم تركستان بشمال الصين المطالب بالانفصال) المشاركين ضمن فصائل المقاتلين الأجانب في سوريا إليها. ولذا، ترغب الصين في القضاء عليهم وتصفيتهم داخل سوريا عبر هزيمتهم في إدلب. وينضوي مقاتلو الإيجور في تنظيم "حراس الدين" و"الجيش التركستاني الإسلامي"، ويقدر عددهم بـ 6 إلى 12 ألف مقاتل، بينما ترجح مصادر صينية بأن عدد مقاتلي "الجيش التركستاني" نحو 2500 شخص بعائلاتهم. 
6) الموقف الفرنسي: حيث أعلنت باريس إلغاء "الإجتماع الرباعي" حول سوريا، وكان سيضم (فرنسا، وألمانيا، وتركيا، وروسيا ويعقد في أنقرة في 7 سبتمبر 2018). وذلك للخلاف حول وضع إدلب. وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رفضه أي اقتراح بشأن إمكانية بدء عودة ملايين اللاجئين السوريين لديارهم. ورهن المشاركة بإعادة إعمار سوريا بتحقيق الاستقرار وبدء عملية انتقال سياسي واضحة بإشراف أممي.
7) الموقف الدولي: حذّرت واشنطن، وباريس، ولندن دمشق من استخدام الأسلحة الكيميائية في معركة استعادة إدلب، وذلك بعد اتهام موسكو جماعات إرهابية مسلحة بإدلب بالإعداد لهجوم كيميائي، بالتزامن مع بدء العمليات العسكرية للجيش السوري، مما قد يمثل ذريعة لهجوم غربي جديد علي مواقع سورية. وقد تبع ذلك حشد متبادل بين موسكو وواشنطن لقطع بحرية أمام السواحل السورية بالبحر المتوسط، مما دفع حلف "الناتو" للدعوة لضرورة ضبط النفس وتجنب التصعيد العسكري في سوريا. 
سيناريوهات متوقعة:
1) السيناريو الأول- معركة شاملة: ويقضي ببدء الجيش السوري، مدعوما بالميليشيات الإيرانية والقصف الجوي الروسي، معركة شاملة لاستعادة كامل محافظة إدلب، غير أنها لن تكن سهلة، لأنه سيواجه مقاومة عنيفة وشرسة من الفصائل المسلحة بإدلب، لاسيما من "هيئة تحرير الشام" و"الجبهة الوطنية للتحرير" المدعومة من تركيا. ومن المحتمل أن يلجأ أحد أطراف الصراع لاستخدام السلاح الكيميائي، بما قد ينذر ببدء هجوم غربي علي دمشق، وبالتالي تنفذ واشنطن وباريس تهديداتهما. وفي هذه الحالة، سيرتفع عدد الخسائر البشرية. بيد أن هذا السيناريو مستبعد، حيث لا ترغب موسكو ودمشق في إثارة غضب المجتمع الدولي، لأنهما يرغبان في دعمه للتسوية النهائية في سوريا وعمليات إعادة الإعمار. كما أن المشاورات المستمرة بين أنقرة وموسكو توحي برغبة الطرفين في التوصل لحل وسط لأزمة إدلب.
2) السيناريو الثاني- مصالحة سياسية: حيث يتم وقف أي عمل عسكري والإعتماد على إبرام اتفاقات للمصالحات السياسية بين دمشق والفصائل المعارضة. وهذا السيناريو مستبعد، أو ربما ينفذ بشكل جزئي، لعدة أسباب منها، نفي الفصائل المعارضة في إدلب ما أعلن عنه وزير الدفاع الروسي، سيرجي شويجو، من توصل مركز المصالحة الروسي وقادة الفصائل المسلحة لتسوية سياسية في المنطقة، كما أن استمرار حشد الجيش السوري والتركي قواتهما بإدلب، وحشد الجيش الروسي والأمريكي القطع البحرية بالبحر المتوسط يؤكد قرب تدخل عسكري بشكل ما في المدينة.
3) السيناريو الثالث- معركة محدودة: وهذا السيناريو هو الأرجح، ويقترح أن يبدأ الجيش السوري (بدعم من ميليشيات إيرانية، وقصف جوي روسي محدود، وعناصر "قسد" العربية الكردية) تدخل عسكري محدود من جنوب إدلب للقضاء علي هيئة تحرير الشام وغيرها من التنظيمات المسلحة، ولاستعادة السيطرة علي المواقع الاستراتيجية بالمدينة، وإعادة فتح الطرق الساحلية والطريق الدولي الذي يربط دمشق بحلب عبر إدلب. وهنا، ستستعيد دمشق السيطرة علي جميع قرى جنوب غربي حلب، وصولاً إلى جنوب إدلب، وتتوقف عند وسط إدلب حتى لا تحدث مواجهة عسكرية بينها وبين القوات التركية المتواجدة شمال المدينة. ولن تبدأ العمليات العسكرية إلا بعد انتهاء اللقاء الثلاثي بين (روسيا، وتركيا، وإيران) في 7 سبتمبر 2018 بطهران. وهذا السيناريو سيضمن عملية عسكرية محدودة وقصيرة زمنيّاً، ستحقق هدف نظام الأسد في الحسم العسكري وهزيمة التنظيمات الإرهابية وفصائل المعارضة، وستقلل الخسائر البشرية والأزمة الإنسانية بالمدينة. ويمكن أن توافق بعض فصائل المعارضة على إبرام التسويات السياسية كما حدث بدرعا. 
خلاصة القول، إنه من المرجح بدء عملية عسكرية سورية لاستعادة السيطرة علي إدلب قريبا، وستشهد تسويات إقليمية ودولية معقدة ومعارك عسكرية متفاوتة الحدة، مثلما حدث في الجنوب السوري، كما أن استعادة السيطرة علي إدلب سيمهد لاستعادة السيطرة على مدن شمال سوريا التي تخضع لسيطرة تركيا، ثم يبدأ الإعداد لمرحلة جديدة لا تقل أهمية وصعوبة عن الحسم العسكري ألا وهي التسوية النهائية للحرب السورية المستمرة منذ 2011، وستبدأ تلك المرحلة في منتصف سبتمبر 2018 من خلال عقد الأمم المتحدة لجنة لصياغة الدستور السوري الجديد الذي سيحدد هوية الدولة السورية ومستقبلها.
 

رابط دائم: