دوافع تنظيم "القاعدة" للعودة إلى تونس
8-5-2018

علي بكر
* نائب رئيس تحرير السياسة الدولية وخبير الحركات المتطرفة
يبدو أن تنظيم القاعدة فى "بلاد المغرب الإسلامي"، الذي يشهد أخيرا حالة ملحوظة الانتشار في منطقة شمال وغرب إفريقيا، يسعى إلى العودة مجددا إلى تونس، عبر تفعيل مجموعاته وعناصره الداخلية، وهو ما أشار إليه مقتل القيادي "بلال القبى"، Hحد أهم مساعدي "عبدالملك درودكال" زعيم التنظيم في الحادي والعشرين من شهر يناير الماضي 2018، على يد القوات التونسية، بعد دخوله إليها للترتيب والتنسيق مع المجموعات الداخلية، لعودة نشاط التنظيم مجدداً.
 هنا الأمر يطرح تساؤلا مهماً حول أهم دوافع تنظيم القاعدة للعودة مجدداً إلى تونس في تلك الفترة، خاصة وأنه يعتمد على الوجود التنظيمي أكثر منه على السيطرة المكانية، بخلاف تنظيم داعش الذي يحرص على السيطرة المكانية على بعض المناطق بشكل كامل، وهذا ما سمح للقاعدة بالوجود في أكثر من دولة فى المنطقة، على غرار الجزائر، وتونس، وليبيا، وتشاد، والنيجر، ومالي.
نشاط متصاعد:
يعد تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي من أكثر فروع التنظيم نشاطاً وانتشاراً، وذلك لتعدد مجموعاته وانتشارها جغرافيا، فضلاً عن امتلاكه أعداداً كبيرة من المقاتلين لديهم خبره تنظيمية وقتالية عالية، إضافة إلى تمتعه بشبكة تحالفات تنظيمية وقبلية فى هذه المنطقة، وهو ما ساعده على مد نشاطه لدول جديدة، مثل بوركينافاسو، يضاف إلى ذلك تعاونه الكبير مع عصابات الجريمة المنظمة، خاصة في مجال تهريب البشر والسلع التجارية والنفطية، وهو ما يدر عليه ملايين الدولارات، مما مكنه من الإنفاق بشكل قوى على مقاتليه وأنشطته الإرهابية.
من جهة أخرى، فإن السمات الشخصية لقادة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في هذه المنطقة، وعلى رأسهم "عبد الملك درودكال" زعيم التنظيم، و"مختار بلمختار" القيادي النافذ، و"إياد أغا غالى" زعيم جماعة أنصار الدين المتحالفة مع القاعدة، والذي صار يطلق عليه بن لادن الساحل والصحراء، لرغبته الدائمة في الزعامة، تدفع باتجاه مد نفوذه إلى تونس، نظراً لأنه زاد نفوذ التنظيم كلما زاد معه دورهم ووزنهم القيادي في المنطقة، كما أن الانتشار الجغرافي الواسع سيمكن التنظيم من البقاء على قيد الحياة أطول فترة ممكنة، كونه سيشتت الجهود الدولية الهادفة للقضاء على الإرهاب.
يضاف إلى ما سبق الدعم الذى تحصل عليه بعض المجموعات القاعدية فى تلك المنطقة، خاصة تلك الموجودة في شمال مالي، من بعض القوى الخارجية على غرار قطر، وذلك في ظل العلاقة التي تربط بين الدوحة وتلك المجموعات، والتي تتخذ من المساعدات الإنسانية ستاراً لها، وهو ما عرضها لانتقادات فرنسية واتهامات بالتورط في تمويل التنظيمات الإرهابية في شمال مالي عام 2012، تحت غطاء تلك المساعدات، والتي تقدمها جمعية الهلال الأحمر القطري. وقد ظهرت قوة هذه العلاقة بين الطرفين عقب اندلاع أزمة المقاطعة بين قطر والدول الداعية لوقف تمويل الدوحة للإرهاب، من خلال دفاع بعض قيادات القاعدة عن قطر ومهاجمة دول المقاطعة، على غرار ما صرح به "عبد الحكيم بلحاج" القيادي في الجماعة الليبية المقاتلة، التي تعد أحدى أذرع "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، عندما هاجم الدول المقاطعة لقطر، وعدِّه أن تلك المقاطعة بمنزلة عدوان على من سماهم "المخلصينَ لأمتهم وقضاياها"، وذلك فى تصريحات له في مجلة "المسرى" القاعدية، في عددها الصادر في 6 يونيو 2017. 
دوافع متعددة:
يبدو أن هناك مجموعة من الدوافع التى تشجع تنظيم القاعدة للعودة إلى تونس مجدداً خلال تلك المرحلة، التى يسعى فيها الى استغلال حالة التراجع الداعشى فى مد نفوذه فى المنطقة، ويمكن تحديد أبرز تلك الدوافع في الآتي:
وجود الفلول القاعدية: برغم عدم وجود تنظيم القاعدة فى تونس بشكل تنظيمى فعال، مثل عدد من الدول كمالى والنيجر وليبيا، فإنه لا يزال يمتلك بعض المجموعات النشطة داخل البلاد على غرار تنظيم "كتيبة عقبة بن نافع"، الذي يعد حالياً واحداً من أنشط المجموعات القاعدية، نظراً لما يتصف به مقاتلوه -رغم قلة أعدادهم- من مهارة تنظيمية وقتالية عالية وقدرة على التعايش مع الطبيعة الجبلية الوعرة فى جبال تونس، كما يمتلك التنظيم أعداداً أخرى تدين له بالولاء الفكري، من المجموعات التي كانت منضوية تحت راية تنظيم "أنصار الشريعة" في تونس، وهو إحدى أذرع القاعدة فى المنطقة، وبالتالي فإن ذلك الوجود يشجع عودة التنظيم إلى تونس، كونها تعد محاولة لإحياء وجوده، وليس خلق وجود جديد، وهو ما أشار إليه بيان وزارة الداخلية فى يناير 2018، والذي صرح بأن هناك تنسيقاً بين كتيبة عقبة بن نافع والقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي لإعادة إحياء التنظيم في تونس.
توافر الموارد البشرية: أثبتت السنوات الأخيرة أن ما يسمى "السلفية الجهادية"، والمنتشرة بشكل كبير فى تونس، صارت المورد البشرى الأول للتنظيمات الإرهابية، وهو ما جعل تونس تحتل المرتبة الأولى من بين كل دول العالم في تصدير المقاتلين الأجانب، خاصة إلى سوريا والعراق، وبالتالي فإن وجود مثل هذا النوع من السلفية فى تونس يمثل دافعاً قوياً للتنظيم على العودة، كونه يمكن أن يوفر له مورد بشرى يمكنه الاعتماد عليه خلال تلك المرحلة، في ظل حرصه على التوسع في المنطقة، لاسيما وأن تلك العناصر يسهل تجنيدها وضمها لصفوف التنظيم، نظراً لأن موروثاتها الفكرية المتطرفة قريبة بشكل كبير من الفكر القاعدي.
منع التمدد الداعشى: من المؤكد أن عودة تنظيم داعش مجدداً إلى منطقة الساحل والصحراء مطلع العام الجاري 2018، أثار قلق تنظيم القاعدة خوفاً من منافسته مجدداً على النفوذ في المنطقة، لاسيما إذا تمكن من استعادة وجوده مرة أخرى في تونس، فى ظل وجود إرهاصات تشير إلى رغبته في ذلك، على غرار ما كشفت عنه السلطات التونسية في السابع من يناير الماضى 2018، عقب إلقاء القبض على القيادي الداعشى "برهان البولعابي"، والذي كان يقود مجموعة تسعى إلى استعادة نشاط التنظيم، وكذلك إلقاء القبض على عدد من الخلايا التابعة للتنظيم، التي تحاول إعادة إحياء تنظيم داعش من جديد، على غرار الخلية التي أعلن عن تفكيكها من قبل وزارة الداخلية التونسية في 26 يناير 2018، في ولاية "سيدي بوزيد"، حيث كانت تقوم باستقطاب بعض الشباب وتجنيدهم لصالح التنظيم وتحريضهم على السفر لليبيا للانضمام إلى المجموعات الداعشية هناك. وفى ظل تلك المحاولات، فإن تنظيم القاعدة يفضل الإسراع بالعودة إلى تونس ليقطع الطريق على أي محاولة من قبل تنظيم داعش للعودة الى تونس وإحياء تنظيم جند الخلافة، وهو ما يمكن أن يهدد الوجود القاعدي في المستقبل.
إيواء العناصر الفارة: في ظل الضغوط التي تتعرض لها عناصر بعض المجموعات القاعدية، خاصة الموجودة في ليبيا، بسب عمليات الجيش الليبي أو الضربات الأمريكية، وهو ما دفع تنظيم "أنصار الشريعة"- إحدى اذرع القاعدة- الإعلان عن حله نفسه في 28 مايو 2017، ثم لحق به تنظيم "سرايا الدفاع عن بنغازي"، الذي أعلن هو الآخر عن استعداده لحل نفسه في 23 يونيو 2017، وهذا ما جعل تنظيم القاعدة يبحث عن معقل أمن يمكن أن يأوي تلك العناصر إذا ما تصاعدت الضغوط عليها، وبالتالي فإن قادة تنظيم القاعدة يعتقدون أن تونس يمكن أن تمثل مأوى لهذه العناصر، إذا ما تمكن التنظيم من العودة إليها مرة أخرى.
أخيرا، يمكن القول: إنه بالرغم من قدرة تنظيم القاعدة فى بلاد المغرب الإسلامى على العودة إلى تونس مجدداً، فإن تلك العودة لا تعنى إقامة إمارة قاعدية، وإنما إعادة إحياء لنشاط التنظيم في البلاد، من خلال بعض مجموعات التى ستكون غالباً متمركزة في الجبال التونسية الوعرة، ثم الانطلاق منها لشن هجمات ارهابية متفرقة داخل البلاد، من خلال العناصر والخلايا النائمة التابعة للتنظيم والموجودة فى عدد من مناطق البلاد، وهو ما يشير إلى خطورة التحدي الذي يمكن أن يواجه الحكومة التونسية، في ظل ما تعنيه من أزمات سياسية واقتصادية. 
 

رابط دائم: