مصر الإفريقية‮ .. ‬تتحدي العولمة
1-4-2018

أحمد ناجي قمحة
* رئيس تحرير مجلة السياسة الدولية
تكرم دورية‮ "‬السياسة الدولية‮" ‬في هذا العدد اسم الراحل الأستاذ‮/ ‬السيد يسين، المؤسس الثاني لمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ودوريتنا، بعد المؤسس الأول د‮. ‬بطرس بطرس‮ ‬غالي،‮ ‬قبل أن تنفصل عن المركز عام‮ ‬1995،‮ ‬وذلك باختياره ليكون شخصية العدد‮.‬
واقع الأمر أن اختيار السيد يسين لا يمكن أن يمر دون محاولة تطبيق بعض مما تركه لنا من علم في تفسير وفهم الظواهر، والتفاعلات، والمشكلات الإقليمية والدولية‮. ‬إن آخر ما توصل إليه الأستاذ السيد يسين من تعريف للعولمة هو‮: "‬سرعة تدفق السلع والخدمات ورءوس الأموال والأفكار والبشر بين الدول والمجتمعات بدون حدود ولا قيود‮"‬، أي أن العولمة لها أبعاد سياسية تتمثل في شعارات ثلاثة‮: ‬الديمقراطية، وحقوق الإنسان، واحترام الحريات والتعددية، كذا لها أبعاد اقتصادية تتمثل في حرية التجارة، وحرية السوق، وأيضا أبعاد ثقافية تبدو في التوجه نحو تبني‮ "‬كود‮" ‬ثقافي عالمي موحد يتضمن أهم القيم الأساسية التي ينبغي أن تطبق علي جميع الشعوب والمجتمعات‮. ‬وأخيرا، فإن لها أبعادا اتصالية تتجلي في أن العالم أصبح‮ "‬قرية كونية صغيرة‮"‬، وأصبح البشر في جميع أنحاء العالم وحدة اتصالية واحدة عبر شبكة المعلومات الدولية، وأيضا من خلال تطبيقات الهاتف المحمول الذكي‮.‬
وإذا ما تعمقنا في فهم المزيد عن‮ "‬العولمة‮"‬، وربطنا بينها وبين نظرية‮ "‬حروب الجيل الرابع‮"‬، ونظرية‮ "‬الدور‮" ‬في العلاقات والتفاعلات الدولية، لأمكننا أن نفهم بسهولة أننا أمام أكبر خدعة تاريخية، تم بها سلب إرادة شعوب وهزيمة معسكرات ودول كبري، لمصلحة دول بعينها، ودون مراعاة لأية أبعاد إنسانية أو تنموية، ودون مراعاة لتطبيق قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تمت المتاجرة بها‮. ‬فلم تنبعث الديمقراطية، ولم تتحقق الحريات، فقط تزايدت معدلات الإرهاب لإفشال الدول التي عصيت علي أن تنهار أمام تكتيكات حروب الجيل الرابع‮. ‬كما تفاقمت الأزمات الاقتصادية، ولم تتحقق العدالة في التنمية، ولا الحرية في التجارة، فقط كما لو كنا أمام خدع وشراك استخدمت أدوات العولمة لكي تحدث تغيرات عميقة في ثوابت الواقع الجغرافي والتاريخي، مهما تكن تكلفته الاستراتيجية علي شعوب، كثيرا ما خدعت بشعارات براقة‮.‬
فاليوم، وبعد سنوات طويلة من‮ "‬العولمة‮" ‬وتطبيقاتها في أوروبا الشرقية، والمنطقة العربية، والقارة الإفريقية، صارت حالة اللايقين هي الحاكم الرئيسي في مسار أي تحليل، فما هو ثابت اليوم هو متغير‮ ‬غدا بفعل تضافر عوامل، بات المتحكم فيها عدوا خفيا‮. ‬ولم تعد الاقترابات والنظريات في مختلف أفرع العلوم السياسية والاجتماعية قادرة علي تقديم فهم وتنبؤ مستقبلي بمسارات الأحداث‮. ‬وبالتالي، فمن الظلم كثيرا علي دولة بحجم مصر أن نستمر في جلد ذاتها أكثر من ذلك فيما يتعلق بإدارتها لملف علاقاتها الإفريقية، والتي شهدت بالفعل انحسارا، ولكنه انحسار يرتبط بوضع مصر في قلب دائرة طاحنة من الظروف والمتغيرات‮ "‬العولمية‮"‬، والتي أسهمت في إضعاف مراكز الثقل والقوة للدولة المصرية عربيا وإفريقيا‮. ‬ففي مقابل تعظيم المكاسب لمصلحة أعداء تقليديين، كان من المهم أن يوجدوا في الحاضن الإفريقي، تمهيدا لأدوار محسوبة يلعبونها في ظل تراجع الدور المصري في توقيت محدد يبدأ مع إشعال المنطقة العربية في أحداث الفوضي التي تلت ما سمي‮  "‬الربيع العربي‮"‬، وهو ليس كذلك‮.‬
ومن أجل استعادة العمق الإفريقي، بذلت وزارة الخارجية المصرية، والسيد رئيس الجمهورية، خلال السنوات الأربع الماضية، جهودا مضنية، من أجل إعادة إحياء وتفعيل الدور المصري، بعد فترة من اختلال التوازن للدولة المصرية، عقب الخلل الرهيب الذي ضربها بعد أحداث يناير‮ ‬2011،‮ ‬التي جعلت من بعض الملفات الإقليمية الشائكة أداة ضاغطة عليها، خلال الفترة الأخيرة، بدلا من أن تكون نواة للتعاون والتكامل، والشراكة الاستراتيجية في المستقبل، وفتحت المجال أمام ضرورة التعاطي مع تلك الملفات بشكل مباشر وغير مباشر، بما لا يهدد المصالح المصرية‮.‬
فكثيرا ما حظيت القارة الإفريقية باهتمام ملحوظ، واحتلالها مرتبة متقدمة في أجندة السياسة الخارجية المصرية، خلال الفترة الماضية، وتحديدا عقب صعود الرئيس السيسي إلي السلطة عام‮ ‬2014،‮ ‬وسعي مصر الحثيث نحو استعادة دورها في القارة الإفريقية من أجل ملء الفراغ‮ ‬الذي خلفته سياسات الحكومات المتعاقبة لمصلحة قوي إقليمية مناوئة تلعب أدوارا مقاومة لأي وجود مصري في القارة الإفريقية‮.‬
وقد شهدت التحركات المصرية علي الساحة الإفريقية أخيرا العديد من التطورات الإيجابية، أهمها تحسين وتدفئة العلاقات مع الجانبين الإثيوبي والسوداني، بعد فترة من البرود، والشد والجذب، أسهم فيها للأسف معالجات إعلامية خاطئة كادت تعصف بالعلاقات الاستراتيجية مع أهم دولتين محوريتين تتمتعان بعلاقات تاريخية مع مصر‮. ‬وقد توج هذا التطور الإيجابي بزيارة السيد‮/ ‬عمر البشير، رئيس جمهورية السودان، لجمهورية مصر العربية، وحضوره لقاء الأسرة المصرية يوم الاثنين‮ ‬19‮ ‬مارس‮ ‬‭.‬2018‮ ‬وعقب التراجع الذي تسببت فيه بعض التطورات التي شكلت عبئا علي السياسة الخارجية المصرية، خلال الفترة ما بعد أحداث يناير‮ ‬2011‮ ‬حتي عام‮ ‬2014،‮ ‬استأنفت مصر عضويتها في منظمة الاتحاد الإفريقي قبيل قمة مالابو في‮ ‬غينيا الاستوائية في يونيو‮ ‬2014،‮ ‬وحضور الرئيس السيسي للقمم الإفريقية المتعاقبة منذ توليه الرئاسة، بما فيها القمة الأخيرة في إثيوبيا، فيما عدا قمة جوهانسبرج بجنوب إفريقيا في‮ ‬‭.‬2015
كذلك، حصلت مصر علي عضوية مجلس الأمن والسلم الإفريقي لمدة‮ ‬3‮ ‬سنوات، ورئاستها للجنة المناخ في الاتحاد الإفريقي خلال العامين الماضيين منذ‮ ‬2015،‮ ‬علاوة علي حصول مصر علي العضوية‮ ‬غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي، وتمثيلها للقارة الإفريقية،‮ ‬إلي جانب دولتي السنغال وأنجولا لمدة عامين‮ ‬2016‮ ‬و2017،‮ ‬وانخراط مصر في العديد من القضايا والملفات التي تشغل أجندات دول القارة الإفريقية، وعلي رأسها السلم، والأمن، ومكافحة الإرهاب‮.‬
مما سبق، يمكننا بدقة أن نحدد دائرة السياسة الخارجية المصرية الإفريقية بعدِّها العمق الاستراتيجي المصري، استنادا إلي أسس الجغرافيا، والتاريخ، والفكر الحضاري، إضافة إلي الدائرة العربية‮. ‬فموقع مصر في قلب الوطن العربي، وتراثها، ووزنها السياسي، كل ذلك فرض عليها الدور القائد علي مدار التاريخ، وجعلها عامل الوصل بين شرق الوطن العربي وغربه، في قارتي آسيا وإفريقيا، إضافة إلي الامتداد في العمق الإفريقي‮. ‬ولعلها من المرات القليلة التي تتمتع فيها دولة بهذا الحجم من الثقل والتأثير، والدور الفاعل في دائرتين من أهم دوائر سياستها الخارجية وأمنها القومي، ويكون موقعها الجغرافي هو حلقة الوصل بين الدائرتين‮. ‬والمشاهد‮ -‬علي سبيل المثال‮- ‬للقوة العظمي الولايات المتحدة الأمريكية أن الدوائر التي يهتم بها أمنها القومي وسياستها الخارجية في الشرق الأوسط، وإفريقيا، وآسيا، تفصلها عنها محيطات وبحار‮. ‬ولعل ذلك ما يدفعها، كما الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة، للبحث عن موقع قدم في هذه الدوائر، إن لم يكن بالاحتلال المباشر، كما كان الحال قديما، فقد يكون بإضعاف الدور لأصحابه التقليديين، ومحاولات هدم الدول والكيانات الكبري وتفكيكها، وذلك لمصلحة قوي ودول يمكن أن تكون أكثر طوعا في الحفاظ علي المصالح الأمريكية، المباشرة وغير المباشرة‮.‬
إن مصر، وهي تعيد بناء شراكتها الاستراتيجية المستقبلية مع القارة الإفريقية، ينبغي عليها أن تراعي أبعادا مختلفة جرت وتطورت في سياقها التفاعلات الإقليمية علي مدار السنوات القليلة الماضية، لعل من أهمها ما يلي‮:‬
1‮- ‬التحديد الدقيق لأوزان القوي الفاعلة‮ (‬من الدول ومن‮ ‬غير الدول‮) ‬في إفريقيا، وكذلك التحديد لمنظومة أهداف ومصالح كل منها، الآنية والمستقبلية، وأيضا التحديد لأساليبها، ولأدواتها، ولسلوكياتها، ولممارساتها الواقعية مع الدول الإفريقية، والمتابعة، والمراجعة، والتقييم لما حققته، وما لم تحققه من أهداف ومصالح، واستثمار وتوظيف العلاقات مع اللاعبين والفاعلين الدوليين والإقليميين، الذين حرصت مصر علي إقامة علاقات متوازنة معهم، طوال السنوات الأربع الماضية، وكذلك تفعيل دور المنظمات الدولية والإقليمية ذات الشأن بالتطورات والتنمية المستدامة لإحداث طفرة حقيقية في مستوي التنمية للمواطن الإفريقي علي مختلف المستويات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، بما يعمق روابط الاندماج والتواصل الإفريقي، بدلا من معاملات التفسيخ التي فرضتها أدوات العولمة‮.‬
2‮- ‬حماية الدول الإفريقية من محاولات الإفشال والهشاشة‮. ‬فمما لا شك فيه أن العديد من دول القارة الإفريقية كادت تعصف بها محاولات الإضعاف والهشاشة، التي كادت تصل ببعضها، بل ووصل بعضها بالفعل، لمستوي الدولة الفاشلة‮. ‬ومن ثم وإدراكا من مصر لأهمية القارة الإفريقية، ومحورية الدور المركزي المستقبلي الذي يمكن أن تلعبه القارة في مستقبل الاقتصاد العالمي، فإنه ينبغي تكثيف أطر التعاون الثنائي المباشر، والإقليمي متعدد المستويات، والقاري الشامل، بحيث يتم الحفاظ علي مؤسسات الدول الإفريقية، ومنع انهيارها، ومساعدة التي اقتربت من الفشل، والتي وصلت للفشل علي النهوض، من أجل التصدي الجاد للتحديات التي فرضت علي شعوب القارة علي مدار قرون الاستعمار، وسنوات العولمة‮.‬
3‮- ‬الملف الأمني في إفريقيا، وإن كان يتصدره ملف الإرهاب والتنظيمات الإرهابية، التي بدأت تعصف باستقرار العديد من دول القارة، وتفرض عليها تحديات مستقبلية هائلة، فإن باقي الأزمات التي عصفت بالعديد من دول القارة، علي مدار السنوات الماضية، وانتشار المجاعات والأوبئة، وعناصر الجريمة المنظمة، التي تتاجر في الأعضاء البشرية، وتضطلع بتعميق أزمة الهجرة‮ ‬غير الشرعية، كلها قد فرضت علي القارة تحديات تتعلق بالأمن الإنساني، وحولت ملفات عديدة يمكن أن تدار عبر الإطار الطبيعي للسياسات العامة للدولة لكي تتصدر تهديدات الأمن القومي للدول الإفريقية، والأمن القومي الإفريقي بصفة عامة‮.‬
الأمر، علي هذا النحو، يتطلب التنسيق بين جميع مؤسسات الدولة المعنية بالتعاون مع القارة الإفريقية، وصياغة رسالة إعلامية وثقافية مختلفة تتناسب والمتغيرات التي تأثر بها المواطن الإفريقي المعولم، الذي لم يعد هو ذاته المواطن الإفريقي، إبان حقبة الزعيم عبدالناصر، تماما كما لم يعد المواطن المصري هو المواطن المصري نفسه خلال الحقبة ذاتها، بشكل يتناسب مع تطورات تكنولوجيا الاتصال والتواصل، ويستجيب لتطلعات المرحلة الحالية، وما يمكن أن يبني عليه بشأن مستقبل العلاقات المصرية‮ - ‬الإفريقية، بما يمثل دعامة قوية للتحركات الدبلوماسية المصرية الجادة في القارة‮.‬
 




رابط دائم: