لماذا تجدد ألمانيا وفرنسا الدعوة لإنشاء جيش أوروبي موحد؟
12-3-2018

منى سليمان
* باحثة فى العلوم السياسية.
أعلنت برلين يوم 9 مارس 2018 عن انتهاء المستشارة الألمانية "إنجيلا ميركل" من تشكيل الحكومة الائتلافية الجديدة بعد ستة أشهر من المفاوضات المتعثرة مع الائتلاف الاشتراكي، شريكها في الحكم. وهناك العديد من الملفات الداخلية والخارجية التي تنتظر "ميركل" للبدء في معالجتها، ومن أبرزها على المستوى الأوروبي دعوتها المشتركة مع الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" لإنشاء جيش أوروبي موحد، وهي الدعوة التي أطلقوها مجددا في مؤتمر "ميونيخ للأمن" الذي عقد بفبراير 2018، وأحدثت صدى واسعا أوروبيًا ودوليًا. 
دعوات مستمرة:
لم تكن الدعوة لإنشاء جيش أوروبي موحد جديدة، بل إنها تتكرر منذ عقدين، كما أن معاهدة "ماستريخت" التي أنشئ بموجبها الأتحاد الأوروبي عام 1991 نصت على "وضع سياسة خارجية وأمنية تُستكمل بسياسة دفاعية مشتركة عندما تنضج الظروف". وفي عام 1999، كانت أولى الخطوات لتفعيل هذه السياسة عقب أزمة كوسوفو، حيث صدر قرار ينص على تشكيل قوة أوروبية مشتركة قوامها 60 ألف جندي. 
وخلال عقدين، ركزت الدول الأوروبية على توحيد السياسات الاقتصادية والمالية لها وإنشاء عملة موحدة وتحويل الجماعة الأوروبية للاتحاد الأوروبي. ثم تجددت الدعوة لإنشاء جيش أوروبي موحد بفعل تصاعد التهديدات الأمنية لدول الاتحاد والتي أتخذت أشكالا غير تقليدية.
ففي مايو 2015، دعا "جان كلود يونكر"، رئيس المفوضية الاوروبية، لتأسيس جيش أوروبي مشترك، لأن ذلك سيؤكد للعالم أنه لن يكون هناك أي حرب جديدة بين دول الاتحاد. كما أعلن رئيس الحكومة المجرية "فيكتور اوربان" أنه يجب "البدء ببناء جيش اوروبي مشترك"، وكذلك دعا رئيس الحكومة التشيكية "بوهوسلاف بوسوتكا" لإجراء نقاش حول "امكانية انشاء جيش أوروبي مشترك". ثم في عام 2017 وعقب فوز الرئيس الفرنسى "إيمانويل ماكرون" بمنصبه، جدد الدعوة للتوحد الأوروبي الكامل، وإنشاء جيش أوروبي موحد، ومثلها من الدعوات لن تجد سبيلاً للنجاح على أرض الواقع، متوقعاً صعوداً للروس على حساب الأوروبيين والأمريكيين، وهو ما يتسق مع رؤية "ماكرون" لقيادة أوروبا عبر تأسيس جديد لأوروبا ذات سيادة وموحدة وديمقراطية، وتأسيس جيش مشترك واتباع سياسة مالية مشتركة، وتعيين وزير مالية مشترك في منطقة يورو كبيرة.
وتم تكثيف الدعوة خلال مشاركة عدد من المسؤولين الأوروبيين بمؤتمر "ميونيخ للأمن" الذي عقد في ألمانيا بفبراير 2018(مؤتمر سنوي شارك به رؤساء أجهزة أمن واستخبارات من 32 دولة رئيسية وزعماء 21 دولة، ووزراء خارجية 72 دولة، و600 شخصية عالمية لبحث التهديدات الأمنية الأوروبية والعالمية)، حيث أكدت المستشارة الالمانية "إنجيلا ميركل" أن وقت "اعتماد أوروبا على الغير قد انتهى" ، فيما دعت وزيرة الدفاع الفرنسية "فلورنس بارلى" يوم 16 فبراير 2018 الدول الأوروبية لامتلاك "استقلالية استراتيجية" فى مجال الدفاع مع الإبقاء على عضويتها في حلف شمال الأطلسى "الناتو". وطالبت نظيرتها الألمانية "أورسولا فون درليين" أوروبا بأن تتولى تسوية المشكلات الأمنية التي تواجهها في محيطها. كما أكد وزير الخارجية الألماني "زيجمار جابرييل" أن على الدول الأوبية الاتفاق على تعاون مستقبلي في شأن القضايا الدفاعية والأمنية لتكون بمثابة لحظة فارقة في التطور الأوروبي.
اتفاقية "بيسكو":
بدأت الدول الأوروبية بالفعل في اتخاذ خطوات تنفيذية نحو صوغ سياسة دفاعية وأمنية مشتركة، تمثلت في توقيع اتفاقية "بيسكو". ففي منتصف نوفمبر 2017 ، وقعت 23 دولة في الاتحاد الاوروبي مذكرة التعاون "الهيكلي الدائم في الامن والدفاع" (بيسكو- PESCO)، التي تعني بالتزامها بتعاون أمنى ودفاعي استراتيجي طويل المدى ودائم، مما يتيح للدول الأوروبية الموقعة التعاون بشكل أوثق لبناء القدرات الأمنية والعسكرية، مما سيتيح لها تنفيذ عمليات عسكرية ومهمات تدريب في مناطق الجوار الأوروبي. والمذكرة تضم 50 اقتراحاً تتعلّق بمشاريع بحثية وبتطوير صناعي عسكري، طرحت نتيجة مبادرة فرنسية - ألمانية قدمت لدول الأتحاد في خريف عام 2015، أى أنها طرحت بعد عام ونيف من ضمّ موسكو شبه جزيرة القرم إليها عام 2014. ووفق المذكرة، سيتم إنشاء صندوق أوروبي برأس مال 5.5 مليار يورو لتمويل برامج البحوث والتطوير العسكريين، ومشاريع الصناعات العسكرية المتقدمة، و90 مليون يورو لتمويل برامج البحوث والتطوير حتى عام 2020، مما يمثل 2% من ميزانيات الدفاع للدول الاعضاء بها. 
وبهذا، فإن الاتفاقية ستمثل نقلة نوعية للوصول الى تكامل دفاعي أوروبي بعد انسحاب بريطانيا التي اعترضت دوما على صوغ سياسة دفاعية أوروبية موحدة، كما أعلنت البرتغال والدنمارك ومالطا اعتراضها على المذكرة ولم توقعها، بيد أن المذكرة تتيح انضمام اى دولة جديدة لها.
وقد رحّبت واشنطن والأمين العام لحلف "الناتو" "ينس ستولتنبرغ" بالآلية الجديدة معتبراً أنها ستتيح زيادة الإنفاق العسكري ورفع مستوى القدرات وتحمّل الاتحاد مزيداً من المسئوليات في الدفاع عن أوروبا.
دوافع أوروبية:
المتابع للشأن الأوروبي سيجد أن المواقف الفرنسية والألمانية خلال العام الماضي تشهد تطابقًا وتنسيقًا مستمرًا في ملفات الشرق الأوسط، والدعوة لتطوير الأتحاد الأوروبي، وهذا يرشح "ميركل، ماكرون" ليقودا معا الاتحاد نحو مرحلة جديدة من تطوره عقب خروج بريطانيا منه. هذا التنسيق الفرنسي- الالماني كان أحد الدوافع لتكثيف الدعوة لإنشاء جيش أوروبي موحد في الوقت الراهن، فضلا عن عدد من الدوافع الأخرى، ومنها:
*أزمات الشرق الأوسط: خلال العقد الأخير، تعرضت الدول الاوروبية لأزمات أمنية غير تقليدية، منها أزمة تدفّق اللاجئين عبر اليونان وإيطاليا، إذ دخل أراضيها أكثر من مليون لاجئ ومهاجر في غضون شهور قليلة. كما أن التهديدات الامنية تتركز في دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط ومنطقة شرق أوروبا، أى أنها على الحدود الفرنسية الجنوبية، أو الحدود الألمانية الشرقية. وهذا كان دافعا لكي تكثف الدولتان دعوتهما لإنشاء جيش أوروبي موحد لمواجهة اللاجئين، والإرهابيين العائدين من سوريا تحديدًا، ويتمتعون بجنسيات أوروبية، مما يتطلب تكثيف التعاون الأمني بين دول الاتحاد لمواجهة مثل تلك التهديدات.
*فراغ أمني: مثل انسحاب بريطانيا من الاتحاد الاوروبي فقدانه القوة النووية الثانية في أوروبا بعد فرنسا، مما أدى لإثارة مخاوف من حدوث فراغ أمني بدول الاتحاد. وقد عزز تلك المخاوف سياسات الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" الذي رفع شعار "أمريكا أولاً"، وشجع الانسحاب البريطاني، وشكّك في جدوى حلف "الناتو" وطالب أعضاءه بتقاسم الاعباء المادية والعسكرية له بشكل متساو كي لا تتحمل واشنطن العبء الأكبر.
*تصاعد النفوذ الروسي: منذ انتزاع موسكو لجزيرة القرم من أوكرانيا وضمها لأراضيها في 2014، ودول البلطيق بشرق أوروبا تتخوف من احتلالها من قبل روسيا، نظرا لضعف جيوش تلك الدول التي لن تتمكن من رد العدوان الروسي. وكذلك، فان تواجد القواعد العسكرية للناتو في تلك الدول ضعيف. وقد وصفت دول البلطيق "مناورات غرب روسيا 2017" التي أجرتها موسكو على حدود تلك الدول بأنها تجربة لاحتلالها. كما كثفت موسكو من تواجدها العسكري في شمال غربي روسيا، مما يشكّل تهديداً لأمن دول البلطيق والبلدان الإسكندنافية، فضلا عن الاتهامات الاوروبية لموسكو بالتلاعب بنتائج انتخابات بعض الدول الصغيرة بالاتحاد، وشن موسكو حرباً سيبيرانية ضد دول الاتحاد، مروراً بالدعم الروسي للنظام السوري وكوريا الشمالية، وامتناع موسكو عن الالتزام بمعاهدات خفض التسلّح. 
*حرب باردة جديدة: يرجح الكثير من المراقبين أن العالم يمر بأجواء حرب باردة فعلية، وربما تكون مقدمة لحرب عالمية جديدة، حيث يتصاعد التنافس الروسي- الأمريكي. وقد كشف التقرير السنوي للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن لعام 2018 أن الصين وروسيا تتحديان الهيمنة العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، الأمر الذي باتت تداعياته ظاهرة على مناطق النزاع في منطقة الشرق الأوسط، وأن جيوش الدول الثلاث الرئيسية الكبرى (الولايات المتحدة والصين وروسيا) شرعت في جهود الاستعداد الممنهج لاحتمالات نشوب الصراع. فما هو الموقف الأوروبي من اندلاع حرب عالمية جديدة؟ وكيف ستحافظ على أمنها؟ لا بد لها من وجود آلية أوروبية لتحقيق ذلك، ويمكن أن تكون في جيش أوروبي موحد.
* مجد شخصي: يسعى "ماكرون" لقيادة الأتحاد الأوروبي، فهو رئيس طموح ويرغب في تعزيز مكانة فرنسا أوروبيا ودوليا، والسبيل لذلك هو الفوز بزعامة الاتحاد، عبر تأسيس جيش أوروبي موحد، وكذلك تطمح "ميركل" التي تتولى منصب المستشارية للولاية الرابعة والاخيرة لختام حياتها السياسية بتحقيق إنجاز أوروبي ينسب لها مثل تأسيس جيش موحد. وكذلك، فإن النجاح على المستوى الأوروبي سيكون دافعًا للطرفين لتحقيق مكاسب انتخابية في الاستحقاقات الديمقراطية القادمة بفرنسا وألمانيا. 
عوائق مختلفة:
*ضعف البنية العسكرية الأوروبية: بالرغم من أن تقرير لندن للتوازن العسكري لعام 2018 يعكس أن الدول الأوروبية شهدت أسرع نمو للإنفاق الدفاعي الفعلي عام 2017 بنسبة 3.6 %، فإن الخبراء العسكريين يؤكدون ضعف البنية العسكرية الأوروبية، لأن الاستثمارات الدفاعية لا توجه لتعزيز جهود القوات المسلحة الأوروبية لمجابهة التحديات المستقبلية. وهناك حاجة ملحة إلى الإنفاق الذكي لأجل المساعدة في التصدي للتهديدات المتوقعة مستقبليا. كما أن غالبية دول الاتحاد تفتقر عسكرياً إلى قدرات النقل الاستراتيجي والأقمار الاصطناعية والقيادة المركزية. كما كشف تقرير برلماني ألماني عن ضعف جهوزية الجيش بعد خروج الغواصات الست التي يمتلكها من الخدمة، وتعطيلها بسبب مشاكل تقنية. كما أن عدد القوات قليل مقارنة بدول اخرى، حيث يتكون الجيش الألماني من  180 ألف جندي فقط، وهذا لا يتناسب مع دولة تسعى لتكوين جيش أوروبي كبير ستضطلع بالدور المركزي فيه.
*أزمات بنيوية داخلية: هناك العديد من الأزمات الداخلية التي تعرقل إنشاء جيش أوروبي موحد، منها غياب سياسة أمنية أوروبية موحدة. فحتى اليوم وبعد 6 عقود من الوحدة الاقتصادية، عجزت الدول الاوروبية عن صوغ سياسة أمنية موحدة، مما يؤكد عدم وجود رغبة فعلية في تحقيق ذلك، نظرا لتعارض المصالح الامنية والسياسية بين الدول الاعضاء. وكذلك، فان تفعيل هذا الإقتراح سيؤدي لجعل قرار إرسال قوات عسكرية أوروبية بيد مسئولين غير منتخبين يمكنهم إرسال القوات إلى مهام قتالية بغير موافقة الشعوب الأوروبية. كما ان الاتحاد الاوروبي يتعرض لأزمة بنيوية بعد انسحاب بريطانيا، وتصاعد النزعات الانفصالية في دول الاتحاد ذاتها عبر مطالبة اقاليم صغيرة بالانفصال، وتكوين دول جديدة (اسكتلندا، كاتالونيا، الباسك)، مما دفع محللين الى توقع تفكك الاتحاد الاوروبي بحلول عام 2040. 
*صعود اليمين الأوروبي: نافست زعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية "ماري لوبان" في الانتخابات الرئاسية للمرة الاولي في 2017، وكذلك فازت في الانتخابات المحلية بفرنسا، وكذلك وصل حزب "البديل" اليميني المتطرف للبوندستاج الألماني لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية 1945. فماذا سيكون موقفهم من الجيش الأوروبي الموحد، حال تولى أحد تلك الأحزاب اليمينية الحكم في فرنسا أو ألمانيا؟ هل سيتم تكرار سياسات هتلر مرة اخرى؟ 
*تنافس فرنسي- ألماني: إن التنسيق والتشاور الفرنسي- الألماني الحالي سرعان ما سيتحول لتنافس حول قيادة الجيش الموحد، وأماكن تمركز قواته وطبيعة مشاركة كل دولة فيه. كما أن الجيش الأوروبي سيسهم في إضفاء شرعية على التدخل العسكري الخارجي لفرنسا وألمانيا، خاصة الحملة الفرنسية لمواجهة الجماعات الإرهابية في  شمال إفريقيا بمالي والسنغال، فضلا عن مخاوف الدول الأوروبية الصغيرة من سيطرة دول كبيرة كفرنسا وألمانيا على الجيش الموحد، وجعله أداة بأيديهم لتهديد الدول الصغيرة. وهذه المخاوف تتجه تحديدًا لألمانيا التي تعد قاطرة الاقتصاد الأوروبي وأقوى دوله، فهل ستقبل بتقاسم المسئوليات مع دول أصغر؟
*استياء أمريكي: رغم أن "ترامب" دعا غير مرة الأتحاد الأوروبي لتحمل نفقاته الدفاعية، فإن المسئولين الأمريكيين أبدوا قلقهم من احتمال انتهاج القارة الأوروبية سياسات حمائية في القطاع الدفاعي. وأعلنت "كايتي ويلباجر"، أبرز مساعدي وزير الدفاع الأمريكي "جايمس ماتيس"، أن بلادها تسعى إلى تناغم اتفاقية "بيسكو" مع "الناتو"، وإحداث تكامل بينهما، وعدم تقليص قوى الناتو ونقلها إلى الاتحاد الأوروبي. وأكدالمحلل السياسي الروسي "أندريه كوشكين" أن واشنطن لن تسمح للاتحاد الأوروبي بإنشاء الجيش الخاص به لكي تظل تسيطر على أوروبا التي تعتبر "المجال الحيوي" لها. وحال تم ذلك، فسيؤدي لتقليص دورها في الناتو وعلى الصعيدين الاوروبي والدولي. كما ان الدعوة الاوروبية تكشف عن فقدان ثقة في الشريك الامريكي، وتؤكد رغبة الدول الاوروبية في الاعتماد على نفسها لتشكيل سياسة دفاعية مستقلة عن واشنطن، لان تهديدات الامن الاوروبي ليست متسقة مع مثيلاتها الامريكية. 
وختاما، فإن التوجه الأوروبي لإنشاء جيش موحد، رغم كافة العقبات التي تعرقله، تؤكد أن هناك العديد من المؤشرات التي تنذر بإمكانية بزوغ نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، سيكون فيه دور بارز للدول الأوروبية. 

رابط دائم: