خصوم السعودية ومزاعم العلاقة مع إسرائيل
23-11-2017

أحمد بديوي
* كاتب وصحفي مصري
وسط حديث لا ينتهي عن العلاقات العربية- الإسرائيلية، يظل الخوض في ملف التقارب الإسرائيلي- السعودي (حقيقته، وحدوده، وأبعاده) ذا طبيعة خاصة، ليس فقط لأن الموقف الرسمي ينفي وجود علاقة (حيث لم تَحْظَ إسرائيل منذ نشأتها عام 1948 حتى الآن باعتراف الرياض) لكن للتفاصيل التي تخرج من عواصم بعينها، وتُلِح (رغم معطيات وأدلة يجري التشكيك فيها) على وجود تقارب.
 تناوُل العلاقات السعودية- الإسرائيلية جزء من حالة يجري التسويق لها منذ سنوات.. زادت وتيرتها زيادةً كبيرةً خلال الفترة الأخيرة.. يصطدم الباحث فيما يتم طرحه من تفاصيل (توصف بالسرية) بـ"طرف ثالث".. يبدو هذا الطرف (إيران – قطر – تركيا - إسرائيل نفسها) أكثر اهتمامًا بتوسيع دائرة الجدل حول هذه القضية شديدة الحساسية.
 
سبعون عامًا، أو يزيد، وإسرائيل تواصل البحث عن "حضن دافئ" وسط المنطقة العربية.. تتجاوز عن إرثها المرير الذي خلفته عصابات (ولاحقًا حكومات متعاقبة) لجأت إلى السلاح في مواجهة شعب آمن.. منذ نشأتها راحت تختار بعناية قائمة المدن والبلدات والقرى الفلسطينية المخطط إخلاؤها وتطهيرها.. لم تتوقف فاتورة القتلى والمصابين والمهجرين قسريًّا بمرور الوقت.
 تحولت فلسطين من بقعة مقدسة ذات رمزية خاصة لدى المسلمين والمسيحيين، إلى بحيرة دماء لا تجف بفعل جرائم مستمرة.. فوق الدماء والأشلاء، تم الإعلان عن دولة بـ"قوة الأمر الواقع".. تدخلت قوى دولية لدعم الكيان الوليد.. تتعدد الأسباب في هذا الشأن، لا سيما الرهان على إسرائيل في حماية المصالح الغربية وسط منطقة الموارد العربية.
 جرأة إسرائيل، وشعورها بزهو القوة، جعلاها تقدم البندقية على غصن الزيتون.. لم تكتف بممارساتها داخل فلسطين.. التحرش بالجوار (العدوان الثلاثي على مصر 1956- نكسة يونيو 1967 ضد مصر وسوريا والأردن) ظل نهجها الرئيس.. وحدها مصر، مَن لقن إسرائيل الدرس الأكثر قسوةً (حرب أكتوبر 1973) فاستردت الأرض بالسلاح.. والتفاوض.
 معطيات كثيرة جعلت مصر تنحاز إلى التفاوض، وتوقيع اتفاق يوصف بـ"سلام المنتصر" الذي يتوافق مع متغيرات إقليمية ودولية، ونزع فتيل أزمة أكبر، بعدما استغاثت "إسرائيل" بالأمريكان عقب جولة أولى حاسمة خلال حرب أكتوبر.. بادر على إثرها الجيش الأمريكي إلى إرسال أفضل ما في ترسانته العسكرية من أسلحة ومعدات إلى سيناء، عبر "جسر جوي" شهير.
 لم تخرج مصر من المشهد.. ظلت ومعها العواصم العربية الفاعلة (لاسيما الرياض) ضمن دائرة الاستهداف الإسرائيلية.. واصلت "تل أبيب" تحين الفرص للانتقام من جوارها العربي، عبر التآمر على المنطقة بشتى الصور، وخلط الأوراق، والدفع بالشعوب نحو حروب أهلية، استغلالًا لقوى وظيفية، وروافد محلية.. نجا البعض مما يحاك، فيما ابتلعت المؤامرة (المستمرة) دول كانت ملء السمع والبصر.
 
في كل تلك المحطات، كانت السعودية ترصد وتراقب وتشارك قدر طاقتها في المجهود العربي ضد إسرائيل.. ظروف متعددة قبل 15 عامًا دفعت الرياض إلى إعلان "مبادرة مشروطة" من شأنها حسم الجدل في علاقتها مع إسرائيل.. رأت الرياض في "مبادرة السلام العربية"، التي تبناها الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، المخرج الكفيل بإنجاز "سلام شامل" في المنطقة العربية.
 المبادرة السعودية ليست شيكًا على بياض.. الزعماء العرب (حضور قمة بيروت في مارس 2002) كانوا شهودًا عليها.. دعمت المبادرة -بجانب جهود مصرية تستهدف لم الشمل الفلسطيني- موقف الجبهة العربية في مواجهة إسرائيل.. تطالب المبادرة تل أبيب بـ"دعم دولة فلسطينية معترف بها دوليًّا على حدود 1967، عاصمتها القدس الشرقية، وحل مشكلة اللاجئين، والانسحاب من هضبة الجولان المحتلة.
 تحسب السعودية خطواتها جيدًا.. تعلم أن شعبها قبل محيطها العربي، سيكون رد فعله غير مسبوق إذا أقدمت على أي خطوة "غير محسوبة" تجاه إسرائيل. ومن ثم، ترى أن المخرج الوحيد سيكون عبر تسوية أوسع ترضي أولًا مطالب الفلسطينيين، وتحسم قضايا الحل النهائي (القدس - اللاجئون – الحدود – المياه - الاستيطان) المعلقة حتى الآن.. ومع ذلك يستمر الجدل حول العلاقة بين طرفين؛ أحدهما ينفي وجوده والآخر يواصل تأكيد التقارب.
 الجناح المشكك في وجود علاقات سعودية-إسرائيلية يستشهد بالدعمين (المادي والمعنوي) الذي تقدمه الرياض للفلسطينيين (تصديها في المحافل الإقليمية والدولية لمسلسل العدوان الإسرائيلي - توصيات وقرارات مجلس التعاون الخليجي ومنظمة التعاون الإسلامي الصادرة عن القمم الدورية والاستثنائية والتشاورية، التي تواصل التحذير من المشروع الصهيوني على الشعب الفلسطيني، والمنطقة العربية ككل).
 خصوم الرياض في الإقليم (وعلى أطرافه) يواصلون اتهامها بـ"علاقات سرية" مع "تل أبيب".. يستغلون القلق من خصم مشترك (إيران) في دعم حديثهم المتواصل لهذا الخصوص.. تستفيد إسرائيل من زعزعة الثقة بين العواصم العربية-الإسلامية، ومن التداخل الإيراني-القطري-التركي المؤيد لاستمرار "الانقسام الفلسطيني"؛ مما يمثل خيارًا رئيسًا لإسرائيل الراغبة في تغييب شريك التفاوض الفلسطيني.
 رواج ملف التطبيع مع إسرائيل يكتسب زخمه من استغلال مساحة رخوة، وتوظيف لحالة الرفض الشعبي العربي للعلاقات مع تل أبيب، غير أن الأخطر -في تصوري- يكمن في الحملات الممنهجة التي من شأنها توسيع قاعدة القبول بإسرائيل وسط الجسد العربي.. في الإعلام، يكفي أن تلقي بمعلومة جدلية، وإن كانت غير موثقة، لتحصل على نتائج كثيرة (نفي المعلومة - التعقيب على النفي - تعقيبات على التعقيب).
 تدبيج الرسائل الإعلامية الزاعقة من عينة "انكشاف المستور- سقوط الأقنعة - التحالف مع تل أبيب - لقاءات سرية - محادثات تجارية مع إسرائيل - السماح لطيرانها ومقاتلات بعبور المجال الجوي"، كلها مفردات تحتفي بها وسائل إعلام غربية وإقليمية، لا فرق في ذلك بين وسائل إعلام غربية شهيرة، ومحلية موالية للقوى الإقليمية المتنازعة.
 
ذروة الإثارة تتبدى في تقرير نشرته "التايمز" البريطانية (نقلًا عن مصادر عربية وأمريكية لم تسمها!!) يتضمن غالبية هذه الاتهامات.. المدهش أن هذا التقرير الذي أصبح مرجعية لمعظم وسائل الإعلام التي تخوض في ملف العلاقات الإسرائيلية السعودية؛ أعده صحفيان إسرائيليان (ميشيل بنيون، وجريج جارلستروم) يعملان في مكتب شبكة الجزيرة القطرية في العاصمة الإسرائيلية تل أبيب، قبل الدفع به للصحيفة البريطانية!!
 نموذج آخر يستشهد به خصوم الرياض حول "علاقات سرية" مع تل أبيب، يتمثل في تصادف مشاركة الخبير الاستراتيجي السعودي أنور عشقي، في ندوة مغلقة بمجلس العلاقات الخارجية في واشنطن، حضرها "دوري جولد" (مساعد رئيس الحكومة الإسرائيلية) اعتبرتها وسائل إعلام قطرية-تركية-إيرانية دليلًا على التقارب، وبالغت أكثر فأكدت أن اللقاء تم في تل أبيب!
 لم تبرز وسائل الإعلام نفسها ما قاله "عشقي" توضيحًا: "نعم، هناك عدو مشترك للبلدين هو إيران.. لكن لا يمكن للرياض أن تطبع مع إسرائيل.. لا بد أن تلتزم الأخيرة بسحب قواتها من الأراضي الفلسطينية المحتلة.. أن توافق على ما ورد في المبادرة العربية.. التطبيع قبل حل القضية الفلسطينية يُبقي الجرح مفتوحًا".
 حكاية أخرى يرويها الأمير تركي الفيصل (مدير المخابرات السعودية الأسبق) يقول: "شاركت بصفة بحثية في مؤتمر (ميونخ الأمني) بألمانيا.. تصادف خلالها مشاركة نائب وزير الخارجية الإسرائيلي داني يعالون في الجلسة نفسها، ثم اتهامه السعودية بأنها لم تقدم دولارًا واحدًا لفلسطين.. فندت مزاعمه، وأكدت له اعتراضي على الجلوس معه في الجلسة نفسها.
 "طلب مني -والكلام للفيصل- المبادرة بمصافحته على المنصة لتبديد أي سوء تفاهم، بعدما أعلنت حصيلة الأموال التي تدفعها السعودية لدعم الشعب الفلسطيني.. قلت له: إنه هو من يجب أن ينزل من على المنصة ويأتي إلي حيث أجلس.. وقفنا وجهًا لوجه فاعتذر عما بدر منه.. قبلت اعتذاره، وتصافحنا سريعًا، وانتهى اللقاء على هذا النحو دون الخوض في أي تفاصيل أخرى".
 يضحك "الفيصل" كثيرًا على تناول وسائل إعلام معادية للسعودية لما حدث.. يقول: "اعتبروني مسئول ملف التواصل مع إسرائيل.. وصفوا ما حدث بأنه إشارة مهمة لتوجه السياسة السعودية تجاه تل أبيب.. زايدوا أكثر زاعمين أن هناك محادثات ودية ومؤتمرات مشتركة ومناظرات بين مسئولين من البلدين، بعضها في السعودية، وأخرى في تل أبيب.. إنها (العلاقات السرية) التي يتحدثون عنها ويروجون لها".
 ثمة خلاصة مهمة أعلنها وزير الخارجية السعودي عادل الجبير أخيرا، عندما سألته وكالة "رويترز": "ماذا عن تعاونكم مع إسرائيل؟"، فرد بحسم: "مبادرة السلام العربية المدعومة من جامعة الدول العربية أساس لإقامة أي علاقة.. حل الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني وفقًا للمبادرة يعني أن إسرائيل ستتمتع بعلاقات طبيعية؛ اقتصادية وسياسية ودبلوماسية مع العرب.. إلى أن يحدث ذلك ليس لدينا علاقات مع إسرائيل".
 

رابط دائم: