ملامح وسياقات "الإرهاب المختلط" في إفريقيا
24-10-2017

د. خالد حنفي علي
* باحث في الشئون الإفريقية
لم يعد بالإمكان النظر إلى الظاهرة الإرهابية المتصاعدة عالميا بمعزل عن حواضنها أو مغذياتها، سواء السياسية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية، أو الثقافية. إذ باتت الفواعل الإرهابية (سواء أكانوا أفرادا أم جماعات) تلجأ للعنف لتحقيق أغراض سياسية متشابكة بدرجات مختلفة مع جماعات قبلية، أو تنظيمات الجريمة المنظمة، أو ميليشيات مرتزقة ومناطقية، بما أنتج نمطا من "الإرهاب المختلط"Hybrid Terrorism ، من حيث طبيعة العوامل، والفواعل، والقضايا المسببة لبروزه، وتصاعد تهديداته للمجتمعات والدول.
ويعني ذلك التشابك أنه من الصعب إيعاز نشوء التنظيمات الإرهابية، أو تكاثرها تنظيميا، إلى العوامل الهوياتية والدينية وحدها. ذلك أن الأخيرة تداخلت مع قضايا أخرى، مثل التهميش التنموي، والاستبداد السياسي، وهشاشة الدولة، وغيرها. بمعنى آخر، تنطلق الفرضية الأساسية التي يتأسس عليها "الإرهاب المختلط" من أنه لا يمكن الركون إلى تفسير اختزالي للسلوك العنيف للتنظيمات الإرهابية لمجرد تبنيها خطابا تكفيريا متشددا تجاه المجتمع والدولة. فهذا الخطاب، وذاك السلوك ليسا إلا نتاجا لبيئة مكانية محملة ومتداخلة مع عوامل وأزمات أخرى ينبغي النظر لتشابكاتها عند مكافحة الظاهرة الإرهابية.  
ولعل تجربة توطن تنظيم كــ "داعش"، ومستنسخاته، خلال سنوات صعوده وانزوائه بين عامي 2014 و 2017، تشي - في أحد مضامينها - بقدرته على توظيف الأزمات السياسية، والتنموية، والمجتمعية للمناطق التي سيطر عليها، سواء في العراق، أو سوريا، أو ليبيا . وحتى بعد هزيمة "داعش"، فليس مصادفة مثلا أن تبرز مجموعات تابعة له مثلا في جنوب ليبيا التي تعاني فراغات سلطوية، وتنموية، وصراعات قبلية حولت المنطقة إلى ساحة للميليشيات المتنافسة والمتماسة في آن واحد مع أزمات داخل دول الجوار الإقليمي، خاصة في تشاد، والسودان، والنيجر.
سياقات إفريقية
تأخذ تجليات "الإرهاب المختلط" في إفريقيا جنوب الصحراء أبعادا أكثر تبلورا وعمقا في الواقع من نظيرتها الشرق أوسطية، خاصة في ظل تكرس هشاشة الدولة في بعض مناطق القارة، وصعود الانتماءات الأولية ( دينية، قبلية، مناطقية، وغيرها) التي اتجهت بدورها إلى صياغة تشابكات أفقية فيما بينها لتعزيز مصالحها ونفوذها على حساب سلطة الدولة.
 وتفصح عدة حالات إفريقية عن ذلك الأمر، إذا تم النظر– مثلا - إلى أن بروز تنظيمات إرهابية، مثل، جماعة "بوكو حرام" في شمال شرقي نيجيريا، أو جماعة "أنصار الإسلام" في شمال بوركينا فاسو، أو الجماعات الجهادية في شمال مالي، جاء نتاج سياقات متداخلة من التهميش السياسي، والتنموي، والاجتماعي، ومأزق الهوية الدينية في هذه المناطق الإفريقية التي شهدت تعثر الدولة ما بعد الاستقلال.
ذلك أن موارد تلك البلدان، كالنفط، واليوارنيوم، والذهب وغيرها، تحولت على مدى عقود إلى أيدى نخب سياسية وقبلية بعينها، تحت وطأة الزبائنية السياسية، وهيمنة القبلية على مؤسسات الدولة الإفريقية، بل وكذلك الديمقراطية الصورية، التي كرست ما سماه جان فرانسو بايار"سياسة ملء البطون"، عندما يهيمن الفساد على مفاصل الدولة، وتغيب المساءلة الحقيقية، وتسيطر الأحزاب الحاكمة على البرلمان لمدد طويلة. يضاف إليه حاليا تمديد رؤساء أفارقة لولاياتهم الرئاسية، دون أن يعبأوا كثيرا بالمعارضات الهشة.
هنا، تكمن المفارقة – مثلا – فى أنه في وقت تعد فيه نيجيريا أكبر اقتصاد حاليا في القارة السمراء، فلا يزال يرزح غالبية سكانها، خاصة في الشمال، تحت خط الفقر. وكذلك الأمر في حالتي مالي وبوركينا فاسو، اللتين استأثرت بمواردهما نخب قبلية جنوبية، على مدى الأنظمة السياسية المتعاقبة منذ الاستقلال. 
تداخلات متعددة 
تتجلى ملامح الإرهاب المختلط في حالات إفريقية متعددة لتظهر تداخل الفواعل والعوامل المغذية للعنف المسلح. فمثلا، عكست سيطرة تحالف من الجماعات الطوارقية والجهادية على شمال مالي في 2012، قبل تدخل فرنسا لطرده في عام 2013، تلاقيا للعوامل الدينية والقبلية في إقليم أزواد، إذ صاغت آنذاك جماعة أنصار الدين - التي يقودها إياد أغ غالي - من قبيلة الإيفوغاس الطوارقية، علاقة تحالفية مع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي الذي يضم مقاتلين أجانب ومحليين. 
اللافت أن القيادي الطوارقي إياد أغ غالي - الذي تنقل من التيار القومي إلى الديني المتشدد- تكيف لاحقا مع ضغوط التدخل الفرنسي في شمال مالي عبر توحيد أربع جماعات جهادية ( إمارة منطقة الصحراء الكبرى، وتنظيم المرابطين، وجماعة أنصار الدين، وجبهة تحرير ماسينا) في مارس 2017 في جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، التي تشكل مزيجا من العناصر الإرهابية والقبلية، وتدين بالولاء لتنظيم القاعدة.
 ذلك التشابك للعوامل الهوياتية والقبلية يبرز كذلك في حالة "بوكو حرام" في شمال نيجيريا، بالنظر إلى أن نشوء تلك الجماعة في شمال نيجيريا عام 2009 لم يكن تعبيرا - فحسب - عن تنامي المد السلفي على حساب الصوفي إجمالا في هذا البلد، وغرب إفريقيا عموما، بل إن تلك الجماعة تعتمد في أحد مصادر تجنيد أفرادها على قبيلة الكانوري المسلمة التي ترفض بدورها هيمنة الهوسا - الفولاني على السلطة في ولايات الشمال النيجيري، فضلا عن أن المناطق الأخيرة تعاني تهميشا تنمويا مقارنة بأقاليم الغرب. 
وفي الوقت الذي استغلت فيه "بوكو حرام" تحولات الجهاد العالمي من تنظيم القاعدة إلى "داعش"، عبر مبايعة تنظيم الدولة في سوريا والعراق في عام 2015، فإنها وظفت كذلك التمدد العابر للحدود لقبيلة الكانوري في تشاد، والنيجر، والكاميرون لتتحول بذلك تلك الجماعة إلى تنظيم إرهابي إقليمي يهدد ليس فقط نيجيريا، وإنما دول منطقة بحيرة تشاد ككل.
يتجلى المنطق ذاته في شمال بوركينا فاسو، حيث ترتكز جماعة أنصار الإسلام، التي يقودها مالام إبراهيم ديكو، على قبائل الفلان، والتي بدورها لها امتدادات داخل شمال مالي، وتمثل أيضا العناصر الأساسية لجبهة تحرير ماسينا. ويجمع هاتين الحركتين حلم استعادة الإمبراطورية الفلانية لتطبيق الشريعة، مثلما تسعى جماعة "بوكو حرام" هي الأخرى إلى استعادة الحدود القديمة للمملكة الإسلامية القديمة التي حملت اسم ( كانم برونو)، وضمت مناطق في نيجيريا، والنيجر، والكاميرون، وتشاد.
تُظهر هذه الشواهد أن القبيلة كلاعب أساسي لم تستطع الدولة الإفريقية الحد من تأثيراتها، وباتت قابلة للاختراق والتوظيف المتبادل من التيارات الدينية المتطرفة في الصراعات الداخلية، إما لمواجهة سلطة الدولة، أو قبائل أخرى متنافسة معها. ويبرز ذلك الأمر في اعتماد الجماعات الجهادية في بنيتها التنظيمية على تجنيد أفراد من القبيلة، دون أن ينفي ذلك انضمام أفراد لها من خارج البلد في سياق ظاهرة " المقاتلين الأجانب".
فمثلا، فإن تنظيم المرابطين في شمال مالي الذي برز في العام 2013، كائتلاف لجماعة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا، وتنظيم "الملثمون"، شكل نمطا من الصيغ القبلية – الجهادية. فالجماعة الأولى تعتمد في تجنيدها على القبائل العربية، خاصة لمهر، وقبائل الفلان الإفريقية في شمال مالي، بينما ترتكز الثانية على موازييك من العناصر الجزائرية، والمالية، والموريتانية.  
إجرام وتسييس 
لم يقتصر اختلاط الإرهاب على التمازج مع العوامل القبلية، بل امتد إلى أنشطة الجريمة المنظمة، لاسيما أن الأخيرة تشكل العصب الأساسي لاقتصادات الإرهاب، عبر تجارة الرهائن، وتهريب السلع، والسلاح، والمخدرات، والبشر عبر الحدود. ومن أمثلة ذلك جماعة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا، التي انخرطت في تجارة المخدرات. كذلك، شهدت تجارة الرهائن والتهريب تعاونا بين تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي وأنصار الدين، وقبائل طوارقية في منطقة الساحل والصحراء. بل إن الصراع القبلي حول تجارة الحدود إلى نقطة صدام بين القبائل العربية، مثل البرابيش ولمهر من جهة، والطوارقية، خصوصا الايفوغاس والعدنان من جهة أخرى، ولجأ الطرفان إلى تحالفات متباينة مع تنظيمات إرهابية لحيازة أكبر قدر من عوائد التجارة بالمنطقة. 
يزداد ذلك التداخل تعقيدا في ظاهرة الإرهاب المختلط، بالنظر إلى الأوضاع السياسية الداخلية في بعض الدول الإفريقية. فعلى سبيل المثال، فإن هنالك اتهامات لجنود قوة الحرس الرئاسي للرئيس السابق بليز كومباري، الذي أطيح به في بوركينا فاسو في عام 2014 ، بأنها تلعب دورا في دعم جماعة أنصار الإسلام. بل إن أحد تفسيرات نشأة "بوكو حرام" ترجعها إلى الصراع السياسي على السلطة في ولاية برونو شمال شرقي نيجيريا، حيث تشير بعض التحليلات الغربية إلى أن مودو شريف، أحد الحكام السابقين للولاية، كون مجموعة مسلحة مثلت النواة الأساسية لـ" بوكوحرام"، كما أنه عين آنذاك محمد يوسف، زعيم هذه الجماعة، والذي قتل في عام 2009، مفوضا دينيا للولاية، وإن كان الأخير انقلب عليه لاحقا.
مأزق التدويل
 تتغذى معضلة "الإرهاب المختلط"، وتجعل الفواعل القبلية والدينية أكثر تشابكا مع استحضار عدة دول إفريقية للدعم الخارجي الذي يسعى بدوره إلى توظيف تلك المعضلة لزيادة نفوذه في سياق التنافس الدولي بين القوى التقليدية ( الولايات المتحدة وفرنسا) والصاعدة، خاصة الصين وقوى آسيوية أخرى، على القارة الإفريقية.
إذ يرى البعض أن تدويل وأقلمة قضية "بوكو حرام"، منذ عام 2014 إثر اختطاف أكثر من 200 فتاة في أبريل من هذا العام، لم يكونا معزولين عن تمدد هذه الجماعة تارة إلى شمال الكاميرون، حيث استهدفت شركات صينية بالمنطقة، وتارة أخرى إلى تشاد والنيجر، حيث تعمل شركات فرنسية بالنفط والمناجم. والأهم من ذلك كون نيجيريا من أكبر منتج نفطي في السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا. 
من هنا، استضافت باريس قمة إقليمية في عام 2014 لتشكيل قوة لمكافحة جماعة "بوكو حرام" في منطقة بحيرة تشاد، والتي أقرها الاتحاد الإفريقي في مارس 2015 ، وطالب مجلس الأمن بتمويلها. وعلى الرغم من أن الدعم الدولي ساعد نيجيريا على تقليص سيطرة "بوكو حرام" على أراض في شمال شرقي البلاد، خلال العامين الماضيين، وتحديدا منذ صعود الرئيس محمد بخاري للسلطة في عام 2015، فإنه لم يقض على هذه الجماعة، بل على العكس حولها إلى نمط من العصابات الخطرة الجوالة عبر الحدود، تمارس الخطف، والسلب، وتجنيد الأطفال، والفتيات الانتحاريات.
بالمثل، لم يحدّ التدخل الفرنسي في شمال مالي من انتشار تهديدات الجهاديين في هذا البلد، بل أسهم – على ما يبدو- في انتقال الإرهاب إلى دول الجوار الإقليمي، مثل بوركينا فاسو، حيث شهدت هذه الأخيرة، خلال العامين الماضيين، هجمات إرهابية متصاعدة، منها، مثلا، استهداف مسلحين لمطعم في العاصمة واجادجو في شهر أغسطس الماضي، مما خلف وراءه 19 قتيلا، و21 جريحا، إضافة إلى هجمات أخرى تراوح منفذوها ما بين جماعات محلية، مثل أنصار الإسلام في شمال بوركينا فاسو، وأخرى إقليمية، مثل تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي.
بدورها، تمثل أزمة ليبيا شاهدا مهما على ما يمكن أن يؤدي إليه التدويل من تعميق الإرهاب المختلط. إذ خلف تدخل قوات "الناتو" لإسقاط نظام القذافي، قبل أكثر من ست سنوات، وراءه بيئة خصبة، تنامت فيها الجماعات الإرهابية بمختلف أشكالها وانتماءاتها الدينية والقبلية، لتتحول ليبيا منذ ذلك الحين إلى معضلة أمنية إقليمية طالت تأثيراتها الجوار الحدودي، سواء من الجهة الشرق أوسطية، أو إفريقيا جنوب الصحراء، أو الجهة الأوروبية عبر البحر المتوسط، مع تنامي ظاهرة الهجرة غير الشرعية واختلاطها هي الأخرى بالإرهاب الذي صار مهددا لعدة دول أوروبية في سياق ما يسمى ـ" الذئاب المنفردة".
في الأخير، يظل أن ملامح وسياقات ظاهرة "الإرهاب المختلط " في الساحة الإفريقية تفرض وعيا ومقاربات أكثر شمولا لمكافحته، بحيث تستدعي معالجة جذرية للعوامل الهوياتية، والأمنية، والسياسية، والاقتصادية للظاهرة الإرهابية، وليس فقط احتواء تأثيراتها أمنيا، خاصة أن محفزات هذه الظاهرة تظل كامنة بالأساس في الجسد الهش للدولة الإفريقية، وتظهر علنا إذا ما توافرت الظروف الملائمة لذلك.
 

رابط دائم: