حرب نفسية.. فوضى الأرقام والتكهنات في عملية الواحات
21-10-2017

عزة هاشم أحمد
* باحثة في العلوم السياسية
لاشك في أن ما شهدناه بالأمس أثناء عملية مداهمة قوات الأمن واحدة من البؤر الإرهابية بمنطقة الواحات - في إطار الضربات الوقائية وما توافر من معلومات لقطاع الأمن الوطني - من أخبار مغلوطة وشائعات، يعد دليلًا دامغًا على ما نشهده من حرب نفسية موجهة، يتم الترويج لها من البعض بوعي أو بدونه، فقد تم الترويج لعدد من الأكاذيب والمعلومات والأرقام المغلوطة التي انتشرت لتصبح أحكاما حاسمة على نتائج وأسباب العملية، قبل حتى أن تنتهي العملية، وقد تجاوزت المغالطات حدود الأرقام والمعلومات، مع اللجوء لترويج تسربيات ملفقة طالت تداول بيان غير صحيح منسوب للقيادة العامة للقوات المسلحة، ومصطلحات ملتبسة ومعلومات كاذبة من قبل محللين مسيسين بطبعهم الهدف منها زعزعة الثقة في قدرة الدولة المصرية ممثلة في أجهزتها الأمنية، ونشر حالة من الشك وعدم اليقين لدى العامة، ولعل اللعب بورقة "هدم الثقة" كان ولازال الأداة الأمثل لمحاولة التسلل إلى الداخل دون أسلحة، إنها بمثابة "عنف ناعم" يرتدى ثوبا زائفا من ادعاء الرغبة في المعرفة والشفافية والحرية، ولكنه يخفي خلفه رغبة قوية في بث الفرقة وطعن الدولة في مكمن قوتها. 
أدوات "الحرب النفسية" في عملية الواحات:

 

لاشك في أن المتابع لتواتر الأحداث، والمتأمل لما يتم نشره أو مشاركته على صفحات التواصل الإعلامي، وبعض المواقع الإخبارية من معلومات حول الاشتباكات التي جرت بين قوات الأمن وواحدة من الخلايا الإرهابية في منطقة الواحات، سوف يلاحظ بوضوح كيف تم استغلال العملية كأداة لشن "حرب نفسية" موجهة بدت أبرز أدواتها فيما يلي:
 
المغالطة وقلب الحقائق: يعد الترويج للمغالطات والمصطلحات الملتبسة، ومحاولة عكس الحقائق احدى أهم أساليب الحرب النفسية، التي ظهرت بوضوح أثناء الاشتباكات، من خلال اللعب بالمصطلحات، التي يتناقلها البعض دون ميزان، وهو ما بدا على سبيل المثال في استخدام مصطلحات مثل: " هجوم إرهابي"  لوصف عملية الواحات على الرغم من كونها عبارة عن "مداهمة أمنية استباقية"، وبدلا من الحديث عن مطاردة القوة الأمنية لعناصر التنظيم يتم الحديث عن " كمين إرهابي" نصبه الإرهابيون لقوات الأمن.
 
التشكيك: يهدف التشكيك بصورة رئيسية إلى هدم الثقة، وإرساء حالة عدم اليقين التي تبث بدورها حالة من الخوف، الذي يجعل المتلقي عاجزا عن تصديق ما يتلقاه من معلومات واقعية ويجعله أكثر ميلا لتصديق الأخبار والمعلومات ذات المحتوى السلبي، وهو ما بدا في محاولة استباق البيان الرسمي ببيانات أخرى ملفقة تتسم بالمبالغة لتهيئة الرأي العام لعدم قبول البيانات الرسمية، التي ستبدو عقب هذا التمهيد وكأنها تهون من كارثة أو تمارس نوعا من التعتيم المتعمد، حتى مع التسليم بسقوط عدد كبير من الضحايا.
 
هدم الروح المعنوية: وهي الأداة الأكثر انتشارا في الحروب، حيث يحاول أحد الأطراف احباط الطرف الأخر من خلال مجموعة من الأكاذيب والمغالطات، والتي تستهدف بصورة رئيسية الروح المعنوية للجنود والمقاتلين، وهي هنا تستهدف التأثير على أفراد وقوات الأمن من ناحيتين، تتمثل الناحية الأولى فيما يتم الترويج له من عدم قدرة الأجهزة الأمنية المصرية على احتواء والتغلب على هذه التنظيمات، وادعاء عدم التنسيق والتنظيم في مواجهة الهجوم، وإبراز عدم التنسيق بين أجهزة المعلومات الأمنية المختلفة في الدولة، ومحاولة إبراز قوات الأمن في موقف المفعول به وهي في موقف الفاعل، وذلك من خلال تسريبات ملفقة سرعان ما انتشرت وتم تداولها دون وعي أو تحقق.
 
التهويل والتهوين: ويتضمن التهويل هنا ما تم اطلاقه من أرقام ضخمة وغير منطقية (بالنظر إلى توقيت اطلاقها ومصادرها، وليس بعد إنتهاء العملية) حول عدد ضحايا الاشتباك من قوات الأمن، والتي استخدمت من ناحية أخرى لمحاولة التهويل أيضا من قدرات الخلية الإرهابية في مقابل تهوين قدرات قوات الأمن، وغالبا ما يستخدم التهويل والتهوين لمحاولة قلب الحقائق وغالبا ما يتم العبث من خلال هذه الوسائل بالرأي العام الذي قد ينساق خلف هذه المغالطات، وذلك انطلاقا من الخوف الذي يتم ترسيخه من قدرة تلك التنظيمات وامكاناتها.
 
أسباب التصعيد:
لاشك في أن ما تقوم به التنظيمات الإرهابية من تصعيد خلال هذا التوقيت لم يأتي من قبيل الصدفة، وإنما جاء بناء على عدد من الأسباب، التي يمكن إجمالها فيما يلي:
 
التشويه: أي تشويه ما يحمله شهر أكتوبر " شهر الانتصار والعبور" من معنى رمزي لدى العامة والجنود على حد سواء، حيث تتزايد العمليات في هذا الشهر الذي شهد "حرب العزة والكرامة" مستهدفة درجة التوحد والتلاحم بين الجيش والشعب التي برزت من خلال الاحتفالات واسترجاع ما تم تحقيقه من بطولات وانتصارات، وهو ما يجعله شهرا مفضلا لدى التنظيمات التي تهدف بصورة رئيسية إلى التأثير على هذا التلاحم، وفك الارتباط بين شهر أكتوبر وذكرى الانتصار لدى الأجيال الشابة والنشء، لتحل محلها الأحداث السلبية والعمليات الإرهابية.
 
الهروب من تضييق الخناق: على التنظيمات الإرهابية في سيناء والتي أصبحت تبحث عن ملاذ بديل تأمن فيه، مما يوجه لها من ضربات استباقية متتالية من قبل قوات الجيش التي نجحت في إلحاق العديد من الخسائر في صفوف هذه التنظيمات، وعلى رأسها تنظيم "أنصار بيت المقدس"، وبدت مؤشرات تلك النجاحات في التراجع الملحوظ في عدد العمليات الإرهابية المنظمة التي يشنها التنظيم، والتي حلت محلها عمليات عشوائية فردية، بالإضافة إلى انحسار النطاق الجغرافي للعمليات الإرهابية وتمركزها في منطقة واحدة بعد فشل محاولات إشعال المحافظة بعمليات إرهابية عشوائية متزامنة، ويضاف لذلك الرغبة في تشتيت جهود الأجهزة الأمنية القتالية في القوات المسلحة والشرطة بخلق بؤرة جديدة في المنطقة الغربية، تلك المنطقة المتاخمة للشريط الحدودي مع ليبيا والممتدة لأكثر من ألف كيلومتر، والتي أفشلت القوات الجوية على مدى الشهر الماضي العديد من محاولات التسلل عبرها، إضافة إلى التأكيد على القدرة على إختراق القدرات والمقومات الخاصة بالأجهزة الأمنية المصرية معلوماتيًا وعملياتيًا.
 
إفشال جهود المصالحة بين فتح وحماس: لعل ما حققته المخابرات المصرية الدبلوماسية المصرية من نجاح لافت في جهود المصالحة، تبعه تصريحات واضحة وحاسمة من حركة حماس تعلن فيها دعمها الكامل لجهود الجيش المصري في مكافحة الإرهاب، واستعدادها للتعاون الكامل معه، وهو ما أغلق في وجه التنظيمات الإرهابية وأبرزها "أنصار بيت المقدس" في الداخل أحد أهم مصادر الإمداد والتسلل، الذي أدى بدوره للبحث عن مصادر وملاذات بديلة، ولعل الهجومين الذين شنتهما عناصر التنظيم في منتصف شهر أكتوبر، عقب توقيع المصالحة الفلسطينية، أبرز مثال على محاولات التنظيم إثبات تواجده وعدم تأثره بالمصالحة.
 
إثارة البلبلة قبل انطلاق "مؤتمر مندى شباب العالم": في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم إلى مدينة شرم الشيخ التي تستعد لاستقبال وفود الشباب من مختلف دول العالم، والذي يأتي متزامنا مع ما شهدته مؤشرات السياحة من تصاعد ملحوظ في شهر شهد العديد من النجاحات الأخرى على المستويين الداخلي والخارجي، تبدو العمليات الإرهابية الموجهة بمثابة الأداة المثلى لإثارة البلبلة وهدم ما تم تحقيقه، بالإضافة إلى كونها جزء من " الإرهاب الاقتصادي"، الذي اتجهت إليه التنظيمات الإرهابية منذ فترة بهدف الإضرار بالاقتصاد، من خلال مجموعة من العمليات الإرهابية التي تهدف بصورة رئيسية إلى الإضرار بالسياحة وطرد الاستثمارات الأجنبية من خلال تشويه صورة مصر في الخارج.
 
إنها حقيقة واضحة تراها الأعين التي تعلي مصلحة الوطن وحده عن نزعاتها الفردية وتحيزاتها الشخصية، هذه التحيزات التي تنعكس في تحليلات البعض المسيسة الخبيثة على حساب الوطن،  والتي يرغبون أن يصوروا من خلالها الأمر - وفقًا لتحليلاتهم - أنه نزاع بين فصيلين داخل الدولة، وأنه لا سبيل إلا التصالح ووقف العنف المتبادل بين الفصيلين، دونما الوضع في الإعتبار أن ذلك يقلل من قيمة الحرب التي تخوضها دولتهم، ويصدر للخارج الصورة التي يرغب أن يسمعها عن الداخل، وكان من الأحرى ببعض المحللين أن يوضحوا للعالم مخاطر خلق بؤرة إرهابية جديدة، ويطالبوه بالتعاون وإعادة النظر في قرارات حظر التسليح المفروضة على بعض الأسلحة التي تعيق قدرات قواتنا. فما يجري الآن هو الوجه الآخر للحرب، التي لا تعتمد على الأسلحة، بل تعتمد على التشويه والتشكيك وزعزعة اليقين، وخلق فجوة واسعة بين ما يحدث بالفعل وما يتم الترويج له، في وقت نحن أعوذ ما نكون فيه إلى الإيمان بقوتنا ودعمها سواء في الجيش أو الشرطة في حربنا ضد الإرهاب، وصد جميع المحاولات التي تبذل في سبيل اغتيال أبطالنا نفسيا واغتيالنا معنويا، فإذا لم يتمكن البعض منا من الحرب والدفاع عن الأرض حتى ولو بالكلمة، فيمكننا على أقل تقدير الوقوف في وجه محاولات استغلالنا وجعلنا أسلحة يطعنون بها جنودنا من الخلف.
 

رابط دائم: