خيارات محدودة: كيف سيتعامل "داعش" مع معركة "تلعفر" ؟
24-8-2017

علي بكر
* مساعد رئيس تحرير السياسة الدولية و خبير الحركات المتطرفة
 
تمثل مدينة "تلعفر" أهمية كبيرة بالنسبة لتنظيم "داعش"، كونها تعد معقله الأخير في العراق، حيث يعني سقوطها بداية انهيار هيكله التنظيمي والإدراى، خاصة أنها تأتي عقب خروجه من مدينة "الموصل"، كما أنها تتزامن أيضا مع معركة تحرير مدينة "الرقة"، بقيادة "قوات سوريا الديمقراطية"، التي تمكنت أخيرا من تحرير العديد من مناطقها، حتى إنها أعلنت فى 23 أغسطس الجاري عن إطلاق المرحلة الثالثة من العمليات العسكرية، الرامية إلى عزل "ريف الرقة" عن "المدينة".
 
ويطرح ذلك تساؤلا مهما حول أهم الآليات والتكتيكات التي يمكن أن يلجأ إليها تنظيم "داعش" في الدفاع عن المدينة، لاسيما أن هذه الآليات ستمثل عائقا أمام القوات العراقية، خلال تحريرها للمدينة، فى ظل حرص التنظيم على عدم التعرض لهزائم جديدة.
 
 يذكر أن الجيش العراقي قد أعلن في 22 من أغسطس الجاري تقدم قواته واقتحامها مركز "قضاء تلعفر" من عدة جهات، وذلك بعد ثلاثة أيام من انطلاق معركة تحريرها، بمشاركة قوات الحشد الشعبي، وقد مهدت القوات العراقية لذلك الهجوم بعدة ضربات جوية.
 
أولاً- نقاط ضعف "داعش":
 
برعم أهمية مدينة "تلعفر" بالنسبة لـ "داعش"، وتصميمه على الدفاع عنها بكل قوة، حتى لا يسقط آخر معاقل دولته المزعومة فى العراق، فإنه يعانى عددا من نقاط الضعف، التي يمكن أن تؤثر بقوة فى صمود مقاتليه فى تلك المعركة، خاصة أن الجيش العراقي سيسعى إلى استغلال تلك النقاط، والتي يمكن تحديد أهمها فى الآتي:
 
(*) الانقسام بين القيادات: يعانى تنظيم "داعش"، منذ سقوط الموصل، حالة من الانقسام بين القيادات من الأجانب والمحليين، بسبب تحديد المسئولية عن هزيمة الموصل. وقد تزايدت حدة هذه الانقسامات في "تلعفر"، إثر الاختلاف حول توزيع المهام والمسئوليات، وهو ما أدى إلى حدوث حالة من التخبط فى القرارات، ظهرت بوضوح مع بداية المعركة. ويعد هذا الانقسام الأخطر الذي تعرض له "داعش" منذ ظهوره في منتصف يونيو 2014، وهو ما يمكن أن يؤثر فى وضعه وصموده فى هذه المعركة.
 
(*) قطع طرق الإمداد والتمويل: مع إطباق الجيش العراقي حصاره على مدينة "تلعفر"، أصبح تنظيم "داعش" محاصرا داخل المدينة، ومقطوعا عنه طرق الإمداد والتمويل، خاصة بعدما تمكن الجيش العراقي من تدمير شبكة الأنفاق والطرق الرئيسية الواصلة بين المدينة والحدود السورية. كما أن التنظيم لم يعد يملك معدات عسكرية كافية لخوض معركة طويلة الأمد، بعد الخسائر فى الأسلحة والمعدات التي تكبدها في معركة الموصل، مما سيؤثر بشكل كبير فى قدرته فى الاستمرار لفترة أطول فى المواجهات.
 
(*) استعدادات الجيش العراقي: فى طريق الجيش العراقي لتحرير مدينة "تلعفر" من قبضة تنظيم "داعش"، حرص على الاستعداد لهذه المعركة بشكل مكثف، وتلافى الأخطاء التي حدثت فى معركة الموصل، مما أدى إلى إطالة أمد المعركة، حيث قام بنقل جميع القوات المشاركة في الموصل، إضافة إلى الأسلحة الثقيلة، وكتائب الصواريخ الموجهة، ومدفعية الميدان إلى حدود المدينة، من أجل الحسم المبكر للمعركة. كما لم تكتف الحكومة العراقية بمشاركة قوات الجيش فحسب، بل قامت بإشراك فصائل الحشد الشعبي. وبالتالي، فإن هذا الاستعداد سيجعل من الصعب على مقاتلي "داعش" تحمل ضربات الجيش العراقي.
 
ثانياً- آليات "داعش" الدفاعية:
تعد مدنية "تلعفر" آخر معاقل "التنظيم" الرئيسية في العراق. حتى إنه طوال فترة سيطرته على الموصل، كان يعتمد عليها كمقر بديل واحتياطي له لطبيعة موقعها الاستراتيجي على الحدود العراقية- السورية. لذا، فمن المتوقع ألا يفرط فيها بسهولة، ومن المتوقع أن يستخدم "داعش" عددا من الآليات غير التقليدية فى الدفاع عن المدينة، يمكن تحديد أهمها في الآتي:
 
(*) شراسة المقاتلين: على الرغم من أن عدد مقاتلي تنظيم "داعش" داخل "تعلفر" لا يتعدى (1000) عنصر، فى معظم التقديرات، فإنهم يتمتعون بخبرة قتالية عالية، وشراسة وعنف مفرط، كما تغلب عليهم روح الانتقام من القوات العراقية لما حدث لرفاقهم فى الموصل، وهذا ما سيدفعهم إلى القتال حتى الموت، خاصة فى ظل رفعهم لشعار "يموت الرجل ولا يقع فى الأسر". لذا، فمن المتوقع أن يستبسل هؤلاء المقاتلون فى الدفاع عن المدينة، وهو ما يمكن أن يتسبب فى خسائر كبيرة فى صفوف رجال الجيش العراقي.
 
(*) حقول الألغام: مع تيقن تنظيم "داعش" من أن "تلعفر" ستكون الهدف المقبل للقوات العراقية، بعد الموصل، قام مقاتلو التنظيم بزرع العديد من حقول الألغام حول المدينة من عدة جهات لمنع تقدم القوات العراقية، وإحداث خسائر بشرية كبيرة فى صفوفها، كما أنه قام بمصادرة سيارات المدنيين، وتحويلها لسواتر وحواجز حديدية، وتفخيخ بعضها، مما يشير إلى صعوبة تقدم القوات العراقية، وأن الوصول إلى قلب المدينة بات محفوفا بالمخاطر، لاسيما فى ظل تمسكه بالمعقل الأخير له بالعراق.
 
(*) العمليات الانتحارية: شهدت الفترة الأخيرة اعتماد تنظيم "داعش" بشكل كبير على العمليات الانتحارية، خاصة فى معركة الموصل، التي كانت بمنزلة اختبار حقيقي لفاعلية ذلك السلاح، الذي أثبت أنه يصعب منعه، أو الحد من خطورته. لذا، من المتوقع أن يلجأ التنظيم بقوة إلى سلاح العمليات الانتحارية، كآلية رئيسية لمواجهة القوات العراقية، لاسيما أنه يملك أعدادا غير قليلة من المتطوعين للقيام بمثل هذه العمليات، وهو ما سيمثل تحديا قويا وخطيرا أمام القوات العراقية فى طريق تحرير المدينة.
 
(*) الحشد والتعبئة: من المحتمل أن يسعى تنظيم "داعش" إلى استغلال مشاركة قوات الحشد الشعبي فى معركة "تلعفر" في حشد وتعبئة العديد من المدنيين، لانخراطهم فى صفوفه فى تلك المعركة، عبر استغلال مخاوفهم من قوات الحشد، فى ظل ارتكابها العديد من الجرائم بحق المدنيين السنة في الموصل من إعدامات ميدانية وتعذيب، وهو ما سيمثل تهديدا لسكان المدينة من السنة والأكراد، مما سيدفع العديد منهم للقتال إلى جانب "داعش" فى تلك المعركة، وهذا ما سيوفر للتنظيم موارد بشرية يمكن الاعتماد عليها، تمكنه من الصمود لفترة أطول فى تلك المعركة.
 
(*) أطفال الخلافة: طوال الفترة الماضية التي كان يسيطر فيها "داعش" على العديد من المناطق فى العراق وسوريا، حرص التنظيم على تجنيد الأطفال، حيث أطلق عليهم "جنود الخلافة"، وتمت تربيتهم عقائديا، وفكريا، وعسكريا، منذ نعومة أظفارهم داخل معسكرات أعدت خصيصا لذلك، فهم يتسمون بالعنف، والتطرف، والشراسة، وهم على أتم الاستعداد للموت فى سبيل التنظيم، تحت شعار "النصر" أو "الموت". لذا، من المتوقع أن يمثل هؤلاء الأطفال تحديا أمام الجيش العراقي، خاصة أن "داعش" سيعتمد عليهم بشكل كبير فى تلك المعركة.
 
(*) المقاتلون الأجانب: من المحتمل أن المقاتلين الأجانب سيمثلون رقما صعبا في عملية تحرير "تلعفر"، نظرا لأنهم غالبا ما سيقاتلون حتى الموت، لأنهم يدركون أن وقوعهم فى الأسر يعنى الموت أو السجن لفترات طويلة، على أفضل الأحوال، وهو ما يرفضه النهج الفكري والعقائدي لهؤلاء المقاتلين، خاصة أنهم من أشد الناس اقتناعا بأفكار "داعش"، ولديهم كذلك اقتناع بالموت دفاعاً عنه، الأمر الذي سيجعلهم عقبة كبيرة أمام رجال الجيش العراقي.
 
(*) حرب الشوارع: فإذا ما انهارت خطوط الدفاع الأمامية لتنظيم "داعش"، ودخل رجال الجيش العراقي مدينة "تلعفر"، فإنه سيواجه بحرب شوارع، ستكون الأفضلية فيها لمقاتلي "داعش". كما أن حسم معارك الشوارع يتوقف على من لديه استعداد لتقديم تضحيات بشرية أكبر، وهذه ميزة نسبية يمتلكها "التنظيم"، خاصة فى ظل استعداد مقاتليه للموت دفاعاً عن المدينة، الأمر يمكن أن يرفع التكلفة البشرية فى قوات الجيش العراقي، خاصة فى ظل رغبته فى حسم المعركة فى وقت وجيز.
 
أخيرا، وعلى ضوء ما سبق، يمكن القول إنه برغم تعدد الآليات التي يمتلكها تنظيم "داعش" فى معركة "تلعفر"، فإنها قد لا تمكنه من الانتصار فيها، لاسيما أنها آليات دفاعية، وليست هجومية، نظرا لأنه محاصر ومقطوعة عنه الإمدادات، فى حين أن الجيش العراقي يملك آليات قوية تمكنه من الانتصار فى هذه المعركة، فى ظل الإعداد الجيد، ووجود رغبة قوية بين الجنود لتحقيق نصر مشابه لما حققوه فى الموصل. وبالتالي، فإن النصر غالبا ما سيكون حليف الجيش العراقي، لكن مع تحمل تكلفة بشرية عالية، ربما تفوق بكثير تكلفته فى معركة الموصل.
 
 
 

رابط دائم: