المواقف الإفريقية من الأزمة القطرية.. الأبعاد والدوافع
5-7-2017

أحمد عسكر
* باحث مساعد بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.
ألقت مقاطعة دول عربية وخليجية، أبرزها مصر، والسعودية، والإمارات، والبحرين، للنظام القطري، على خلفية اتهام الأخير بدعم الإرهاب وزعزعة الاستقرار في المنطقة، بظلالها على الساحة الإفريقية التي شهدت بدورها مواقف متباينة لدولها من الأزمة، تراوحت بين تأييد المقاطعة، والحياد والانحياز لقطر، الأمر الذي يثير تساؤلا حول دوافع تلك المواقف، في ضوء تشهده القارة من تنافسات خليجية وعربية على حيازة النفوذ الاقتصادي والأمني.
 
فعلى صعيد المواقف المؤيدة للمقاطعة، قامت موريتانيا بقطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر، واتبعتها حكومة شرق ليبيا، وموريشيوس، وجزر القمر، في حين استدعت تشاد سفيرها من الدوحة للتشاور. وفي السياق نفسه، استدعت أيضا السنغال مبعوثها من الدوحة، وأعلنت عن تضامنها الفعلي مع السعودية، وهو الأمر نفسه التي قامت به النيجر. فيما اكتفت الجابون باستنكار أفعال قطر، وأعلنت جيبوتي تخفيض تمثيلها الدبلوماسي مع الدوحة، تضامنًا مع التحالف العربي لمكافحة الإرهاب.
 
أما المواقف الإفريقية المحايدة التي دعت لاحتوائها الأزمة، فقد وقفت دول، كتونس، والجزائر، والسودان الشمالي، وإثيوبيا، والصومال، ومالي، على مبدأ الحياد، ودعت تلك الدول طرفي الأزمة إلى ضرورة حلها عن طريق الحوار، وعرضت الوساطة لحلها، في الوقت الذي أعلنت فيه منظمة الاتحاد الإفريقي، على لسان رئيس دورتها الحالية، الرئيس الغيني ألفا كوندي، الاستعداد للقيام بدور الوساطة، والعمل الجاد من أجل إيجاد حل سلمي وسريع للأزمة بين الدول الخليجية.
 
تحركات مضادة
 
جاءت التحركات السعودية، والإماراتية، والقطرية، إبان اندلاع الأزمة في مسارين متضادين، حيث سعت الرياض إلى حشد المزيد من المواقف الإفريقية إلى جانبها، وجذب الأطراف المحايدة إليها. فقد زار وفد سعودي الصومال من أجل الضغط للانضمام للسعودية، في الوقت الذي وصل فيه مبعوث الملك سلمان إلى العاصمة أديس أبابا للغرض نفسه، قبل أن تزورها مسئولة ملف إفريقيا في الحكومة الإماراتية، وإن أكدت تلك الدول ضرورة تغليب الحوار، وتأييدها للمبادرة الكويتية. 
 
كما طالبت كل من السعودية، والإمارات، ومصر النظام السوداني بتوضيح موقفه من الأزمة القطرية، خاصة أنه يقف على الحياد بين الطرفين، وهو ما يضع نظام الإنقاذ في حرج، حيث تحرص الخرطوم على استمرار وتدفق الاستثمارات القطرية في السودان، والتي يتوقع لها أن تصل إلى 3 مليارات دولار خلال 2017، في الوقت الذي تتسم فيه العلاقات السودانية - السعودية بالإيجابية، والشراكة الاستراتيجية، من حيث الاستثمارات والتعاون العسكري في عاصفة الحزم، والوساطة السعودية لرفع العقوبات الأمريكية عن السودان.
 
في السياق ذاته، نشبت أزمة جديدة بين السعودية والإمارات من جانب، والمملكة المغربية من جانب آخر، على خلفية قيام الأخيرة بإرسال طائرات محملة بمواد غذائية إلى قطر، وهو ما عدته السعودية تأييدا مغربيا غير مباشر لقطر. وتجلى ذلك في تناول أزمة الصحراء الغربية بعدّها محتلة في بعض القنوات الإخبارية السعودية والإماراتية.
 
على الجانب الآخر، اتخذت قطر سياسة رد فعل سريعة على المواقف الإفريقية، حيث أعلنت انسحابها من الوساطة بين إريتريا وجيبوتي منذ عام 2010، إثر تأييد البلدين لمقاطعة قطر. فيما قام وزير دولة بالشئون الخارجية القطرية، بعد اندلاع الأزمة، بزيارة إلى بعض دول القرن الإفريقي، مثل إثيوبيا، والسودان، وكينيا، والصومال، وأوغندا، لبحث تداعيات الأزمة.
 
دوافع المواقع الإفريقية
 
ثمة عدد من الدوافع التى أجبرت الدول الإفريقية على أن تتخذ تلك المواقف المختلفة من الأزمة الخليجية. وتتمثل تلك الدوافع في الآتي:
 
أولا- الدوافع السياسية: حيث أفضى الدور القطري في دعم جماعات إرهابية في ليبيا، فضلا عن غرب وشرق القارة الإفريقية، إلى تهديد أمن واستقرار دول القارة، علاوة على التقارير التي كشفت النقاب عن العلاقات بين قطر وقيادات في تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، وبعض قيادات الجماعات الإرهابية النشطة في شمال مالي. وأدى ذلك كله إلى اتخاذ بعض دول القارة موقفًا مؤيدًا للسعودية، والإمارات، ومصر ضد قطر، في ظل الاتهامات المستمرة للأخيرة بدعم الإرهاب. كما أن تطور العلاقات القطرية- الإيرانية قد دفع بعض الدول لاتخاذ موقف تصعيدي ضد قطر.
 
وعلى الرغم من أن بعض الدول، مثل السودان، والصومال، وإثيوبيا، قامت بتأييد المبادرة الكويتية لحل الأزمة الخليجية، فذلك يرجع إلى كونها تمتلك علاقات جيدة مع طرفي الأزمة تدفعها للحرص على استمرار علاقات متوازنة بينهما، دون الإضرار بها.
 
ثانيا- الدوافع الاقتصادية: حيث تمتلك السعودية ثقلًا اقتصاديًا يمكنها من خدمة سياساتها في عدد من الدول الإفريقية، حيث يتنامى الوجود السعودي في القارة، وهو مرهون أولًا بمواجهة المد الإيراني في إفريقيا الذي يشكل تهديدًا للرياض، بالإضافة إلى السعي نحو تنامي الاستثمارات السعودية في القارة، مما يكسبها ثقلًا سياسيًا إقليميًا ودوليًا. وتتعدد الاستثمارات السعودية في دول إفريقيا. ففي السودان الشمالي، يوجد نحو 196 مستثمرًا سعوديًا في مجال الزراعة، كما يبلغ عدد المشروعات السعودية فيها نحو 512 مشروعًا بقيمة تبلغ أكثر من 26 مليار دولار.
 
ويلاحظ انحياز مواقف الدول الإفريقية التي انخرطت في الأزمة إلى الصفين السعودي والإماراتي، كون المكاسب أكثر تعاظما، مقارنة بالانحياز للطرف القطري، في ظل الاستثمارات السعودية والإماراتية المتنامية في شرق إفريقيا وغربها.
 
تجدر الإشارة إلى أن النفوذ القطري في إفريقيا يشهد تطورًا خلال السنوات الأخيرة، حيث تلعب الدوحة أدوارا سياسية ودبلوماسية، كما أن لديها حزمة كبيرة من الاستثمارات الاقتصادية في عدد من الدول الإفريقية. فعلي سبيل المثال، تبلغ الاستثمارات القطرية في دولة السودان الشمالي نحو 1.7 مليارات دولار خلال السنوات الأخيرة، ويبلغ عدد المشروعات الاستثمارية نحو 95 مشروعًا.
 
ثالثا- الدوافع الأمنية والعسكرية، حيث تعاني معظم دول القارة الإفريقية تنامي ظاهرة جماعة الإرهاب المهددة للأمن والاستقرار، فضلا عن أن العديد من التقارير الاستخباراتية تربط بين قطر وبعض الجماعات الإرهابية كـ"القاعدة" و"داعش". وأدى ذلك إلى تضامن عدة دول إفريقية مع مصر، والسعودية، والإمارات ضد قطر، بعد توجيه الاتهامات للأخيرة بتقديم الدعم والمساندة للإرهاب، لا سيما موريتانيا، وتشاد، والنيجر التي تعاني النشاط المطرد للتنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء.
 
مسارات الأزمة
 
بتضامن عدة دول إفريقية إلى جانب دول المقاطعة لقطر، فضلًا عن التقارب القطري مع إيران، التي تواجه موجة انحسار إفريقي بعد الأزمة الدبلوماسية الأخيرة مع السعودية، فإن هنالك مسارات محتملة للأزمة، ومن ثم تأثيراتها فى القارة الإفريقية.
 
يشير المسار الأكثر احتمالا إلى استمرار أزمة بعض دول الخليج مع قطر، بعد رفض الأخيرة الشروط الخليجية، وعدم التوصل إلى نتيجة بشأن جهود الوساطة التي تقوم بها عدد من الدول، مثل الكويت، مما يعني استمرار تفاقم الأزمة. وعلى الرغم من أن الأزمة الخليجية تعد بمنزلة خسارة سياسية واقتصادية لعدد من الدول الإفريقية، فإن استمرار موقف الحياد تجاه طرفي الأزمة قد لا يستمر طويلًا مع التحركات والضغوط الدبلوماسية السعودية، وهو ما كشفت عنه أيضًا زيارة وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، في 3 يوليو الماضي، إلى إثيوبيا، بالتزامن مع انعقاد قمة الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا للقاء عدد من المسئولين الأفارقة. أضف لذلك تخوفات بعض الدول الإفريقية من خسارة السعودية كشريك استثماري وسياسي، لا سيما السودان، والصومال، وإثيوبيا.
 
أما فى حال نجاح مسار الجهود الدبلوماسية، والوساطة الإقليمية، بجانب بعض الجهود الدولية في إنهاء الأزمة بين الجانبين، فقد يفتح ذلك المجال أمام عودة العلاقات الإفريقية- القطرية إلى طبيعتها مرة أخرى، لاسيما إذا رضخت الدوحة لمطالب دول المقاطعة. أما إذا أخذت الأزمة القطرية مسارا متصاعدا لسيناريو الصدام العسكري بين أطرافها، فهذا ما سيضع الدول الإفريقية في أزمة، خاصة أن بعضها يشارك ضمن التحالف الذي تقوده السعودية في حربها في اليمن، ومنها السودان، والسنغال.

رابط دائم: