المملكة الرابعة: تأثيرات تغيير ولاية العهد في السياسة الخارجية السعودية
22-6-2017

د. محمد عز العرب
* خبير الشئون الإقليمية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية مدير تحرير التقرير الاستراتيجي العربي
إن أحد التساؤلات المثارة في الأدبيات المعنية بالإقليم تلك التي تخص أثر التغير والاستمرار في السياسة الخارجية السعودية، في المرحلة الراهنة والمستقبلية، بعد تولي الأمير محمد بن سلمان لمنصب ولي العهد السعودي. فقد تزامنت التغييرات الداخلية في المملكة مع الاضطرابات الإقليمية، لاسيما مع الدفع بقيادات جديدة لا تتردد في خوض أية مواجهات خارج حدودها الوطنية. فالسياسة الخارجية السعودية تتغير بتغير قيادتها السياسية، حيث إن إدراك النخبة السياسية لمصادر التهديد يختلف من نخبة إلى أخرى، ومن فترة إلى أخرى. 
 
هنا، فإن التغيرات الجوهرية في السياسات الإقليمية قد تحدث مع وفاة القادة السياسيين، فيما يعرف بأثر "بيولوجيا الموت السياسي"، على نحو ما حدث بوفاة الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وتولي الملك سلمان للحكم في نهاية يناير 2015، أو مع التحولات الجيلية الأسرية بتنحية جيل وتصعيد جيل آخر، أي التحول من "الأمراء الأبناء" إلى "الأمراء الأحفاد"، وهو ما عكسته الأوامر الملكية الصادرة في فجر الأربعاء الموافق 21 يونيو 2017، الأمر الذي نتج عنه تنحية الأمير محمد بن نايف من منصب ولي العهد، وإعفائه من جميع المناصب التي يتولاها، وتصعيد الأمير محمد بن سلمان بدلا منه.
 
 فالسعودية تواجه تحديات داخلية وخارجية، أمنية وسياسية، أثرت فى التوجهات الحاكمة للسياسة الخارجية في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز، إذ إن التهديدات الإقليمية الواسعة التي بدأت تطول المملكة، قد جعلت مسألة الفصل بين ما هو داخلي وخارجي غير واقعية من الناحية العملية. 
 
ويبدو أن السياسة الخارجية السعودية سوف تستمر على نفس المنوال الذي سارت عليه، خلال العامين الماضيين، لاسيما أن الأمير محمد بن سلمان هو المهندس الرئيسي للسياسة الخارجية السعودية، سواء تجاه ملفات خارجية (إقليمية ودولية) أو فاعلين خارجيين (دول أو تنظيمات إرهابية أو ميليشيات مسلحة أو أفراد).
 
توجهات أساسية
 
تجدر الإشارة إلى أن أبرز ملامح التوجهات في السياسة الخارجية السعودية، بعد شغل الأمير محمد بن سلمان منصب ولاية العهد، سوف تتمثل في:
 
1- التصدي لتمدد النفوذ الإيراني في الإقليم، إذ تعد طهران مصدر التهديد الرئيسي لأمن السعودية، وفقا لرؤية الأمير محمد بن سلمان، على نحو ما تعكسه الحرب الباردة الجديدة بين الرياض وطهران، حيث تعتمد الأخيرة على "الوكلاء" عبر أذرعها المتمثلة في الجماعات المسلحة المنتشرة في بقع جغرافية مختلفة، بل وسيطرتها على هياكل صنع القرار في عدة عواصم عربية، بما أدى إلى إيجاد معادلة إقليمية جديدة تتجاوز مفهوم الهلال الشيعي القديم إلى محور سياسي يمتد من إيران، مرورا بالعراق ودمشق، وصولا إلى اليمن. 
 
هذا المحور سوف يرتبط بمنظومة سياسية واقتصادية وعسكرية واحدة، مما يعني تحقيق المشروع الإيراني الساعي للهيمنة على المنطقة، وهو ما لا ترغب المملكة في تحقيقه، لأن الصعود في الدور الإقليمي لطهران مرهون بالتراجع في النفوذ الإقليمي للرياض. ومن هنا، تضع السعودية أولوية تشكيل تحالف من دول يجمعها مواجهة السياسات الإيرانية المزعزعة للأمن والاستقرار في الإقليم.
 
2- مواجهة التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، إذ إن البلاد تعرضت، خلال الفترة الماضية، لعمليات إرهاب متقطعة من جانب تنظيم "داعش" ضد قوات الأمن والشيعة لإثارة الفتنة الداخلية وإشعال المواجهات المذهبية، وبصفة خاصة في بعض مناطق الاشتعال، على نحو ما يبرز جليا في المنطقة الشرقية، وربما تشهد الفترة المقبلة تصاعد في عمليات تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية في اليمن، وتأثيراتها الانتشارية إلى الداخل السعودي وتعدد جبهات مواجهة التنظيمات المسلحة.
 
ويأتي ذلك التهديد لأمن واستقرار المملكة، نظرا لعدم قدرة أجهزة دول الجوار على ضبط الحدود الرخوة، فضلا عن اللامركزية في إدارة الحدود، بعد تعدد الفواعل المسلحة العنيفة من غير الدول. وشهدت هياكل الجماعات الإرهابية الجديدة تغيرا كبيراً، فلم تعد تلك الجماعات سرية ومحدودة العدد كما كانت من قبل، بل أضحت "شبه جيوش كبيرة" العدد، والمتركزة فى مناطق بعينها، مما جعل دولة مثل السعودية مهددة أمنيا، لاسيما بعد التماهي بين التنظيمات الإرهابية من جانب، والعصابات الإجرامية فى تسهيل تمويل خزانات الإرهاب، من جانب آخر.
 
3- استمرار محاربة الميليشيات المسلحة في الفناء الخلفي للمملكة، إذ برز تهديد التنظيمات المسلحة في اليمن، وخاصة ذات الطابع المذهبي والطائفي وتحديدا جماعة أنصار الله الحوثية التي تنتمي للشيعة الزيدية المدعومة من إيران، ويتوقع أن تتزايد عمليات التحالف العربي بقيادة السعودية لاستعادة الشرعية، لاسيما أن الأمير محمد بن سلمان يعد المهندس الفعلي لحرب اليمن أو ما يعرف بعاصفة الحزم، منذ تدشينها في 26 مارس 2015. 
 
وعلى الرغم من نجاح قوات التحالف في إضعاف البنية التسليحية الثقيلة للحوثيين وقوات صالح، فإن الأخيرة لديها قدرة على إيذاء السعودية، خاصة في جازان ونجران، بل يتم الهجوم على قوات التحالف في المناطق المحررة، فضلا عن صعوبة تحرير ميناء الحديدة من القبضة الحوثية، وهو ما يشير إلى أن إطالة المدى الزمني للحرب في اليمن دون استراتيجية واضحة أو حتى خطة خروج سوف يؤدي إلى ارتفاع التكلفة في الأرواح والأموال، بخلاف الأزمة الإنسانية التي ألمت بقطاعات واسعة من المجتمع اليمني.
 
 ولا يحتمل أن تنسحب السعودية من فعاليات تلك الحرب، خاصة في ظل غياب حلول أو مبادرات سياسية يقبل بها قوات الحوثيين. فاليمن تواجه حالة من الفوضى، وليس مجرد فراغ في السلطة، وهو ما ينعكس تباعا على أمن السعودية.. بعبارة أخرى، تعد حرب اليمن اختبارا حقيقيا للوضع الأمني والعسكري في عهد الأمير محمد بن سلمان، لاسيما أنه يشغل منصب وزير الدفاع، إذ إن لها علاقة باستقرار المناطق الحدودية من جانب، وتنطوي على بعد طائفي سني- شيعي من جانب آخر. كما تشكل ساحة لصراع النفوذ والمكانة بين الرياض وطهران من ناحية ثالثة وأخيرة.
 
4- تخفيض منسوب الاشتباك على الساحة السورية، ربما تكون أحد ملامح التغير النسبي في السياسة الخارجية السعودية والدفاعية التقليل من مساحة الاشتباك على الساحة السورية، وتجنب دعم بعض التنظيمات التي عليها علامات استفهام بشأن تصنيفها كجماعة إرهابية، واللغط الذي تثيره الدوحة بشأن السياسات السعودية الداعمة لبعض تلك التنظيمات، وكذلك رؤية الرياض حيال توجه واشنطن بأن صار معارضا لبقاء الأسد، بحيث وجهت إدارة ترامب ضربتين عسكريتين لأهداف مباشرة لقوات الأسد. 
 
كما أن واشنطن تدعم وجود قوات سوريا الديمقراطية (المزيج من قوات عربية وكردية) في المناطق الفارغة بعد سيطرة داعش عليها، بما يحقق هدفين يصبان في مصلحة السياسات السعودية: أولهما، عدم استحواذ قوات الأسد على تلك المساحات الجغرافية مرة أخرى بما لا يؤدي إلى تعزيز وجوده الميداني، ويصب في اتجاه دعم الدورين الإيراني والروسي، وهو على العكس من نهج إدارة أوباما، خاصة في العامين الأخيرين لها. وثانيهما، أن النهج الأمريكي يشير إلى تباين مع أنقرة فيما يخص دعم الأكراد الذين تعتبرهم حكومة أردوغان جماعة إرهابية، وهو ما تستغله الرياض، لاسيما في ظل توتر آخذ في التصاعد، على خلفية موقف أنقرة الداعم للدوحة بعد قرار ثلاث دول خليجية قطع العلاقات معها.
 
5- تدعيم أركان التحالف الرباعي (السعودية، والإمارات، والبحرين، ومصر) في مواجهة قطر، لاسيما بعد قرار قطع العلاقات الدبلوماسية، وإدارة مواجهة مكشوفة مع الدوحة، في ظل التوافقات المشتركة بين الدول الأربع، على خلفية قيامها بدعم وتمويل وتوفير ملاذات آمنة للتنظيمات الإرهابية، والتدخل في الشئون الداخلية لدول الإقليم عبر دعم المعارضة المسلحة، والتحريض الإعلامي على النظم الحاكمة في تلك الدول. 
 
فثمة إدراك نسبي للنخبة السعودية الراهنة، التي يمثلها الأمير محمد بن سلمان، لأهمية التصرف على أنه ائتلاف موحد لأن الدوحة تراهن على إحداث تفكيك لهذا التحالف، وخاصة التباعد بين الرياض والعواصم العربية الأخرى، على نحو ما فعلته في الأعوام الماضية، الأمر الذي يتعين إجراء تشاورات وتفاهمات منتظمة حتى تكون التحركات مشتركة، ويكون تضييق الخناق على الدوحة مشترك. ويعزز من ذلك احتمال تزايد تقوية العلاقات المصرية – السعودية - الإمارات خاصة إزاء الأزمة القطرية تبلور موقف أنقرة المنحاز للدوحة. أضف لذلك، إقرار مجلس النواب المصري بسعودية جزيرتي تيران وصنافير، لاسيما أن توجه الرياض بترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية مرهون بتحركات الأمير محمد بن سلمان ويعزز من شرعيته في الداخل.
 
ما يدعم هذا التوقع لمسارات تصالحية في العلاقات بين القاهرة والرياض تأكيد الأمير محمد بن سلمان في مقابلة له مع قناة الإخبارية السعودية في مطلع مايو الماضي أنه "لم يصدر موقف سلبي من الحكومة المصرية تجاه السعودية، ولم يصدر موقف واحد سلبي من الحكومة السعودية تجاه مصر. ولم تتأخر مصر عن السعودية ولا لحظة ولن تتأخر عن مصر أي لحظة، هذا اقتناع راسخ ليس لدى حكومة البلدين فحسب، بل لدى شعب الدولتين أيضا".
 
وفيما يتعلق بقضية ترسيم الحدود البحرية بين الدولتين، قال الأمير محمد بن سلمان "ليس هناك مشكلة أصلا حول الجزر.. الذي حدث قبل سنة تقريبا هو فقط ترسيم الحدود البحرية.. والجزر مسجلة لدى مصر بأنها جزر سعودية، ومسجلة أيضا في المراكز الدولية بأنها جزر سعودية، وكل ما تم في العام الماضي هو ترسيم حدود بحرية، ولم يتم تنازل مصر عن أي شبر من أراضيها، أو يتم تنازل السعودية عن شبر من أراضيها. وترسيم الحدود جاء لأسباب المنافع الاقتصادية التي يمكن أن تنتج بعد ترسيم هذه الحدود، وعلى رأسها جسر الملك سلمان، أو إمدادات النفط، أو الغاز، أو الطاقة، أو الطرق".
 
6- توثيق العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، بعد سنوات من اهتزازها خلال إدارة أوباما، حيث كانت الرياض تعتبر واشنطن حليفا غير مستقر. ويهدف الأمير محمد بن سلمان إلى استعادة العلاقة الاستراتيجية مع القوى المركزية الدولية، وتقوية الاستثمارات المتبادلة والصفقات الاستثمارية والدفاعية، بما يؤدي إلى إعادة ضبط العلاقات الاستراتيجية وتقوية التحالفات بين البلدين، في ظل إدارة ترامب على نحو يقود إلى مواجهة التهديدات الرئيسية، وخاصة التصدى لسياسات إيران المزعزعة للاستقرار الإقليمي، وهزيمة التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود (تنظيما الدولة الإسلامية في العراق والشام، والقاعدة في شبه الجزيرة العربية).
 
فضلا عن رؤية بن سلمان لتعميق التعاون المشترك مع إدارة ترامب فيما يخص تسوية أزمتي سوريا واليمن، على نحو يطوي التوترات المعلنة بين الرياض وواشنطن خلال إدارة أوباما، وخاصة بعد تمرير الكونجرس في العام الماضي قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب (جاستا) الذي يخول الأمريكيين مقاضاة الحكومة السعودية لدعمها "المزعوم" للإرهاب، وتحويل هذا القانون، في ظل قيادة بن سلمان، إلى "مسدس بدون رصاص".
 
وتجدر الإشارة إلى حصول الأمير محمد بن سلمان على دعم واشنطن في زيارته الأخيرة في مارس الماضي لتوليه ولاية العهد في المملكة، خاصة أن الأمير محمد بن نايف كان يعرف بصلاته الوثيقة مع مؤسسات الأمن والاستخبارات في الولايات المتحدة، لاسيما في إطار مكافحة الإرهاب، ويبدو أن واشنطن غيرت وجهتها نحو بن سلمان، لاسيما مع صفقات تسليح الجيش السعودي، التي تعرف بأنها "صفقة القرن".  
 
7- تعزيز المصالح المشتركة مع روسيا، حيث تشهد المرحلة الحالية إعادة تموضع السياسة الخارجية السعودية. وثمة أهداف رئيسية، على نحو ما عكستها زيارة الأمير محمد بن سلمان لموسكو، في 30 مايو الماضي، والتي تتمثل في تنويع التحركات الاستراتيجية الخارجية السعودية، والرهان على الدور الروسي في التعامل مع الأزمات الإقليمية، وخاصة الأزمة السورية رغم الخلاف في جزئية بقاء الأسد، والحد من نفوذ السياسة الإيرانية، وتعميق التعاون الاستخباراتي لمواجهة التنظيمات الإرهابية، والتوازن في سوق الطاقة العالمية، وتطوير القدرات النووية السعودية، وتقوية شبكة المصالح الاقتصادية المشتركة. 
 
فالتحركات التي تشهدها جغرافيا الصراع في الإقليم، واستقرار أسعار النفط في العالم، وتحالفات القوى الإقليمية مع واشنطن تفرض على الرياض وموسكو التعايش على قاعدة خلاف. ويبدو أن هناك ترتيبات بأن يزور العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز موسكو في وقت لاحق من هذا العام، بناء على دعوة من الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لاسيما في ظل إدراك روسي بأن ثمة تحولات يشهدها الإقليم بعد إعادة تأطير العلاقات الأمريكية – السعودية، بل والعلاقات الأمريكية- الخليجية بعد زيارة ترامب للسعودية كأول محطة في جولته الخارجية.
 
خلاصة القول، المرجح أن السياسة الخارجية والدفاعية السعودية سوف تحافظ على الكثير من توجهاتها الإقليمية والدولية بعد تصعيد الأمير محمد بن سلمان لمنصب ولاية العهد، وخاصة فيما يتعلق بمواجهة الإرهاب، والتصدي لتمدد إيران، وتكثيف التحالف في مواجهة الدوحة وتركيا، ودعم الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وخلق شبكة من المصالح مع روسيا، بحيث يعكس الدخول في شراكات متعددة وليس شراكات حصرية، مع تغيرات في بعض الملفات الإقليمية، مثل تخفيض منسوب المشاركة في التفاعلات الداخلية السورية، وإعادة النظر في تحالفات قوات التحالف العربي داخل اليمن، على نحو يقود في التحليل الأخير إلى تنويع الخيارات، في ظل أزمات إقليمية شديدة السيولة والتحول في التحالفات، لاسيما مع بدء الدخول لعصر "المملكة الرابعة".

رابط دائم: