هل من مسار جديد لدول حوض النيل؟
20-6-2017

د. أماني الطويل
* خبير في الشئون الإفريقية، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية‮.‬
تلوح  فرص مناسبة للتوافق في قمة دول حوض النيل، التي تعقد يومى 21 – 22 يونيو الجارى، في أوغندا حول موضوعات الانقسام والخلافات التي سبق وأن جمدت مبادرة حوض النيل، وتسببت في خسائر جسيمة لجميع الأطراف خلال السنوات الماضية، حيث إن الحضور المصري لأعمال القمة يعني اتجاه مصر نحو إنهاء فترة تجميد أنشطتها في المبادرة، والتي استمرت سبع سنوات، وكذلك الإقدام علي طرح مبادرات جديدة لاختراق الموقف الراهن، وحل الخلاف بين الأطراف علي أسس محددات القانون الدولي، وقواعد التعاون المتعارف عليها للدول المتشاطئة للأنهار المشتركة.
 
 تبلور الاتجاه المصري الجديد بعد إدراك جميع دول منابع النيل الخسائر المؤكدة لحالة الانقسام  والخلاف. فمن ناحية، جمدت مصر أنشطتها في مبادرة حوض النيل، في أكتوبر 2010، كرد فعل علي توقيع معظم دول منابع النيل على اتفاقية الإطار القانوني والمؤسسي للمبادرة والمعروفة باسم اتفاقية "عنتيبي"، وذلك  دون حسم الخلاف على ثلاثة بنود في الاتفاقية، أهمها بند الأمن المائي، مقابل الحصص التاريخية التي أصرت القاهرة على تضمينها في الاتفاقية، وكذلك بند الإخطار المسبق، والموافقة بالإجماع وليس الأغلبية. 
 
أما من جانب دول المنابع ، فقد تسبب الانقسام بين دول حوض النيل في تراجع قدرات هذه الدول لجذب المنح والمساعدات الدولية المرتبطة بمبادرة حوض النيل، حيث قرر الشركاء الأجانب أيضا تجميد كثير من البرامج التمويلية.
 
 تبدو ملامح  الموقف المصري الراهن قد استقرت علي عدم ضرورة المساس باتفاقية 1959، والموقعة بين مصر والسودان، وتضمن حصة البلدين في مياه النيل وضرورة إدراجها ضمن بنود اتفاقية "عنتيبى"، وأن تضمن القاهرة والخرطوم حقهما في أن تكونا ضمن الأغلبية عند التصويت على القرارات الصادرة عن المجلس الوزاري لدول حوض النيل المنبثق عن اتفاقية عنتيبي، بحسبان البلدين دولتين لمصب النيل. أما البند الثالث، فيقضى بعدم البدء في تنفيذ مشروعات مائية بأعالى النيل قبل الموافقة عليها من المجلس الوزاري، وهو ما يعرف بمبدأ الإخطار المسبق والمتوافق مع القوانين الدولية المنظمة للأنهار العابرة للحدود.
 
 كما أن المبادرة القانونية المصرية المقدمة لحل أزمة الخلاف حول "عنتيبي" تتضمن وضع وثيقة جديدة تكون أشبه باتفاق المبادئ الموقع على مستوى دول النيل الشرقى، مصر والسودان وإثيوبيا، ويتضمن عددا من المبادئ الحاكمة لإدارة مياه النيل على المستوى الإقليمي، وتحديد الخطوط الرئيسية لآليات التعاون المشترك، واتخاذ القرارات فيما يتعلق بأي مشروع على مجرى النهر.
 
وتراهن القاهرة علي أن اختراق الموقف الخلافي الراهن في مبادرة حوض النيل يعني باختصار فتح آفاق التعاون في مختلف المجالات التنموية بين دول حوض النيل، خاصة في مجالات الزراعة، والري، والطاقة، ومواجهة الجفاف والتصحر، وكلها مجالات تحتاج إلى ضخ تمويل لا تملكه معظم دول الحوض، وإن كان بعضها يملك كوادر بشرية، كمصر، تستطيع أن تسهم في تنفيذ هذه المشروعات بتكلفة اقتصادية أقل ربما من الاستعانة بكوادر أجنبية.
 
 كما أن مصر قدمت نموذجا تعاونيا مشرفا بتمويل سد أنجا في أوغندا للحصول علي الطاقة، واجتثاث النباتات من بحيرة فيكتوريا التي جعلتها قابلة لأنشطة الصيد، وبالتالي، شكلت دعما للاقتصاد الأوغندي، وذلك فضلا عن وجود توجه مصري لم يتبلور نهائيا قائم علي الشروع في الاستثمار المباشر بدول حوض النيل، ليس فقط بآليات قطاع الأعمال الخاص ولكن أيضا بالأدوات الحكومية، كالبنوك الأربعة الكبرى التي تملك فوائض وقدرات استثمارية كبيرة، خصوصا مع وجود بنك ضمان الاستثمار الإفريقي بالقاهرة.
 
 يمكن القول إن الجهود الاستباقية لعقد القمة التي قام بها الرئيس عبدالفتاح السيسي في زيارات خاطفة لكل من أوغندا وكينيا خلال الأشهر الأخيرة ، والحضور المصري المنتظم لقمم الاتحاد الإفريقي علي مدي العامين الماضيين، فضلا عن التفاعل الدبلوماسي الإيجابي في مفوضية الاتحاد، عبر المنافسة علي المواقع المختلفة – كل ذلك أسفر عن نوع من أنواع التحول النسبي من جانب دول المنابع إزاء مصر ، حيث تم اختراق حالة الهواجس التي تسبب فيها التوظيف الإثيوبي لفترة حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي .
 
في هذا السياق، تجب الإشارة إلي العديد من المتغيرات الإقليمية التي جرت في المشهدين السياسيين الدولي والإقليمي، التى لابد وأن يكون لها انعكاسات علي دول حوض النيل ومسار قراراتها المستقبلية إزاء مصر. إذ خسرت إثيوبيا أصدقاء في إدارة أوباما كانوا يضمنون لها وزنا إقليميا، أسفر عن تصعيد الأزمات وليس تحجيمها، خصوصا في الصومال وكينيا. في المقابل، حازت مصر مساندة مهمة من الإدارة الأمريكية مؤسسة، في جانب منها، محاربة الإرهاب. يضاف إلى ذلك، الدور المصري النشط حاليا في ليبيا، وطرح المبادرات المرتبطة بمحاربة الإرهاب في دول الساحل والصحراء، وكلها تفاعلات مؤثرة إيجابيا علي دور ووزن الاتحاد الإفريقي في هذه المرحلة>

رابط دائم: