كتاب للمناقشة: تقييم التوجهات الخارجية الأمريكية تجاه آسيا
6-8-2017

سمية متولي السيد
* معيدة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية
Kurt Campbell, "The Pivot: The Future of American Statecraft in Asia", (New York: Twelve, 2016).
 
تبنت إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما استراتيجية التوجه نحو آسيا (Pivot to Asia)، مع الحد من الانخراط العسكري في منطقة الشرق الأوسط، كحل لتراجع موقع الولايات المتحدة، كقوة عظمي تهيمن منفردة على النظام الدولي، بعد أن أنهكتها الحرب في أفغانستان (2001)، والعراق (2003). 
 
وقد انطلقت الاستراتيجية من أن الانشغال الأمريكي بقضايا المنطقة لم يعزز من وضع واشنطن كقوة دولية، كما لم يساعد على حل مشكلات المنطقة، بل عقدها، وجعل الولايات المتحدة تتجاهل مناطق استراتيجية أخري مهمة، ستشكل النظام الدولي، لضمها قوي صاعدة (الصين وروسيا)، تسعي إلي منافستها على قيادة النظام الدولي، وتعزيز نفوذها في مناطق غاب أو ضعف فيها الوجود الأمريكي.
 
مع تغير الإدارة الأمريكية، بعد فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في الثامن من نوفمبر 2016 يثور التساؤل حول ما إذا كانت الإدارة الجمهورية الجديدة ستطبق استراتيجية التوجه نحو آسيا التي صاغتها إدارة ديمقراطية، أم لا؟ وللإجابة على هذا التساؤل، نناقش الأفكار التي طرحها كورت كامبل في كتابه "المحور: مستقبل الإدارة السياسية الأمريكية في آسيا". وتنبع أهمية هذا الكتاب من أن مؤلفه شغل منصب مساعد وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون لشئون شرق آسيا والباسيفيك.
 
يناقش كامبل في كتابه دوافع تلك الاستراتيجية، وما إذا كانت ردة فعل على الصعود الصيني إقليميا ودوليا أم لا، وتأثيرها في الالتزامات السياسية والعسكرية للولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، وعلاقاتها مع الدول الأوروبية. ويقدم المؤلف نصائح للإدارة الأمريكية الجديدة للاستمرار في تنفيذ استراتيجية التوجه نحو آسيا التي دشنتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، والبناء على النجاحات التي حققتها الإدارة السابقة لموازنة القوي الآسيوية الصاعدة إقليميا ودوليا.
 
استراتيجية المحور الآسيوي:
 
لا يعني ارتباط استراتيجية "التوجه نحو آسيا" بإدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما أن الإدارات الأمريكية السابقة، خاصة إدارة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش، لم تكن تدرك أهمية الوجود الأمريكي في القارة الآسيوية. وقد أكد كامبل ذلك في الفصلين الأول والثاني من كتابه، حيث قال إن الولايات المتحدة الأمريكية لم تترك آسيا حتي تعود إليها، ولكن صناع القرار الأمريكي، عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، انشغلوا بمواجهة التهديدات الآتية القادمة من العراق وأفغانستان، مع إغفال التهديدات المحتملة القادمة من آسيا، والتي تتمثل في الصعود الصيني، وإمكانية تهديده للقيادة الأمريكية عالميا.
 
وعلى الرغم من صدور الكتاب قبل ظهور نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016، والتي فاز بها المرشح الجمهوري دونالد ترامب، الذي يرفع شعار "أمريكا أولا"، والتركيز على بناء الداخل الأمريكي بدلا من التوجه للخارج، فإن الكاتب يؤكد في الفصلين السابع والثامن أن هناك اتفاقا بين الحزبين الكبيرين داخل الولايات المتحدة، الجمهوري والديمقراطي، على ضرورة تركيز السياسة الخارجية الأمريكية على التطورات التي تشهدها القارة الآسيوية.
 
ويري أن داعمي الدور الأمريكي في الحزبين يتفقون حول القضايا الأساسية (بناء التحالفات القوية، الحفاظ على حرية التجارة، وتعزيز الوجود والنفوذ الأمريكي)، وهو ما يمكن أن يدفع في سبيل الحفاظ على استمرارية استراتيجية التوجه الأمريكي نحو آسيا.
 
التنافس الأمريكي - الصيني واحتمالات الصراع والتعاون:
 
تذهب تحليلات أمريكية إلي أن استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية للتوجه نحو آسيا، خلال إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، كانت تهدف بالأساس إلي احتواء الصعود الصيني إقليميا وعالميا. وهو الأمر الذي دفع بعضها إلي استحضار مرحلة الحرب الباردة، حيث التنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق على قيادة النظام الدولي. وفي تعارض مع هذا الاتجاه، يري كامبل أن الاستراتيجية لم تهدف إلي احتواء صعود الصين، لكنها كانت تسعي إلي تكثيف العلاقات الأمريكية - الصينية في إطار أوسع وأشمل يضم دول القارة كافة. ويضيف أن الولايات المتحدة هدفت من تبني استراتيجية التوجه نحو آسيا إلي أن يدرك صانع القرار الصيني أن الفردية في العلاقات الدولية، وتهديد حرية الملاحة في أعالي البحار ستكون تكلفتهما أعلى من أن تتحملها الصين. كما رغبت واشنطن عبر تلك الاستراتيجية في طمأنة حلفائها الآسيويين، والحفاظ على توازن القوي الآسيوي، والتأكيد للصين والقوي الآسيوية الأخري كافة أن الولايات المتحدة لن تنسحب من آسيا.
 
يؤكد كامبل في الفصل الثاني من الكتاب أن العلاقات الأمريكية - الصينية، وإن شابها بعض التوتر، فمن الصعب اختزالها في معادلات صفرية، لكونها علاقات متشابكة ومعقدة، وهو ما يؤكده الحوار الاستراتيجي الاقتصادي بين البلدين، وكذلك الحوار الاستراتيجي الأمني بينهما حول قضايا الأمن السيبراني، والأمن البحري.
 
هناك عديد من الدراسات الأكاديمية التي تؤكد صعوبة نشوب حرب باردة بين الصين والولايات المتحدة، لأن هناك نقاط التقاء واتفاق بين الطرفين، مثلما توجد نقاط اختلاف وتنافس، وهو ما يجعل تكلفة الصدام بين البلدين أعلى للطرفين(1). كما أن حالة الاعتماد المتبادل بين دول العالم، في ظل العولمة، تجعل التصور الأكثر واقعية هو تحديد مجالات التعاون، والتنافس، والصراع.
 
وثمة اتجاه بين الأكاديميين يرفض إقحام وصف الحرب الباردة على العلاقات الأمريكية - الصينية، انطلاقا من أن هذا التشبيه أساسه التسليم بأن القوة الأمريكية أمر مسلم به، وأن أي صعود لقوة أخري يحتم الصراع بالضرورة، وأن الولايات المتحدة مدفوعة في سياساتها الخارجية بالدفاع عن نظام القطب الواحد الذي تمثله في العلاقات الدولية(2).
 
وفي المقابل، يري عدد من المحللين الآسيويين أن استراتيجية التوجه الأمريكي نحو آسيا هي رد فعل للصعود الاقتصادي والسياسي الصيني، وأن مساحات التوافق بين البلدين ليست عريضة بما يسمح بالتعويل عليها في إدارة العلاقات بين البلدين بشكل سلمي، لاسيما في ظل الإرث التاريخي من العلاقات المتوترة منذ 1949(3).
 
ويري البعض أن آسيا - الباسيفيك يمكن أن تكون ساحة يتجدد فيها التنافس الأمريكي - الروسي، بعد أن قامت موسكو بدورها بتطوير استراتيجية موازية للتوجه نحو آسيا. كما أن التقارب الروسي - الصيني ممكن، مقارنة بإمكانية التقارب الأمريكي - الصيني. وبالفعل، بدأت بوادر التقارب الصيني - الروسي تلوح في الأفق مع اتفاق مقاربة الدولتين للقضايا الدولية.
 
آسيا والانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط:
 
يربط كثير من التحليلات بين استراتيجية التوجه الأمريكي نحو آسيا، وضرورات الانسحاب الأمريكي من منطقة الشرق الأوسط، وتنصل الولايات المتحدة من التزاماتها، في إطار اتفاقية حلف شمال الأطلنطي (حلف الناتو). لكن الكاتب يرفض هذا الربط، قائلا إن هدف الولايات المتحدة من تلك الاستراتيجية ليس إحلال منطقة محل الأخري لتستحوذ على اهتمامها، ومواردها، وإمكانياتها. وهو ما يعني أن الولايات المتحدة لا تنسحب من منطقة إلي أخري، ولكنها تبسط نفوذها، وتنخرط في مناطق متعددة حول العالم، وهذا سلوك متوقع من دولة عظمي مثل الولايات المتحدة.
 
بل أكثر من ذلك، يري كامبل أن تركيز السياسة الخارجية الأمريكية على آسيا من شأنه أن يعزز من نفوذ الولايات المتحدة في المناطق التي تشهد توترات سياسية. فعلى سبيل المثال، لن تُحدث العقوبات التي يتم فرضها على بعض الدول في إفريقيا والشرق الأوسط الأثر المطلوب دون تعاون الدول الآسيوية. كما أن تلك الدول أسهمت في تعزيز الدور الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، خلال إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، وفي مكافحة الإرهاب.
 
وفي هذا الشأن، يشير المؤلف إلي أن اليابان قدمت عددا من المشروعات الداعمة للمجتمع المدني في الشرق الأوسط، وقدمت كوريا الجنوبية قوات مقاتلة على الأرض في العراق، وأرسلت نيوزيلندا واستراليا قوات خاصة لمناطق الصراع، وقدمت إندونيسيا، وماليزيا، وتايوان مساعدات إنسانية كبيرة للدول المأزومة في المنطقة. أما الصين، فقد لعبت دورا دبلوماسيا في مباحثات السلام في أفغانستان، ومنع إيران من امتلاك أسلحة دمار شامل، والتعامل مع قضية القرصنة في المحيط الهندي.
 
ومن الناحية العملية، تضاءلت أهمية منطقة الشرق الأوسط كمنطقة جغرافية تخدم المصلحة القومية الأمريكية لتبدد دوافع الوجود الأمريكي في المنطقة، مع إخفاق الولايات المتحدة في إقامة نظام إقليمي مستقر، توازن فيه القوي الإقليمية (السنية والشيعية) بعضها بعضا لتجذر الانقسامات المذهبية في المنطقة، وعدم قدرتها على إنهاء الحرب الأهلية الدامية في سوريا، وفشل جهود إعادة الإعمار في العراق، لاسيما بعد الانسحاب الأمريكي منها.
 
كما أن الولايات المتحدة، حسب عديد من التحليلات والدراسات الأمريكية، لم تعد في حاجة إلي الوجود العسكري في منطقة الخليج العربية لتأمين إمداداتها من النفط، مع تزايد عمليات التنقيب عن النفط في خليج المكسيك، وثروتها من الغاز والنفط الصخريين. بعبارة أخري، في ظل توافر بدائل محلية للحصول على الطاقة، لم تعد الولايات المتحدة الأمريكية في حاجة إلي تأمين تدفقات النفط العربي إلي أراضيها بالدرجة نفسها التي كانت عليها في الماضي.
 
وبالمقارنة، أوضح كامبل في الفصلين الثاني والثالث أن اقتصادات الدول الآسيوية تتمتع بمعدلات نمو غير مسبوقة، لارتفاع معدلات النمو السكاني في الدول الآسيوية (60 من سكان العالم)، واتساع الطبقة الوسطي في هذه الدول (ثلث الطبقة الوسطي في العالم)، بما يجعلها مؤهلة لأن تصبح مركز جذب للصادرات الأمريكية المستقبلية. علاوة على أن الاستثمارات في البني التحتية في الصين (تطوير شبكة المواصلات، والقطارات شديدة السرعة، وتطوير المطارات) تجعلها بيئة جاذبة للاستثمارات والشركات الأجنبية، ومن ثم يمكن أن تفتح أسواقا للأمريكيين، بما يساعد الولايات المتحدة على تجاوز أزمة البطالة التي طالت قطاعات واسعة من الشعب الأمريكي. ويري المؤلف أن هناك مجالات شتي ومتنوعة يمكن أن تمثل نقاط التقاء للمصالح الأمريكية - الآسيوية، ومن ثم تفتح آفاقا للتعاون بين الجانبين بشكل ثنائي وجماعي.
 
لكن هذا لا يعني انسحابا كاملا للولايات المتحدة الأمريكية من منطقة الشرق الأوسط، لأن صياغة استراتيجية التوجه نحو آسيا جاءت في إطار النظر للولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمي لها التزامات ومسئولية عالمية تجاه دول العالم أجمع. ومن هذا المنطلق، رأي بعض المحللين أن الولايات المتحدة الأمريكية يجب عليها أن تتمركز في آسيا-الباسيفيك، وأن تطوق الشرق الأوسط، تحسبا للتهديدات الأمنية، وفي مقدمتها صعود الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تعمل على زعزعة استقرار المنطقة، وهو الأمر الذي يهدد المصالح الأمريكية بصورة ملموسة(4).
 
خاتمة:
 
يقدم الكتاب أساسا استرشاديا للاستمرار في تطبيق استراتيجية التوجه نحو آسيا عن طريق رصد نجاحاتها وإخفاقاتها. وإذا ما أريد لهذه الاستراتيجية الاستمرار، فيجب على إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تكوين كوادر من المتخصصين في الشأن الآسيوي داخل أروقة وزارتي الخارجية والدفاع لتشكيل السياسة الخارجية الأمريكية تجاه القارة الآسيوية، التي تضم القوي الدولية الصاعدة والقادرة على منافسة القوة الأمريكية دوليا، فضلا عن ضرورة الاستمرار في تعزيز العلاقات الدبلوماسية مع القوي الآسيوية، والعمل على توجيه الشركاء والحلفاء للانخراط في القارة الآسيوية بما يضع حدا للتغول الصيني في المنطقة.
 
ترث الإدارة الأمريكية الجديدة رصيدا من الإنجازات التي حققتها إدارة الرئيس أوباما، من خلال تبنيها لاستراتيجية التوجه نحو آسيا على الأصعدة كافة، والتي يمكن أن يبني عليها الرئيس ترامب لتعزيز العلاقات الأمريكية مع الدول الآسيوية. فدبلوماسيا، عملت الإدارة السابقة على تعزيز علاقاتها الثنائية مع جميع الدول الآسيوية، وكثفت من انخراطها في المؤسسات الآسيوية متعددة الأطراف. وعسكريا، عملت إدارة أوباما على إعادة تموضع القوات البحرية، وتعزيز الوجود الأمريكي في المحيط الهادي بنسبة 60 مقابل 40 في الاطلنطي، والتدريبات العسكرية البحرية المشتركة مع الصين، وبعض الدول الأخرى مثل: الهند، ونيوزيلندا، وإندونيسيا، وفيتنام. وعلى الصعيد الاقتصادي، عقدت اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي (TPP)، والتي وقع ترامب أمرا تنفيذيا للانسحاب منها عند بداية عمل إدارته.
 
كما قدمت الإدارة السابقة المساعدة السريعة والإنسانية في الأزمات التي تعرضت لها آسيا، فقد ساعدت كوريا الجنوبية دبلوماسيا وعسكريا في مواجهة الاستفزازات التي قامت بها كوريا الشمالية، وأمدت اليابان بمساعدات إنسانية في عام 2011، بعد زلزال وتسونامي توهوكو، وقامت بوضع قواعد للحفاظ على حرية الملاحة في بحر الصين، بعد التجاوزات الإقليمية التي قامت بها بكين في بحري الصين الشرقي والجنوبي.
 
يسجل الكتاب بدقة المحطات الأساسية التي مرت بها العلاقات الأمريكية - الآسيوية، ويرسم ملامح الفرص والتحديات التي يمكن أن تواجه صانعي السياسة الخارجية الأمريكية في إدارة العلاقات مع الجانب الآسيوي، وفي الداخل الأمريكي للاستمرار في تنفيذ استراتيجية التوجه نحو آسيا، بما يحافظ على الهيمنة الأمريكية وقيادتها للنظام الدولي ومؤسساته التي أسستها الولايات المتحدة، عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، لتعزيز مكانتها في النظام الدولي الوليد بعد تلك الحرب.
 
الهوامش :
 
1- Steven Ratuva. 2014. A New Regional Cold War American and Chinese Posturing in the Pacific. Asia and the Pacific Policy Studies. Vol. 1. No.2. Pp. 409-422.
 
2- Ibid. P. 420.
 
3- Zulfqar Khan and Fouzia Amin. 2015. Pivot and Rebalancing Implications for Asia-Pacific Region. Policy Perspectives. Vol. 12. No. 2. Pp. 3-28.
 
4- David W. Barno, Nora Bensahel and Travis Sharp. 2012. Pivot but Hedge: A Strategy to Pivoting in Asia While Hedging in the Middle East. Orbis. Vol. 56. No. 2. Pp. 158-176.

رابط دائم: